استيلا قايتانو   في ليلة قمرية.. قصة تتحدث عن نبل الصراع المتكافئ ونبذ الانتقام ولا بد من وجود امل نتمسك به لان الامل وقود الاستمرار، زهور ذابلة وبها سميت المجموعة القصصية التي صدرت عام 2004 من دار عزة للنشر  تتحدث عن العطاء دون انتظار مقابل.. عدم الاستسلام طالما ان هناك بقية نفس.

خرائط لعوالم مجهولة، قصة تتبعت فيها حياة المشردين في المدن الكبرى، حياة الاطفال الذين القى بهم في ظروف طاحنة عليهم ان يتعلموا كيف يعيشون للغد، معاقين ومجزومين ليعرضوا عاهاتهم ليجود لهم المارة بالنقود او الطعام، يظهرون ويختفون دون ان يشعر بهم احد، موتهم كحياتهم يمر بصمت.

اشهر شئ في نصوصي هو اني اقتل ابطالي ربما ليظلوا خالدين، او اريد ان انقذهم من حياة كالموت بموت لائق كالحياة او انقذ نفسي بالخواتيم النهائية بعد ان يصيبني رهق الكتابة وشقاوة الابطال الانانيين الذين يمسكون بتلابيب قلمي من اجل نهاية مرضية لهم، من المهم ان يموت الابطال حتى نحس بذاك الفراغ الجارح الذي يتركونه في حياتنا لنجتهد لنعيد لهم الحياة بطرائق اخرى كراوينا الطيب صالح في سيرته وسريرته  وهو يجمعنا في غيابه الحاضر وحضوره الغائب، كثيراً ما ادس بريق امل في النصوص الكئيبة، اما بضوء او ابتسامة او اخضرار غصن في جسد شجرة متفحمة بالاحتراق.

 الصحافة : مساحة اخرى تتحمل الحكي بمحازاة الخبر والتحقيق والحوار والتقرير.. الكتابة في الصحافة هي لون من الكتابة وجدت نفسي متورطة فيها حتى النخاع وهو السبيل الوحيد للتفاعل اليومي مع قضايا الوطن والمجتمع ووضع الآراء والافكار وهي طازجة.. ولكنها محرقة الاستهلاك السريع لكتابة.. وهي فعلا خصمت مني الكثير وافقدتني الصبر على الكتابة الابداعية.. ولكنها تجربة لها اهميتها بالطبع ومساحة اخرى للحكي والثرثرة اليومية مع القراء.. اكتب من قلبي كي ادق تلك النوافذ المغلقة في قلوب الآخرين.. ابكي يشاركني الاخرون حزني.. افرح يشاطرني الاخرون سعادتي.. اغضب يقاسمي الاخرون المي او اكتب فرحاً وبكاءً وغضباً وآلام الاخرين، على العموم هناك التقاء بشكل ما وذلك يملؤني بالحبور.

الكتب : لو لم تغزنا الكتب لما حققنا انتصارات على محافل الكتابة، تعلمت من غبريال  غارسيا ماركيز وازابيل الليدي والطيب صالح وجورج امادو وزينب بليل وبركة ساكن وسارة الجاك واسحق ابراهيم وليلى ابو العلا  وابكر ادم اسماعيل وبثينة خضر مكي وآخرين كثر.. ان كل شئ يمكن كتابته، الانفاس والروائح، الآلام والبلل، عري الروح والجسد والشعور،  تفاصيل التفاصيل التي لا يهتم بها عادة الناس العاديين، لذا اكتب بذاكرة كاميرا التقت التفاصيل الجامدة وافجر فيها الحياة.. ولكن كثيرا ما خفت من الكتب خاصة في بداياتي لاني اخاف ان اسرق منها شيئاً عجبني وادسها في نص،  كما نجيد سرقة حياة الناس وندسها في حروفنا، ولكن وجدت بان قراءة الروايات لا تستفزني لاكتب، والغريب ان الشعر يستفزني للكتابة اكثر من قراءة القصة والروايات، لذا فكثير ما استفزتني القصائد – فشعر القدال ومحجوب شريف وحميد ونجلاء عثمان التوم  وامل دنقل ودرويش وازهري محمد علي وايمان آدم والصادق الرضي وعاطف خيري وغيرهم من الشعراء كثيراً عندما استمع لبعض الندوات الشعرية اعود الى البيت واكتب نصوصاً قصصية وليس كتابة قصيدة ! لا ادري قد نسمي هذا حول ابداعي .

