محمّد جلال أحمد هاشم* العلاقة بين الإسلام الدّين والإسلام الدّولة (ب) لا يعني قولنا بالإسلام الدّولة أنّ ما تحقّق آنذاك، أكان في مكّة أم المدينة، مؤسّسة دولة بالمفهوم الحديث. فحينها لم تكن مؤسّسة الدّولة قد بلغت مرحلة النّضج الذي عليه الآن من حيث الفصل بين السّلطات الثّلاث تحقيقاً لقيم دولة المواطنة، وهو المحتكم عندنا لكون الدّولة، كمؤسّسة، قد بلغت مبلغ النّضج.

ما نعنيه أنّ تلك السّلطات الكامنة فيما أسميناه بالإسلام الدّولة تشكّل مُدخلات أساسيّة لسلطة مؤسّسة الدّولة. والنّاظر في تطورّ مؤسّسة الدّولة في الإسلام سوف يلحظ كيف ظلّت تُشير دالّتُها على العروج المستمرّ إلى مرحلة فصل السّلطات الثّلاث. فقد بدأت مؤسّسة الدّولة في عهد النّبيّ واستمرّت إلى عهد عثمان بن عفّان، وبدرجة إلى عصر عليّ بن أبي طالب، وهي تجمع السّلطات الثّلاث. ولكن في العصر العبّاسي كان التّشريع والقضاء قد انفصلا لوحدهما عن السّلطة الزّمنيّة، أي سلطة الخليفة. ولا عبرة بالتّغوّلات من جانب الحكّام، فهي ممّا لا نزال نشهده الآن. لقد كانت مؤسّسة الدّولة في فترة المدينة أقرب إلى دولة المدينة City State بحسب التّعريف الوظيفي والتّاريخي المعروف ممّا أُثر في اليونان. إلاّ أنّها شرعت في التّطوّر سريعاً عندما صارت حاضرةً للدّين الجديد. فقد برز الدّين الجديد بوصفه ديناً للعرب من النّواحي العمليّة التّطبيقيّة، مع تركيزٍ على قريش. وبالتّالي بدأت الأيديولوجيا العروبيّة تتطوّر حتّى أصبحت لُحمة الدّين الجديد وسداه. في هذا السّياق، صار الدّين الشّرط اللازم للوطنّيّة العروبيّة الصّاعدة. وهذا ما اقتضى ترفيع المسلمين وصولاً إلى إعدام المرتدّ، مع وضع غير المسلمين في درجةٍ أدنى، كونهم أصبحوا يُعاملون معاملة الأجانب. فالارتداد عن الدّين كان يقف موقف الخيانة العظمة بمفاهيم اليوم. وباختصار، تلك لم تكن دولةً بالمفهوم الحديث لدولة المواطنة ذات السّلطات المنفصلة، بل كانت شيئاً أقرب إلى دولة المدينة ممّا رفدت به التّجربة السّياسيّة اليونانيّة. إلاّ أنّها كانت مؤسّسة جنينيّة للدّولة سريعاً ما شرعت في التّطوّر. في هذا، اتّخذت الدّولة الصّاعدة من الإسلام شرطاً للمواطنة، ومن العروبة أيديولوجيا لها. وكلّ هذا ممّا لا حاجةَ لنا به في عصرنا الحاضر.

