خالد فضل تدور هذه الأيام جولة مفاوضات جديدة بين حزب المؤتمر الوطني ممثلا لحكومة السودان وحزب الحركة الشعبية لتحرير السودان السوداني, وهي المفاوضات التي بدأت قبل نحو عام ثم انهارت وتعطلت وتجمدت لفترة عشرة أشهر تقريبا,

ثم رفعت جلساتها لعشرة أيام لتعاود الإنعقاد إعتبارا من الخميس27 فبرائرالمنصرم وهو تاريخ كتابة هذا المقال إذ ربما حدثت تطورات أخرى ما بين لحظات الكتابة وساعة النشر . لقد جرت خلال تلك الفترة مياه كثيرة تحت الجسر ووقعت أحداث عديدة ذات مغزى , فقد حدثت تغيرات في كابينة قيادة الحكومة وحزبها الحاكم , اطيح ببعض النافذين الذين تسمروا في مناصبهم ومواقعهم القيادية لعقدين ونصف من الزمان تقريبا , وتسلم مناصبهم آخرون من ذات العناصر التي كانت تتقلد مناصب أخرى , اندلعت خلال تلك الفترة المواجهات العسكرية بصورة شرسة في جبال النوبة والنيل الأزرق وأمتدت الحرب الى شمال كردفان , تم تفعيل اتفاقات التعاون المبرمة بين حكومتي الخرطوم وجوبا وانساب البترول عبر أنابيبه المعروفة الي ميناء التصدير على ساحل البحر الأحمر , وقع الإنشقاق الكبير في صفوف حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي يحكم جنوب السودان. واشتعل القتال الضاري وتبودلت السيطرة على المدن في دولة جنوب السودان , طرح حزب المؤتمر الوطني السوداني وثيقته للإصلاح الحزبي على بعض القوى السياسية السودانية ليبدأ حوار حولها حسبما أعلن, تناولت تلك الوثيقة أربع قضايا مهمة هي قضايا الساحة السودانية الملحة (الحرب والسلام , الحياة السياسية الحرة, الوضع الإقتصادي المنهار, الهوية السودانية التعددية ). في أثناء ذلك اندلعت مظاهرات شعبية في الخرطوم ومدني وبعض المدن الأخرى , تم قمعها بوحشية وأغتيل أكثر من مائتين من المتظاهرين السلميين وأصيب المئات وأعتقل مثلهم, شدد جهاز الأمن من حملاته المستمرة ضد الحريات العامة واتسعت ممارسة مصادرة الصحف الخرطومية , وحملات الإغلاق لمنابر الوعي كما حدث لمنتدى شروق بالقضارف.

بهذه الخلفيات والتطورات السياسية والميدانية بدأت جولة التفاوض الجديدة تحت رعاية الإتحاد الإفريقي ولجنة وسطائه بقيادة السيد تامبو امبيكي , وعلى خلفية القرار الأممي 2046 , وتحت مبادئ اتفاق أديس ابابا يونيو2011م المعروف باتفاق (عقار نافع), هذه هي أجواء الجولة من ناحية إجرائية , فالقرار الأممي يحصر التفاوض على قضايا المنطقتين بالفعل (جنوب كردفان – جبال النوبة، والنيل الأزرق ) باعتبارهما المنطقتين اللتين شملهما اتفاق نيفاشا ولم تكتمل بنوده المتعلقة بوضعهما النهائي . وهذه الجزئية تتيح للمؤتمر الوطني الفرصة في رفض اضافة مناقشة قضايا أي منطقة أخرى خارجهما , ومن ناحية التمسك الإجرائي يبدو موقف المؤتمر الوطني سليما , كما أن القرار الأممي قد حصر التفاوض بين الحزبين وهذه نقطة تتيح لكلا الحزبين رفض أي طرف آخر غير مضمن في القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي .

ما رشح من إفادات إعلامية يشير الى تعثر في التفاوض بسبب أجندة التفاوض , والأسبقيات فحزب الحركة الشعبية يطرح رؤية البدء بالملف الإنساني كضرورة حياتية لضحايا النزاع المسلح في الولايتين , والإتفاق على توصيل الإغاثة وفقا للمعايير الدولية في هذا الخصوص من حيث مشاركة المنظمات الدولية واستقلاليتها في ممارسة دورها الإغاثي ووجود آلية مراقبة دولية فعالة لما يتم الإتفاق عليه في هذا الملف واعتبار القضية الإنسانية وتداعيات النزاع المسلح وآثاره علي المدنيين من نزوح ولجوء وموت وجوع ومرض كحاجات عاجلة لضرورات الحياة لحوالي المليونين من المواطنين السودانيين ينبغي أن يحظى بالأولوية , كما أن البدء في معالجة الأوضاع الإنسانية مما يساهم في تهدئة الخواطر وبناء الثقة , والإسهام الإيجابي في تناول بقية الملفات , المؤتمر الوطني حسبما معلن من مواقف يرى عدم  تجزئة الملفات وأخذها كلها كحزمة واحدة , وبالطبع كل فريق له رؤيته وراء ما يطرحه , فأخذ الملفات كلها كحزمة واحدة يتيح فرصة للمساومات تنازل هنا نظير تشدد هناك بينما أخذها مجزأة يصعب من فرص المساومة , هذه واحدة , كما أن تسوية الملف الإنساني أولا وفي ظل الظروف الراهنة قد يفتح المجال لدخول المنظمات والهيئات الإنسانية الدولية والتي قد لا يتوقف دورها على الإغاثة المباشرة وتقوم بعمليات مسح ورصد وما يتبع ذلك من كشف للإنتهاكات التي حدثت لحقوق الإنسان وما أرتكب من فظائع وغيرها من ممارسات . وهذا ملف يبدو أنه لا يأتي في صالح الحكومة . ومن جانب آخر يبدو موقف الحكومة سليما بمنطق الحرص على حل شامل لقضية المنطقتين ونظريا على الأقل طالما التفاوض لحل مشكلة المنطقتين فما الداعي للتسويف والتطويل والتجزئة؟.