 ثابرت بان اكتب نصوصا صالحة للسرقة او ربما تتسبب في غيرة ابداعية من احد زملائي ليقول  ياليتني كاتب هذا النص كما اصابتني الغيرة والحسد كثيراً، كيف تكتب احلام مستغانمي بكل هذه الاناقة والمتاهات اللغوية التي تشعرنا بالامتلاء والتخمة الجمالية وتصيبنا بفوضى الحواس،  حيدر حيدر واسيني، همنغواي.  ولكن لا انكر تأثري الكبير بهم وسببوا لي كل ذاك الخوف من اقتحام عالم الرواية، لاني دائما كثيرة التساؤل كيف استطاع هؤلاء كتابة كل هذه الحياة بين دفتي كتاب ؟؟ .

الوطن :  دعوني استعين بشعر امل دنقل عندما قال : مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة ، لو بالامكان اعادة تعريف تلك الرقعة الجغرافيا التي بها عدد من المجتمعات بينهم روابط مشتركة، هل هذا هو الوطن ؟ وطني الان عدة رقعات من الارض يسكنها عدد من السكان  بينهم روابط مشتركة ولكن بعضهم ينكرونها لا يحبون اظهارها، الوطن عندي فراغ في الذاكرة ملئ بالحروب والنزوح والتشرد، قتل ودمار، قذائف وطائرات تحصد الموتى دون كلل، دماء وكلاب وصقور تاكل الجثث، رعب وجوع وقبور جماعية، مخيمات ولجوء، وطني جيفة تتكالب عليها المنظمات الانسانية والاممية، يطأ اراضيها جنود غرباء بعدة الوان من القبعات، حمراء وزرقاء وخضراء  ولا يتحدثون لغاتنا، وطني قتال دائم بين الاخوة تحت دعاوي عديدة مرة باسم الدين واخرى باسم الهوية تتعدد الاسماء والحرب واحدة ، هذا هو وطني كان ومايزال، كيف يقيم الانسان في وطنه وحقائبه معدة للرحيل، منذ الانفصال وانا اسكن الحقائب وامر بالمطارات عدة مرات في السنة بين وطنين مازالا في قلبي وطنا واحداً، وطن احن اليه وآخر اتعرف عليه لاكسر حاجز الغربة بيني وبينه، الوطن عندي هو حب من اتجاه واحد،  والوطن عندي حلم بعيد المنال.. جرح لا يكف عن النزيف، ياليتني كنت ممتلئة بتلك الطاقة الايجابية التي حشدت اهلي ذات يوم ليقفوا في صفوف الاستفتاء للتصويت للانفصال من اجل تحقيق حلم الوطن الذي كان يراودهم ويسعهم ويحسسهم بالتحرر، يا ليتني كنت متسلحة بوعي يغبشه الكثير من الظلال والاكاذيب والتضحيات، ياليتني كنت مؤمنة بان خوض الحروب هي الطريق الاقصر لقول لا ! ثم ناتي ونجلس بعد كم هائل من الخسائر والهزائم ونفاوض تحت الضغوط الدولية والاقليمية، كم هي مرهقة اديس ابابا بانهياراتنا التفاوضية. لقد تحرر قومي من الشمال ولكن مازال البعض منهم عاجزون عن تحرير