رشا عوض السودان في مأزق تاريخي بمعنى الكلمة! خريطته الجديدة بعد انفصال الجنوب في طريقها هي الأخرى لأن تصبح قديمة!. وهي التي لم تترسخ بعد في ذاكرتنا البصرية،

إذ ان خريطة سودان ما بعد الاستقلال بشماله وجنوبه ما زالت هي المختزنة في عقولنا وقلوبنا وهي التي نتخيلها أمام ناظرينا كلما ذكر اسم السودان،

إذ ان مؤشرات الحراك السياسي في السودان داخليا، ومؤشرات السياسة الدولية تجاه السودان  ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كلها تؤكد ان الامور تمضي باتجاه تسوية سياسية جديدة مع نظام  المؤتمر الوطني، اي ان يشارك حزب  المؤتمر الوطني في عملية الانتقال الى وضع سياسي جديد عبر إصلاحات جوهرية في النظام بدلا من الإطاحة به، وهذا الاتجاه يؤكده عمليا انخراط حزبي الامة والمؤتمر الشعبي في عمليات الحوار مع المؤتمر الوطني، كما تؤكده الدوائر الأمريكية والغربية المختصة بالشأن السوداني، حيث تلخص  ورقة “الطريق إلى حوار وطني في السودان” التي أعدها برينستون ليمان المبعوث السابق للرئيس الأمريكي الى السودان، ومدير برنامج السودان بمعهد السلام الأمريكي – وهو معهد تابع لوزارة الخارجية الأمريكية وقد تأسست بروتكولات نيفاشا على ورقة صادرة عنه، أعدها الدكتور فرانسيس دينق بعنوان “نظامان في دولة واحدة” –   تلخص ورقة برنستون ليمان ملامح هذا الاتجاه اذ ورد فيها ان الحوار الوطني في السودان يجب “أن يتسم  بمشاركة عريضة تستند إلى إدراك أنَّ كافة قطاعات الشعب السوداني تمتلك الحق في المشاركة في تلك العملية بما في ذلك “الإسلاميون” الذين هم جزء لا يتجزأ من نسيج السودان السياسي وأصحاب حق مشروع في المشاركة في الحوار”، وأضافت الورقة:  “إذا شاركت كل المجموعات المعنية في عملية الحوار فإنهُ من المستبعد أن يتوصلوا إلى إجماع كامل آخذين في الإعتبار التاريخ الطويل والإنقسامات العميقة بينها. وإذا كان ذلك كذلك فإنَّ على السودان أن يستلف مفهوم “الإجماع الكافي” الذي تولد عن عملية التفاوض الطويل لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.”

وما دامت الدوائر الامريكية والغربية تتبنى خيار التسوية، فإن هذه الدوائر حتما سوف تضغط على الحركة الشعبية للوصول الى اتفاق ما في مفاوضات أديس ابابا، ومن ثم الضغط على حركات دارفور لدفعها الى تسوية ما عبر منبر الدوحة أو غيره.

وأية تسوية كهذه في ظل طبيعة النظام الحاكم الذي ترتبط مصالحه ارتباطا عضويا باحتكار السلطة والفساد،  وفي ظل حالة التشرذم والانقسامات والضعف في صفوف المعارضة، وفي ظل الانقسامات العرقية والجهوية التي باتت واقعا لا ينكره إلا مكابر، فإن أية تسوية سياسية تكون اليد العليا فيها للمؤتمر الوطني معناها تقسيم جديد للسودان، واستمرار للحرب حتى بعد التقسيم، وتفاقم  الأزمات السياسية والاقتصادية.

ولا مخرج من هذا المصير المظلم إلا بأحد خيارين، الأول قطع الطريق على هذه التسوية بثورة شعبية تطيح بالبشير ونظامه، والثاني هو تصعيد العمل النضالي من أجل تحسين شروط التسوية في الاتجاه الذي يجعلها تسوية عادلة وحقيقية تفتح الطريق أمام تحولات نوعية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، اي خيار التسوية التاريخية التي تضمن التحرك الى الامام.

  خيار الثورة الشعبية التي تقتلع النظام من جذوره له شروطه وتكاليفه، وخيار التسوية التاريخية أيضا له شروطه وتكاليفه، وكلا الخيارين له منطقه الخاص الذي يحكمه، ولكي ننجح في تحقيق أحدهما لا بد ان ندفع تكاليفه المستحقة، وكذلك لا بد من فهم حقيقة وطبيعة ما يجري على الارض الآن، وتوصيفه بدقة وموضوعية، لأن نجاح اي عمل سياسي رهين للإحاطة بمعطيات الواقع كما هي، لا كما نرغب او نتمنى.

