بابكر فيصل بابكر بعد مرور أكثر من شهر على إلقاء الرئيس البشير خطابه حول الحوار الوطني, لم يطرأ جديدٌ يذكر على الساحة السياسية سوى اللقاءات والتصريحات المكررة, ولم تتخذ الحكومة أية إجراءات حقيقية لبناء الثقة من شاكلة إطلاق سراح السجناء السياسيين ورفع القيود عن الصحافة ووسائل الإعلام وتعزيز الحُريَّات العامة.

هذا البطء من طرف الحكومة يحتملُ عدداً من التفسيرات. أولها أنها لا تمتلك رؤية واضحة لماهيَّة التغيير المرتقب وكيفية الوصول إليه, وقد يكون سبب غياب الرؤية راجعاً لإختلافات حول طبيعة ومدى التغيير بين مراكز القوى داخل الحكومة وحزبها, أو أنَّ الغرض الأساسي من طرح موضوع التغيير كان كسب المزيد من الوقت من أجل إستصحاب القوى السياسية للدخول في العملية الإنتخابية المرتقبة في مارس 2015.

اياً كان سبب التباطؤ, فإنَّ الأزمة السياسية بلغت مبلغاً بات من العسير معهُ تجريب الحلول السابقة التي كانت تركن إليها الحكومة لإطالة أمد بقاءها في السلطة, ويدخل ضمن هذا الإطار قضية الحرب والسلام و تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق, وإشتداد الأزمة الإقتصادية بصورة غير مسبوقة, واستحكام العزلة الخارجية.

كل ذلك أدَّى لتزايد المطالبة بين كافة القوى السياسية بضرورة وقوع حل سياسي شامل يُخاطب جذور أزمة الحكم في السودان ولا يقتصر على الحلول الثنائية, وانسحبت تلك المطالبة كذلك على موقف اللاعب الخارجي الرئيسي : الولايات المتحدة الأمريكية, الذي القت تصريحات وإفادات ممثليه الضوء على جانب مهم من الدور الذي تضطلع به في مسار الأزمة السودانيَّة.        

قد قام القائم بالأعمال بالإنابة بسفارة الولايات المتحدة  بالخرطوم السفير كريستوفر روان الأربعاء الماضي بزيارة للمجلس الوطني إلتقى فيها برئيسة كتلة نواب جنوب كردفان الأستاذة عفاف تاور, وخرج ليقول للصحفيين إنَّ بلاده “تلعب أدواراً علنية وأخري سرية” من أجل إنجاح المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية لإحلال السلام في البلاد.

وفي نفس يوم زيارة روان للبرلمان كان المبعوث الأمريكي الخاص للسودان وجنوب السودان دونالد بوث يدلي بشهادة أمام لجنة أفريقيا المتفرعة من لجنة الشئون الخارجية بالكونغرس, قال فيه إنَّ خطاب الرئيس البشير يمثل فرصة تاريخية لحل النزاعات في السودان إذا كان الحوار “كلياً وشاملاً ولا يقصي أحداً”.

وقال كذلك : ( النزاعات في السودان تمثل مؤشراً للفشل واسع النطاق للحكم بصورة عادلة وجامعة , ويجب على المجتمع الدولي الا يسمح للخرطوم بمواصلة التعتيم على القضايا الوطنية من خلال تصويرها كنزاعات إقليمية معزولة، ولا يمكن أن نسمح لهم بتمرير أي عملية وطنية شكلية لا تتضمن التمثيل والمشاركة الحقيقية  لجميع مستويات و أقاليم السودان ).

واضاف : ( من المهم أن نسعى لتوحيد المجتمع الدولي كي نبيَّن للخرطوم أنَّ التغيير أضحى أمراً ضرورياً وذو فائدة, ولتحقيق هذا الهدف قمتُ ومعي عدد من المسئولين الكبار في الإدارة الأمريكية بتقوية الرسائل الدولية الموجهة للخرطوم بالتنسيق مع شركاء رئيسيين مثل الصين وبريطانيا والنرويج والإتحاد الإفريقي وإثيوبيا ومصر وقطر وآخرين).

تؤكد شهادة المبعوث الخاص التغيُّر الذي طرأ على موقف الإدارة الأمريكية تجاه حل الأزمة السودانية, وهو الموقف الذي كان – إلى ما بعد توقيع إتفاق نيفاشا في 2005 – ينحاز للحلول الجزئية التي تحصر التفاوض بين الحكومة والحركات المسلحة, وقد بدأ هذا التغيُّر في الموقف الأمريكي في البروز منذ منتصف العام الماضي عندما كتب المبعوث الأمريكي السابق برنستون ليمان مقاله (الطريق إلى حوار وطني في السودان).