عليه، ما نسعى إليه هو تشريع الفصل بين هذين النّمطين من الدّين الإسلامي. لا يقوم احتجاجُنا على أيّ محاولة للتّخلّص من محكوميّة آية بعينها عبر تأويلها، تمعّناً في النّصوص أو تمحّلاً لها (هذا مع جواز أن نُعيد قراءة آيات بعينها). ما نقوم به أساساً هو احتجاجُنا بأنّ تجاوز محكوميّة آيات بعينها من القرآن ووقف العمل بها لعلّةٍ زمنيّة هو من الدّين وممّا فعله وظلّ يفعلُه النّاس منذ زمان النّبيّ محمّد مروراً بزمن صحابته وتابعيهم وصولاً إلى زماننا هذا. فهذا ممّا فعله الله بالقرآن ليبيّن للنّاس كيف يتعاملون معه بما يعالج لهم مشاكلهم بوصفه الإطار المرجعي المنظِّم لهم، ذلك عندما نسخ من القرآن معنىً وقراءةً. وعلّة مذهبنا هذا هو تحقيق مصلحة المسلمين التي تقضي ذلك إذا ما قُدّر لهم أن يهنضوا من كبوتهم هذه. ولسنا مدفوعين في هذا بحميةٍ خاصّةٍ نستكنُّها للمسلمين، أو إيمان برفعة شأنهم قياساً بباقي البشر، بل تسليماً بقدرنا كوننا مسلمين، ورفضاً لواقعنا المزري من جميع جوانبه كيفما استقبلته. وتجاوز صريح النّصّ تحقيقاً للمصلحة ممّا صدع به الأقدمون من قبيل ما ذهب إليه الإمام سليمان الطّوفي الحنبلي، المتوفّي في سنة 716ه ــــ 1316م، في رسالته عن وجوب مراعاة المصلحة ولو أدّى ذلك إلى تجاوز النّصّ والإجماع: «ثمّ هما [النّصّ والإجماع] إمّا أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها. فإن وافقاها، فبها ونعمتْ ولا تنازع؛ إذ قد اتّفقت الأدلّة الثّلاثة على الحكم، وهي النّصّ، والإجماع، ورعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه السّلام ’لا ضرر ولا ضِرار‘. وإن خالفاها، وجب تقديم المصلحة عليهما بطريق التّخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتئات عليهما والتّعطيل لهما، كما تُقدّم السّنّةُ على القرآن» (1993: 23-24). فهو هنا ينظر إلى الرّأي الفقهي القاضي بتقديم السّنّة على القرآن على أنّه ممّا يدخل في باب رعاية المصلحة.

في هذا الإطار يتم تجاوز محكوميّة جميع آيات القرآن الدّولة تنزيهاً للإسلام كيما يعود مرّةً أخرى ديناً محضاً. ولكن هل هذا يعني قفل الباب دون أن يتطوّر عن هذا إسلام دولة جديد يفي باحتياجات عصرنا الرّاهن؟ مع أنّه ليس من أغراض بحثنا هذا أن يدخل في فرضيّات من هذا النّوع، إلاّ أنّنا نرى أنّ الافتراض يظلّ قائماً ووجيهاً طالما كنّا نقول بنسبيّة الأحكام. فالمسألة في فهم الحلال والحرام في الإسلام الدّولة (كما سيرد في الفصل السّادس)، ليست سوى التّقنين العلماني لما هو مسموح بالقانون؛ أمّا الحلال والحرام في الإسلام الدّين، فهو متروك للضّمير دونما عقوبة محدّدة واجبة الإنفاذ من الدّولة. وتكمن نسبيّة المسألة واحتكامها للظّرفيّة في أنّ النّبي محمّد قد بدأ بالإسلام الدّين، ثمّ لمّا ثبّت أقدام الإسلام كدين نظريّاً بينما كان لا يزال الإسلام عمليّاً في وضع ضعيف دنيويّاً وفي حالة استهداف مستمرّ من أعدائه، تحوّل إلى الإسلام الدّولة لهذه العلّة الزّمنيّة. هذا، ومع اتّفاقنا مع محمود محمّد طه في جملة طرحه من حيث تفريقه بين محكوميّة الآيات المكّيّة من جانب، والآيات المدنيّة من جانب آخر، وخلوصه إلى أنّ الآيات المكّيّة المنسوخة قد آن أوان إلغاء نسخها، مع إيقاف العمل بالآيات المدنيّة، وهو ما أسماه فصّله في سفره الوضيء الموسوم بعنوان الرّسالة الثّانية في الإسلام (1971)، إلاّ أنّنا نختلف معه بقولنا إنّ النّسبيّة تعمّ جميع الأحكام، بما في ذلك العبادات ما دامت جميعها تستند إمّا على القرآن أو السّنّة أو الإجماع. فمحمود محمّد طه لا يرى هذا في جملة أحكام، منها الحدود، أي الجزاءات التي يُنظر إليها على أنّها مُحكمة.