 

التمييز بين التسوية الظرفية والتسوية التاريخية:

 

من أكبر الأخطاء التي تقع فيها القوى السياسية وكثير من النشطاء السياسيين الاعتقاد بأن مفردة (تسوية سياسية) تعني تحقيق التغيير السياسي المنشود عبر الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن مع المؤتمر الوطني! اي ان (التسوية السياسية) هي تغيير سياسي يمكن الحصول عليه مجانا في موائد الحوار  بدون تضحيات وبدون كروت ضغط وبدون فعل نضالي مدروس وعمل منهجي  يحاصر نظام البشير وحزبه ويجبره على تقديم تنازلات حقيقية، وهذا الفهم المغلوط لفكرة التسوية لا بد من تصحيحه.

مثلا،التسوية التاريخية التي أنهت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والتي كثيرا ما يضرب بها المثل لما هو مطلوب في السودان جاءت تتويجا لنضال طويل ومتواصل لم ينقطع مطلقا، حتى بعد ان قبل المؤتمر الوطني في جنوب أفريقيا بالتوقف عن الكفاح المسلح لم يتوقف هو وحلفاءه عن المظاهرات والاعتصامات وتنظيم الإضرابات العمالية وتنظيم الحملات ضد نظام الفصل العنصري في جميع أنحاء العالم، باختصار كان هناك فعل نضالي مستمر جعل جنوب افريقيا تغلي غليانا أقنع البيض باستحالة الاستقرار بدون قبول التسوية التاريخية، فكانت النتيجة انتصار التيار المعتدل وسط البيض انفسهم بقيادة دي كليرك، ورغم ذلك كانت المفاوضات شاقة ووصلت عدة مرات الى حافة الانهيار، والدرس المستفاد من ذلك هو ان لا تغيير سياسي بالمجان!   

فالتسوية المجانية لن تكون سوى تسوية (ظرفية)، أي تهدئة مؤقتة للأوضاع عبر إجراءات شكلية وترضيات فوقية لقادة المعارضة الحزبية، وتقديم بعض التنازلات للحركات المسلحة يمكن ان تصل الى (حق تقرير المصير) للمنطقتين (جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق) مع الإبقاء على كل جذور أزمات الحكم والإدارة والاقتصاد والتنمية والمظالم والغبن الاجتماعي في كل السودان(بما فيه المنطقتين) كما هي، ومثل هذه (التسوية الظرفية) يمكن ان توقف الحرب لبعض الوقت، ولكنها لن تبني سلاما مستداما، بل سينتج عنها سلام هش وتعود الحرب مجددا لتفتح الطريق أمام انقسام جديد، وهذ ما حدث بعد اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) التي فشل الفاعلون السياسيون في تحويلها إلى “تسوية تاريخية”، فكانت نتيجتها انقسام السودان الى دولتين فاشلتين تعصف بهما الحروب الأهلية والاستبداد والفساد.

  إن بناء السلام المستدام وتحقيق وحدة  ما تبقى من السودان يحتاج الى (تسوية تاريخية) أركانها المصالحة الوطنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، ووضع خطط للتنمية البشرية والاقتصادية، ودستور جديد وخطاب سياسي وثقافي جديد يعبر عن مرحلة جديدة، والشرط الابتدائي لكل ذلك هو التحول الديمقراطي الحقيقي الذي لا ينحصر في عملية انتخابية شكلية، بل يبدأ بإصحاح البيئة السياسية والقانونية بكفالة الحريات العامة وعلى رأسها حرية التعبير والتنظيم، وحرية الصحافة وتحرير الخدمة المدنية والعسكرية  في البلاد من (احتلال المؤتمر الوطني) في سياق تهيئة المناخ للتنافس الحر وتكافؤ الفرص السياسية ومن ثم اجراء انتخابات حرة  نزيهة.

وتسوية بهذه المواصفات يستحيل ان يقبل بها نظام البشير وحزبه الشمولي إلا في حالة واحدة فقط وهي ان يدرك انه أمام خيارين لا ثالث لهما: قبول التسوية (التاريخية) بهذه الشروط التي على رأسها ان يتحول المؤتمر الوطني من حزب مهيمن  على الساحة السياسية ومسيطر على مفاصل الدولة الى حزب شريك في الساحة السياسية،  أو اندلاع الثورة الشعبية التي سوف تقيم نظاما جديدا على أنقاضه، وحصار نظام البشير بهذين الخيارين يجب ان يكون بعمل محسوس على الأرض لا بالخطب والهتافات الجوفاء. 

لن يقبل نظام البشير بشروط التسوية التاريخية لأن مصلحة السودان تقتضي ذلك، او لأن الهزائم العسكرية والانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني ونذر الانقسام والتشظي  أمور تستوجب التغيير الشامل والجذري، فالنظم المستبدة الفاسدة لا تفكر بهذه الطريقة مطلقا لأنها ببساطة لا تعرف هذا النمط من التفكير العقلاني! بل تجيد نوعا واحدا من التفكير هو التفكير (الرغائبي)! والرغبة المركزية هي الخلود في السلطة بأي ثمن!.