هذا التحوُّل وإن عنى السعي لإيجاد حل شامل للأزمة السودانية, إلا أنهُ لا يعني تغيراً في الموقف الأمريكي الأساسي الرافض لإسقاط النظام بالقوة العسكرية, وهو الموقف الذي كان قد عبَّر عنه في السابق الدبلوماسي الأمريكي رفيع المستوى ” دايان سميث ” مساعد المبعوث الأميركي الخاص في السودان في دارفور عندما قال في إطار حديثه عن تحالف الجبهة الثوريِّة (كاودا ) : ( قلنا لتحالف الجماعات المتمردة، بأننا لن نؤيد الإطاحة بالحكومة بالقوة ). إنتهى

لاشك أنَّ العقوبات الإقتصادية التي فرضتها أمريكا على السودان منذ 1997 بدأت تظهر آثارها العميقة على أداء الإقتصاد خاصة في جانب توفير الموارد المالية الأجنبية الذي أضحى يمثل أحد أكبر مشكلتين تواجهان الإقتصاد السوداني بجانب تراجع نمو القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة ), حيث حال الحصار الأمريكي دون الإنفتاح الخارجي و الإستفادة من القروض الخارجية المُيسرة لمواجهة تلك الأزمة.

إنَّ أخطر ما تطرَّق له المبعوث بوث في شهادته هو قوله أنَّ بلاده عملت مع شركائها الرئيسيين على “تقوية الرسائل الدولية الموجهة للخرطوم”, وربما يكون ذلك هو نفسه ما عناه القائم بالأعمال حين قال أنّ بلادهُ تلعب أدواراً سريَّة وعلنية لإنجاح المفاوضات وهو ما يعني بلغة السياسة أنها تمارس ضغوطاً على الحكومة السودانية.

أنَّ قوة النفوذ الأمريكي تتبدى بجلاء في أنَّ أكبر حليفين للحكومة (الصين وقطر) قد عملا على إيصال الرسالة الأمريكية للخرطوم, وهو ما يعني أنَّ الحكومة ستجد نفسها بلا سند إقليمي أو دولي إذا لم توافق على الوفاء بمتطلبات الحوار الشامل, إذ لا يتوهم شخص أنَّ الصين وقطر ستضحيان بمصالحهما الكبيرة مع أمريكا من أجل مساندة الحكومة السودانية.

ربما شكلت هذه الخلفية المشهد الذي دفع بالحكومة وحزب المؤتمر الوطني للدعوة للحوار الوطني الشامل, ولأنَّ الإعلان جاء في إطار ضغوط سياسية وإقتصادية داخلية وخارجية واسعة ولم ينتج عن قناعات حقيقية بضرورة التغيير فإنه مايزال يراوح مكانهُ وينعكس ذلك في المواقف المتضاربة من قضية الحوار والنتائج المتوقعة منه.

ومثال ذلك أنَّ الجولة الأولى من مفاوضات الحكومة والحركة الشعبية تعثرت بسبب رفض الحكومة لطرح الحركة لقضية الحوار الشامل وأصرارها على أن يكون التفاوض قاصراً على قضايا المنطقتين, وذلك على الرغم من أنَّها وافقت على ذلك الطرح في الإتفاق الإطاري المعروف بإتفاق ( نافع-عقار ).     

حيث أورد ذلك الإتفاق في الفقرة الثالثة من الجزء الأول الخاص بالشراكة السياسية بين الطرفين والمتعلقة بالمبادىء التي تقود عمل اللجنة السياسية المشتركة بين الحكومة والحركة أن ( تقوم المفاوضات في إطار حوار سياسي واسع علي المستوى القومي مع الإعتراف بأهمية التعاون بين الأطراف من أجل الاستقرار والتنمية والديمقراطية والإصلاح الدستوري في السودان). إنتهى

في السابق رفضت أمريكا دعم تحالف الجبهة الثورية في سعيه لإسقاط الحكومة بالقوة, وهو الأمر الذي عبَّر عنه دان سميث بوضوح عندما قال إنَّ تحالف كاودا يتكون من جماعات غير عربيَّة في المقام الأول ولذلك فإنه ( يمكن أن يستقطب العرب الذين يهيمنون على الحكومة السودانية ضد الجميع، بحُجَّة أنَّ العرب يتعرضون لهجوم وكذلك الاسلام يتعرض لهجوم ). إنتهى

وهى حالياً – أمريكا – ستعارضُ إصطفاف القوى السياسية والأحزاب الشمالية ( قوى المركز) في مواجهة الجبهة الثورية (قوى الهامش), وهو الأمر الذي يبدو أنَّ الحكومة تسعى إليه في الوقت الراهن عبر الحوار مع قادة تلك الأحزاب من أجل التوصل لإتفاق يمكن أن يسند موقفها في مواجهة تحالف الحركات المسلحة.

إنَّ تأكيد المبعوث الأمريكي على أنَّ بلاده لن تسمح للحكومة ( بتمرير أي عملية وطنية شكلية لا تتضمن التمثيل والمشاركة الحقيقية  لجميع مستويات و أقاليم السودان) يمثل رسالة واضحة للمؤتمر الوطني بأنَّ الإكتفاء فقط بمحاولة إلحاق الأحزاب بالإنتخابات بإعتبار أنَّ ذلك هو الحل لمشاكل السودان ستكون محاولة غير مجدية وأنَّ الأزمة تتطلب حلاً أكثر شمولاً وعمقاً.

من الواضح أنَّ الموقف الأمريكي لا يدعم إسقاط الحكومة بالقوة ولكنه في نفس الوقت لا يقبلُ بحل “تجميلي” يسمح بإستمرار الوضع الراهن دون وقوع تغيير حقيقي بمشاركة كافة الأحزاب السياسية والقوى المسلحة.