نحن الآن في مرحلة بين مرحلتين in limbo، لا بدّ من خوض غمارها بشجاعة وشفافيّة؛ فلا نحن ذلك المجتمع الذي تمكّنت الشّريعة من حلّ مشاكله قبل أكثر من ألف عام، ولا نحن المجتمع الذي تمكّن من أن يصنع حياته عبر مشروع حداثوي ناضج. في هذا لا نحتاج إلى الحيل التي اتّبعها، ولا يزال يتّبعها، دعاة العِلمانيّة القائمة على الجهل بالدّين وتجاهله؛ كما لا نحتاج إلى حيلة أخرى يتّبعها دعاة العِلمانيّة الآخرون الذين يُنكرون حجّيّة ما يسمّونه بالإسلام السّياسي (أي الإسلام الدّولة)، تعلّقاً بأهداب الإسلام الدّين دونما تحليل لفكّ الارتباط بينهما، وهو ارتباط موجود بآيات يتمحّلون نصوصها باعتبارها ليست ذات إلزاميّة عامّة، ذلك باعتقالها في ظروف التّنزيل. كما لا نحتاج لاتّباع المنهج البراقماتي الانتهازي الذي يقفز من نصٍّ إلى آخر وفق الظّرف دونما منهج فقهي متكامل، وهو ما ظللنا نشهده عند الحركات الدّينيّة الاستغلاقيّة التي تنفعل بالدّين انفعالاً رومانسيّاً، على قدم المساواة مع العلمانيّين الصّوريّين.

ظلّ النّبيّ محمّد لثلاثة عشر سنة يعمل لنشر الإسلام الدّين إلى أن تخطّت قريش القول إلى الفعل، أي تجاوزت مبدأ المحاججة لتتّبع أحد أخطر تكتيكات الدّولة، ألا وهي استخدام القوّة المادّيّة القسريّة لكبح جماح الدّين الجديد. عندها لم يكن أمام النّبيّ محمّد غير أن يتّبع تكتيكهم، وذلك بأن يقيم لدينه دولة، فكانت هجرته إلى المدينة التي بها تبدأ جميع التّداخلات بين الإسلام الدّين والإسلام الدّولة. قُصد من الإسلام الدّولة أن يعضّد ويدعّم الإسلام الدّين، ولكنّه اكتسب آليّاته الخاصّة به بمجرّد تدشينه، ذلك عندما اشتبك مع عامل آخر كان له ـ ولا يزال ـ الخطر الأكبر في تشكيله، ألا وهو الأيديولوجيا العروبيّة، إذ لا دولة بلا أيديولوجيا. منذ لحظتئذٍ تحكّمت حرائك هذه الأيديولوجيا في الإسلام الدّولة.

كان العرب، كلّ العرب، حينها يتشّوفون ليومٍ يخرج من بين ظهرانيهم نبيّ يضعهم في نفس المرتبة مع اليهود وباقي أهل الكتاب (راجع: علي الدّشتي، 2006). فالإسلام بالنّسبة إلى العرب حينها، شكّل قمّة التّبلور القومي لديهم. فالعروبة ظلّت ولقرون طويلة مرتبطة بالتّبدّي وحياة البادية، لا علاقة لها بحياة الحضر. فالتّاريخ القديم للجزيرة العربيّة يُشير بوضوح إلى القبائل المستقرّة باسمها، بينما يعمّم وصف أولئك الذين يعيشون حياة البادية، مطلقاً عليهم وصف العرب أو الأعراب (راجع جواد علي، 1993، الجزء الأوّل). ولكن خلال القرن الأوّل، أو القرنين اللذين سبقا الإسلام، برز العرب كقوميّة وذلك عندما اكتسبوا وعياً بأنفسهم كعرب (هذا دون أن ينتفي وصف أهل البادية بالأعراب). وقد تبلورت الأيديولوجيا القوميّة لديهم عندما ربطوا تاريخهم بإسماعيل ابن إبراهيم، ثمّ تمكّنوا من ابتناء تاريخ وماضٍ لهم، به أصبحت هناك عرب بائدة، وعرب عاربة، ثمّ عرب مستعربة. كما تمكّنت اللغات العربيّة العديدة من التّفاعل، ومن ثمّ التّوصل إلى مقايسة standardization بها أصبح من الممكن لهم جميعاً أن يفهموا بعضهم بعضاً. لاحقاً تطوّرت هذه اللغات فيما عُرف باسم «حرف قريش»، وهو ما يُعرف الآن باللغة العربيّة القياسيّة، أي الفصحى في جميع تنزّلاتها، من لغة القرآن إلى لغة الآداب العربيّة الإسلاميّة من شعر وفلسفة ولاهوت، وصولاً إلى لغة الصّحف الحاضرة.

