العود، رحما للسكينة، والسلام.. بقلم: عبدالغني كرم الله نحيفات، خصرهن "وكلهن خصر" أنحف من خيط بخور، يرسلن ضوء همس، لأذن القلب، حين تهتز خصورهن، من ألق المداعبة، ينشرن بخور صوت، يعبق قبة الأثير، وأعماق النفوس،

تنقرهن الأنامل الولهة، فيشع خمر صوتهن، بين الضلوع، أبهى ما يكون، حوريات خمس، سمر، حوريات العود، أوتاره الخمس

لا يفوقه، شئ، على إطلاق المدى، “العود”، ذلك الكائن الخشبي البسيط، الزاهد، تنام على صدره، تلكم الحوريات، خمس، أو ست،  نحيفات مثل حزمة ضوء، سمان كقلب ولي، هادئات الطبع كقلب أم، هامسات بنور مسموع، يركض رخوا منهن، أرشق من ضوء، وألهف من شوق صب، نقرات حسان، تضي أعماق الحياة، الكامنة في بني آدم، والحجر، والشجر، تآخي في لحظ،  في فؤاد صمدي، أنت وكل ما حولك، ولو أقصى المجرات، او جارك في المقعد، أو برعم في خلاء، يمص حلوى الطين، فيسيل غيم لعابك معه.

تلكم الأوتار الحنونة، حين تنقرها أنامل ماهرة، كأصابع اليسوع، تخلق من اللحن كهئية الطير، فتنفخ الروح في أجنحة الخيال، والحنين في خصر الذاكرة، فتحلق الروح مغردة، وقد أفردت جناحيها، على مدى الدهر، ما مضى من الزمان، وآت.

حتى أنه أبى (كطفل مدلل)، حين يعزف به، إلا ان تضعه في حجرك، طفلا وحبيب مدلل،  قرب قلبك، بل لصقه، كي يدزون الوتر مع النبض والشهيق،  وتداعبه بكلتا يديك، وكلتاهما يمين في حضرته، اليمنى تنقر صدر الوتر ، واليسرى تمسد أوتار عنقه الطويل، كزراف خشبي، يقضم من شجرة السماء، ثمار ما بعد المنتهى، والمشتهى، من سدر الحياة، تغمر طوايا النفس غيوم صوته، فتبلل حقول الطفولة، وتشم رائحة جسمك، وحلمك القديم، والآت، أي بسمة، مرت في حياك، من غيم أو سحب، أو إنس، تغشى بالك، أسمى ما يكون، فتورق أسارير الوجود كلها، طليقة المحيا، في عين قلبك.

مثلما ما يكون في حجر العازف، يتردد صداه في حجرك، يحكي لك عن قرب، ما كمن فيك، من ألق، وماجبل فيك من أنس، فتصحو على نقراته أوتاره الحسان، مباهج أهل الكهف كن نووم، أغمضت عينيها دهورا، من صدأ العادة، وأغبرة السعى في كبد القوت، واشواك الحرص، فتحس بالسلام، مع الأشياء والاحياء، كصديق ورفيق. 

العود، وصويحباته من أدوات العزف والأيقاع، أنها مملكة الموسيقى، هي من تعرف الإنسان، ومعاناته، وطاقاته الدفينة، وكنوزه المورثة، فتخرجه من عزلته، وتحلق بها في مسرات السماع، والطرب، والسكر، وتعيد خلق نفسه، فتزغرد النفس للنفس، في ميلاد عجيب، أعجب (ولدت نفسي رؤاها)، “بقابلة” أوتار، تمد يديها السعيدة، لرحم خيالك الدافئ، وضلوع ذكرياتك، فتستل منك، طفلا في مملكة الدهشة، تقلب طرفك في أرجاء روحك القديمة الجديدة، وقد شدت بينك وبين الحياة، وكل غابات الفكر، وبحيرات العاطفة، أواصر من صلة رحم، وإحسان قربى، فتحس

يعيد، عيد تعريف بيئته المحيطة بك، كأنك طفل ولد للتو، مندهشا من غبار المسلمات، وبريق الحب يبرق من كل فج، ومنحى، وأفق، ثملا من دن حلم صحو، وتكاثر وجود، في كل آن، وحال، وبال، فتلمع في أسارير وجهك، و قلبك، أشعة غروب ممالك غابرة، وضياء شروق أزمان آتية، في التو، واللحظة، من خمر السماع.

ليال كحلم، عطرت سماء الخرطوم، تتضوعت أوتار العود ببخور الموسيقى، في أسبوع أقامته دال الثقافية “الغذائية”، وبمجهود جبار، ومدروس، لخلق ثقافة الموسيقى الشعبية، وربطها بأوعاد جارة، وصديقة، من الشام، ووادي النيل، وبلاد كولمبس، ولكن من عجب، تحقق أن الوطن واحدا في السماع، فالموسيقى هي اللغة الأم، التي لا تترجم سوى في القلب، للأمي والعارف والجاهل، فما اطيبها من لغة، وأعرقها من أداه للتعبير، للأخوة الإنسانية جمعاء، حيث الأب آدم، والام حواء، ترجمانها القلب، ذو الألف لغة، ولهجة، ونغم.

كان ليال، موغلة في الجمال، أنيسة للخواطر، ثملة بالشطح الشخصي، ومباركة في الأسابيع، ومقدسة في السنين، والحياة، مثل تلكم الأيام التي تمر كغيم خيال “مرت الأيام، كالخيال أحلام”، ليال تراقبها كسحب غيم، تهاجر لماضيك، أجمل ما يكون، وتهمي هناك، ألقا من الحنين للامس والغد، غيث من أكسير، يؤمن بالخلود والسلام والفرح والخشوع 

في صحن الاحتفال، وأعياد الموسيقى، كانت هناك خيام، كراسي هناك، وبنابر هنا، فتاة تعزف ويتحلق حولها العشاق، وفي حجرها حبيبها الخشبي، ورجل ذو عمامة، يعزف،من حسان التراث، لكرومة، ونجقار،  وزوار بيت الله النبيل، في طواف حول المعرض، والعزف، والبخور، والتعرف على رواد العود في بلدي والكوكب، وهناك تلوح صورة جداوية، شقيقة عائشة الفلاتية، وهي من عزفت عام 1945م، للفتى أزهري، والمعلم الشاب حسن نجيله، وحلقت بهم في ملامح من المجتمع السوداني الأصيل.

يتبع: عن ليال العود، ومهرجان الخرطوم الأول، لموسيقى العود