هنا نجد منطقين مختلفين كذلك , فالحركة تتحدث عن حل شامل لكل قضايا السودان وليس المنطقتين وفي الحسبان تحالف الحركة الشعبية مع بعض الفصائل المسلحة في اقليم دارفور وبعض الشخصيات من أحزاب الأمة القومي والإتحادي الديمقراطي  في اطار الجبهة الثورية وكذلك التحالف السياسي مع بعض القوى السياسية الموقعة على وثيقة الفجر الجديد , وقد بدأت ملامح التململ في أوساط بعض مكونات تحالف الجبهة الثورية خاصة حركة جيش تحرير السودان فصيلي عبد الواحد وأركو مناوي , وما تداولته الوسائط الإعلامية عن رفض فصيل عبد الواحد الإلتزام بأي اتفاق لوقف اطلاق النار في المنطقتين تبرمه الحركة مع المؤتمر الوطني. كما ترى الحركة أن الأزمة السودانية شاملة ويجب أن تكون الحلول شاملة , هذه رؤية على صحتها الا أن إطار التفاوض لا يتناولها , ففي الواقع هناك منبر الدوحة الذي حاز على تأييد عالمي معقول وهناك إتفاقية وسلطة انتقالية في دارفور وغيرها من مسائل إجرائية لم تثبت نجاعتها بعد في وقف الحرب والمأساة المتطاولة في الإقليم ولكن في ذات الوقت لم يتم إعلان التخلي عنها من أي طرف من طرفيها ولذلك تعتبر سارية غض النظر عن نتائجها على الأرض , وهذه نقطة تمنح المؤتمر الوطني حجية في رفضه مناقشة القضية الوطنية في دارفور , إضافة لما طرحه على بعض القوى السياسية مؤخرا وتضمن بدء حوار معها لحل مسألة الحل الشامل لقضية الحياة السياسية والمشاركة من كل الأطراف في العملية السياسية  السلمية , هنا أيضا وعلى المستوى النظري نجد منطقاً مقبولاً من جانب المؤتمر الوطني وكما نسب للسيد غندور رئيس وفد المؤتمر الوطني للمفاوضات بأن مناقشة كل القضايا الوطنية وحلها ليس من اختصاص حزبه وحزب الحركة إنما من إختصاص كل الشعب السوداني وقواه السياسية , فالأصح إذا التركيز على المسائل التي يجري الحوار بموجبها ووفقاً للتفويض الأممي والآلية الإفريقية راعية التفاوض .وهو ذات ما طرحه الرئيس البشير عند لقائه بتامبو أمبيكي رئيس الآلية الافريقية رفيعة المستوى التي تتولى مهمة مباشرة الوساطة.

هذان تقريبا أبرز نقاط منطق كل فريق من طرفي التفاوض الجاري الآن في أديس أبابا , الشاهد أن أزمة الثقة هي الحاضر المسكوت عنه , نعم سجل الإتفاقات السودانية رغم الرعاية الدولية والإقليمية غير مبشر , ما طرح من مبادرات وما أقيم من ورش ونقاشات ومحافل داخلية وخارجية وما انعقد من منابر وما طرح في وسائط الإعلام المختلفة لدرجة تمكن من الزعم بأن ما من مسألة باتت مدفونة، ما من سبب بات مخفيا، ما من روشتة علاج لم توصف، كل شئ على الطاولة قال به القائلون وكتبه الكاتبون وناقشه المناقشون , الغائب دوما هو الجدية في أخذ الحلول والسير بها الى نهاياتها المنطقية , هنا تكمن العقبة , لأن السير في الإتجاه الصحيح يعني بصراحة إعادة بناء السودان بعد أن صارت الحالة غير قابلة للترميم , المؤتمر الوطني يخشى تبعات إعادة البناء فهو يحتاج الى ضمانات بعد ما حدث في عهد سيطرته، هذه نقطة تجعله غير واثق فيما ستؤول اليه حاله إن هو فرط فيما بين يديه من هيمنة , القوى المعارضة لا تثق في أي طرح أو إتفاق مع المؤتمر الوطني باعتبار سجله الحافل في العقد والنقض. كيف يتم تجاوز هذه المعضلة ؟ من ينجح في ذلك سيقدم أعظم خدمة للسودانيين , ترى هل يقدم السيد مو ابراهيم جائزة لمن يحصل على مفتاح السودانيين الضائع ؟.