عندما قامت البعثة المحمّديّة كانت الأيديولوجيا العروبيّة قد بلغت مبالغ النّضج كقوميّة اكتسبت وعياً عالياً وممايزاً لها عمّا عداها من أيديولوجيّات. وقد كان العرب الحجاز حينها بمثابة راس الرّمح في تلك الأيديولوجيا الصّاعدة. وممّا يدعم هذا بروز التّنافس بين عدّة مراكز استقطابيّة، تمثّلت في المدن الأساسيّة، مثل مكّة، الطّائف، ويثرب (المدينة). كانت المدينة حينها أقوى من يثرب، وذلك لريادتها التّجاريّة والدّينيّة، فضلاً عن وثيق تحالفها مع الطّائف التي لم تكن اكثر من حليف تابع لها. مع هذا كانت يثرب (المدينة) وقتها أكثر تثقّفاً ووعياً بمسألة الأديان السّماويّة، وذلك للوجود المكثّف لليهود بها كطبقة اقتصاديّة أعلى من العرب مكانةً. كما كانت تشهد صراعاً أيديولوجيّاً محتدماً بين هؤلاء العرب من جهةٍ واليهود من الجهة الأخرى بسابقة سماويّة الدّين الذي يدين به اليهود؛ كما كان هناك صراع محتدم بين المدينة (وكان اسمها إلى وقتها «يثرب») من جانب وبين قريش من جانب آخر. ولهذا جميعه كان تحالفها مع مجموعة منشقّة من قريش ممّا له أقوى الأثر في رفع درجة الاستقطاب بين أهل يثرب وتهيئتهم واستنفارهم للمرحلة المقبلة. فضلاً عن هذا، فقد جاء إليها منشقّو مكّة وهم يحملون لهم ديناً سماويّاً جديداً يضعهم في مرتبة واحدة مع اليهود.

بعد يأسه من أن تصبح مكّة (أحبّ البلاد إلى نفسه) رأس الرّمح للدّين الجديد، أصبح واضحاً أنّ النّبيّ محمّد يسعى لعقد تحالف يقوم في أساسه على الوعي القومي العربي (أي الانتقال من الإسلام الدّين إلى الإسلام الدّولة). في البدء حاول النّبيّ محمّد أن يُقيم هذا التّحالف مع عرب الطّائف، فذهب إليها ليعود خائباً إذ احتقره أهلُها لمتانة علاقاتهم مع قريش. بعدها اتّجه النّبيّ إلى المدينة، كما اتّجهت المدينة إليه، فكانت بيعة العقبة الأولى والثّانية، ثمّ تلتها الهجرة. وهكذا عقد المسلمون تحالفهم المشهور مع الأوس والخزرج، وكان العقد الأيديولوجي الذي عُرف بالمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، حيث اندمجت الأوس والخزرج تحت مسمّى واحد هو الأنصار، كما اندمج جميع المسلمين من خارج الأنصار في مسمّى واحد هو الأنصار، مع بروز بؤر جديدة صراع بينهما. فإن هي إلاّ مسألة وقت حتّى اصطدم المسلمون مع اليهود الذين سقطت حصونهم الواحدة تلو الأخرى حتّى تمّ إجلاؤهم عن المدينة وجزيرة العرب بعدها بحجّة عدم اجتماع دينين بها.

*مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: الفقه الإسلامي الحداثوي