العبارة المحورية في حديث وفد المؤتمر الوطني المفاوض في أديس أبابا هي(حصر التفاوض في قضايا المنطقتين)، أي جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وهذا الإصرار على عزل قضايا المنطقتين عن قضايا السودان ككل،

يدل على ان حزب المؤتمر الوطني رغم مناوراته بالحوار مع القوى السياسية بحثا عن مخرج للأزمة الخانقة التي تطوق البلاد، ورغم تلويحه بأنه مقبل على تغيير ما كانت بدايته الإطاحة بكل من علي عثمان محمد طه ونافع علي نافع وعوض الجاز من التشكيلة الوزارية، رغم كل ذلك فإن سلوكه السياسي العملي في قضايا السودان الاستراتيجية  وعلى رأسها قضية السلام لم يتغير، فقصارى فهم المؤتمر الوطني لقضية السلام هو إبرام اتفاقيات مع الحركات المسلحة  على وقف القتال مقابل إشراكها في السلطة،

ومقابل وعود مكتوبة في نص الاتفاقيات بالتنمية والاعمار لمناطق الحرب، دلت التجربة العملية ان هذه الوعود تظل حبرا على ورق، لأن تنفيذها لا بد ان يتم بواسطة حكومة الخرطوم التي يسيطر عليها المؤتمر الوطني ومشاركة الحركات المسلحة فيها ديكورية وشكلية، وحكومة المؤتمر الوطني حتى في الفترة التي كانت تتدفق عليها مليارات الدولارات من عائدات النفط لم تنفذ البنود ذات الصلة المباشرة بحياة المواطنين في مناطق الحرب الأهلية ، أي بنود  التنمية والخدمات  واعادة الاعمار واعادة الدمج والتسريح للمقاتلين، مما يعصف بمصداقية الحركات المسلحة أمام قواعدها ويؤدي الى انشقاقات في صفوفها ومن ثم إضعافها وإخضاع بعضها لسلطة المؤتمر الوطني، هذا السيناريو هو ما حدث في اتفاقية أبوجا واتفاق سلام الشرق ، واتفاق الدوحة مع حركة التحرير والعدالة بقيادة التجاني السيسي والاتفاق المبرم مع الفصيل الذي انشق من العدل والمساواة بقيادة بخيت دبجو،

اما اتفاقية نيفاشا مع الحركة الشعبية فكانت اتفاقية نوعية بحكم القوة العسكرية الضاربة للجيش الشعبي الذينصت الاتفاقية على الاحتفاظ به اثناء الفترة الانتقالية، ورغم ذلك فشلت نيفاشا في احداث تغيير في طبيعة الحكم في الخرطوم وانحصرت مكاسبها فقط في السيطرة على الجنوب الذي انفصل في خاتمة المطاف، ويبدو ان المؤتمر الوطني بعد الهزائم العسكرية المتتالية التي منيت بها مليشياته في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق يريد وقف الحرب هناك عبر سيناريو شبيه بنيفاشا، ولذلك يرفع شعار المنطقتين وكأنما قضاياهما منفصلة تماما عن قضايا السودان، ويرفع شعار التمسك بمرجعية قرار مجلس الأمن 2046 ، ودون الخوض في تفاصيل وملابسات هذا القرار، هناك سؤال ملح يطرح نفسه على المؤتمر الوطني منذ متى هذا التقديس لقرارات مجلس الامن؟ الم يصدر مجلس الامن أيضا القرار 1593 الذي بموجبه تم تحويل ملف الانتهاكات في دارفور الى محكمة الجنايات الدولية التي أصدرت أوامرها بالقبض على البشير ووزير دفاعه واحمد هارون وعلي كوشيب؟! الم تتصايح أبواق المؤتمر الوطني حينها بان مجلس الامن من منظمات الصهيونية والامبريالية!

ان واجب الحفاظ على وحدة الوطن يقتضي بناء تحالف استراتيجي بين كل القوى المدنية والمسلحة صاحبة المصلحة في التغيير يفرض الحل الشامل الذي يحقق السلام والعدالة والتحول الديمقراطي في حزمة مترابطة وذلك لن يتم الا باحد امرين الاطاحة بالمؤتمر الوطني، أو اجباره على تسليم الحكم لحكومة انتقالية.