انفسهم من عيوبهم والتي كانت متدثرة تحت جلباب الشمال، وكان الشمال يتحمل كل تلك الاوزار والاخفاقات والفشل وهناك من يتلذذون بذات المبررات حتى الان.. وطني شاهد على ان ابطال الامس قد يتحولون بين ليلة وضحاها الى مجرد اناس عاديين يستطيعون سرقة المال العام والخوض في الفساد والبزخ والترف خوض الحرب وقتل الآلاف للحفاظ على الامتيازات بينما مازال الكثير من من قيل لهم بالامس بان هذه الحرب من اجلهم وكل التضحيات الجسام في الارواح من اجل وطن ووضع افضل، يسحقهم الجوع والمرض والجهل بينما تتبختر اغلى سيارات العالم في شوارع جوبا الخربة، التقاء مدوي بين الحلم والحقيقة، بين الواقع والمتوقع، دائما هناك الف مبرر لخوض الحرب وبينما لا يستطيعون ايجاد سببٍ واحدٍ لاستتباب الامن والسلام من اجل الغلابة. بعد الاستقلال ورحيلي جنوباً كان هناك فرق ساشع بين حلم العامة واحلام السياسة، العامة ملأهم الاستقلال بالحرية والكبرياء لدرجة عدم مؤاخذة الساسة على هفواتهم الصغيرة والكبيرة كنت فرحة لفرحهم وانا ارى ذلك الشعور بالكبرياء في قاماتهم المديدة وايمانهم بانهم سوف يفعلون شيئاً ياما حلموا به، كانوا شفيفين ونقيين ويريدون الاعتماد على انفسهم لبناء الدولة الجديدة، فعادوا من كل اصقاع الارض تلبية لنداء الوطن، تحملوا سوء الاوضاع من عدم توفر المياه النظيفة والكهرباء والانفلات الامني وهفوات الساسة على امل ان الغد افضل، ولكن تلك الحرب الاخيرة والـ “بلا معنى” قد صدمتهم بل الجمتهم وتركتهم يفكرون بطريقة اخرى وبان الامور ليست دائما كما تبدو عليه كم اشفقت على نفسي وعليهم، ولكنا مجبرون في زمن الحرب ان نصدق الشعارات والاكاذيب حتى يستطيع الجنود خوض القتال وحتى يستطيع العامة تحمل تلك الاثار المدمرة التي تخلفها الحرب في بيئتهم ونفوسهم، بالنسبة لي ككاتبة كنت اتمنى الا اكتب عن الحرب والنزوح مرة اخرى  ولكن.. كتبت نصاً في جوبا يسمى “انا خائفة”.. يتحدث عن بيئة المدينة الان حيث يكثر النهب المسلح المنظم ليلاً، يرعبون الناس ويسرقون عرقهم دون ان يرمش لهم جفن وقد يقتلون اي احد وفي اي لحظة، في ضعف واضح لهيبة الدولة لتأمين الناس، فهي قصة عن ارملة صرفت حقوق زوجها النقدية وصارت تخطط لكيفية صرفها وهي ام لعدد من الاطفال قتل والدهم في الحرب واذا به يحضر بوم الليل هؤلاء ويهددونها ليلاً ويسرقون قوت اولادها وعرق ودماء زوجها وحلمها .