ولذلك نجد نظام المؤتمر الوطني رغم كل المخاطر المحدقة بالبلاد ما زال متماديا في سياساته  القديمة المتجددة، وعلى رأسها سياسة فرق تسد! ما زال مصرا على الحوارات الثنائية ومعرضا تماما عن فكرة المؤتمر الدستوري او الملتقى الجامع أو الحكومة الانتقالية كي ينفرد بكل حزب سياسي وكل فصيل مسلح ويبيع له الأوهام ويعمل فيه سلاح التقسيم لتكون المحصلة اتفاقيات جزئية هشة تكتب له عمرا جديدا في السلطة خصما على عمر الدولة السودانية الموحدة!.

وبكل أسف إذا نظرنا إلى الضفة الأخرى، اي الى المعارضة المدنية او المسلحة نجد حالة (القابلية لابرام الاتفاقيات الجزئية والتسويات الظرفية الهشة)، فحزب الأمة القومي ما زال مثابرا على  عقد ورشات العمل لتشخيص المشاكل في جميع مجالات الحياة السياسية وتدبيج التوصيات لحلها ولكن الشيء الوحيد الذي لم يعقد له حزب الامة ورشة هو (كيفية الضغط الفاعل على النظام حتى ينفذ الحلول العبقرية التي تنتجها تلك الورشات) والسؤال الوحيد الذي لم يطرحه حزب الامة في ورشاته تلك هو: لماذا يستجيب المؤتمر الوطني لمطالب حزب لا يجرؤ على تسيير تظاهرة أو حشد جماهيره لاعتصام أو التلويح بعصا في وجه النظام؟ أما المؤتمر الشعبي فقد ابتلع كل عنترياته السابقة عن إسقاط النظام ولحق بحزب الأمة في مثابراته الحوارية غير المشروطة مع المؤتمر الوطني، وبات الأستاذ  كمال عمر وليس الشيخ إبراهيم السنوسي هو من يتحدث عن الأشواق لوحدة الإسلاميين!.

أما الحركة الشعبية (شمال) فليس من المنطق ان نراهن على صمودها في موقفها التفاوضي الراهن المتمسك بالحل الشامل لقضايا السودان، لأنها في خاتمة المطاف سوف تقبل باتفاق ما حول المنطقتين، ليس فقط لأن الوسطاء والمجتمع الدولي والإقليمي سوف يضغطون في هذا الاتجاه، ولأن قرار مجلس الأمن 2046 الذي يجري التفاوض على أساسه لا يتضمن ربطا بين حل مشكلة المنطقتين وحل المشاكل الاخرى، بل لأن أصواتا من داخل الحركة الشعبية نفسها  سوف تضغط في هذا الاتجاه، أما الجبهة الثورية فلن يكون مصيرها أفضل من مصير التجمع الوطني الديمقراطي.

فالحركات المسلحة دائما تحكمها مصالح وأولويات مناطقها التي تدفع فاتورة الحرب وكذلك مصالح وأولويات قادتها، فليس من الواقعية في شيء ان تقرر الحركة الشعبية الاستمرار في الحرب الى حين ان يقبل المؤتمر الوطني بشروط الحل الشامل، لأن قواعدها لن تقبل، والمجتمع الدولي والإقليمي لن يسمح لها بذلك، وأساسا لا يوجد اصطفاف سياسي يجمع الحركات المسلحة والاحزاب السياسية والقوى المدنية حول مشروع وطني متفق عليه لكيفية مواجهة تحديات المرحلة ممثلة في السلام والوحدة الوطنية والديمقراطية، لا يوجد اصطفاف جماعي له  تحالف سياسي متين ومؤسسات فاعلة وضاغطة، ومنابر إعلامية مؤثرة،

التسوية التاريخية تحتاج الى اصطفاف تاريخي بين أصحاب المصلحة في التغيير، وهذا ما فشلت فيه المعارضة في السودان بشقيها المدني والعسكري، لذلك (إذا لم يحدث شيء يقلب الطاولة وهذا ليس مستبعدا) سوف تمضي الأمور باتجاه تسوية ظرفية متواضعة، لأن هذه هي حدود قدرات القوى السياسية في السودان من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن مهما يكن من أمر، سيظل حلم التغيير الشامل والجذري ، وحلم التحولات النوعية الكبرى كامنا في عقول وقلوب كثير من السودانيين شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وعلى هؤلاء ان يتسلحوا بالإرادة  والمعرفة وينظموا أنفسهم لكتابة صفحة جديدة من تاريخ السودان في زمن ما في المستقبل، وإلى ان يتحقق ذلك علينا ان نفكر في كيفية التعامل مع الواقع الذي ستفرزه التسوية المتواضعة (الظرفية والجزئية) القادمة، أي كيفية التحرك منه نحو المستقبل المنشود.