من ضمن الاشياء التي اهتم بها اني كنت ابحث عن اسباب كل ذاك الخلاف بين الشمال والجنوب، بين السودانيين الذين يسكنون جنوباً والذين يسكنون شمالاً، وجدت انها لم تكن اسباباً بمعنى الكلمة بل هي تفاصيل صغيرة توجد في كل بيت وفي كل مجتمع ولكن عدم تقديرها واحترامها واهمال التنمية والتعليم  جعلتنا نخوض اطول الحروب في افريقيا تلونت واخذت اكثر من اسم واخيراً انتهت بالانفصال، وتساءلت يومها هل كان الامر حقاً بتلك العظمة حتى نحلها بهذه الطريقة المؤلمة والصادمة ؟ لتتحول دولتا السودان الى واحدة مخنوقة  والاخرى مشلولة ويتنافسان على المراتب الاولى للدول الاكثر فشلاً في العالم ؟ رغم ان مواطني الدولتين الان الذين ضاق بهم الوطن يلجأون الى اقرب دولة لهم واقرب دولة لنازحي جبال النوبة والنيل الازرق ودارفور هو جنوب السودان ولاجئي الجنوب عندما فكروا في اللجوء بعد ان اشتعلت حرب المدن في الجنوب اتجه اغلبهم شمالا نحو السودان. وما كان ذاك الخصام المصطنع الذي لف الناس كان عبارة عن متاجرة لاذكاء روح التفرقة، لان الان السودانيين المنتمون الى الشمال موجودون بكثرة في الجنوب ويعملون في كل المجالات تقريباً، اطباء وتجار ومهندسين وسائر الاعمال ، وجوامع جوبا تتكدس بمئات من المسلمين يمارسون شعائرهم دون خوف حتى صلاة الاعياد تتم في الميادين الكبيرة والمولد النبوي الشريف ، بل حتى ان  الاذان من اولى دلالات انبلاج الفجر ويليها بمدة اجراس الكنائس، لا احد يتعرض الى احد كما كان يشاع وولا احد مهدد، لكن من كان سيقاتل ما لم ندس بان هناك عداء للدين والعروبة، ومن كان سيصوت للانفصال ما لم ندس مقولة مواطنين درجة ثانية. لنكتشف بانه مازال هناك درجات للناس صنعها الفساد، ومازال هناك اقصاء رسخته سوء ادارة الدولة ومازال هناك عدم تنمية وجهل ومرض وحرب، لندور في دائرة مفرغة عندما نلتف حول الحقائق ونرفض التشخيص المؤلم للقضايا لحلها ونبحث عن شماعات لنعلق عليها اخطاءنا بدل ان نعترف بها، لان الاعتراف هو اول جرعة علاج رغم مرارتها ولكن يجب ان نتجرعها حتى نشفى.

بعد هذه التجربة كتبت قصة “عبق مهن”، اهديتها لروح  د.جون قرنق، استلهمت فيها السودان بكل تفاصيله، تأكيدا ان للمهن روائح، ست الشاي وست الكسرة حاجة آمنة والتي لم تحج ابدا وبائعة الكايموت.. الميكانيكي والحمًال والمثقف، بائعة الحلوة والدرويش، استحضرت الشلوخ والقامات الفارعة والملوك القدماء والشباب الضائعين، وضعتهم في بص وقتلتهم جميعا بموت يليق بهم.. الموت غرقاً في احضان النيل العظيم اليس ما نحن فيه غرق يفوق الجنون ؟ .

عن النقد : تناول الكثير من النقاد نصوصي القصصية على قلتها ولقد ساعدني ذلك كثيراً، منهم عرفت ماذا تعني الواقعية السحرية، عاجزة عن الشكر للدكتور محمد المهدي بشرى اول من تناول نصوصي بالنقد والاستاذة اماني ابوسليم والاستاذة زينب بليل ود. الصاوي على عدة مرات والاستاذ الراحل المقيم احمد عبد  المكرم والكثيرين من النقاد السودانيين والعرب الذين لم التقِ بهم حتى الان ولكنا التقينا في دروب الكتابة .

اخيراً شكرا للقائمين على امر الجائزة على هذه الدعوة اللطيفة لي، شكرا للسودان الوطن الذي له مقدرة فائقة للتمسك بحبه رغم الهزائم  شكرا لجمهوري وقرائي وانتم تحفونني بكل هذا الحب وسوف اعمل دائما لانال هذا الاستحقاق من الحب والاحترام مع امنياتي بغد افضل للجميع في القريب العاجل.

20/2/2014               

 فعاليات جائزة الطيب صالح للابداع الروائي