تقرير : صالح عمار عاد السودان من جديد لواجهة الاخبار الدولية بتهمة رعاية الارهاب التي باتت مقترنة مع اسمه طوال العقود الثلاثة الماضية، بعد العملية العسكرية والاستخباراتية التي قال الجيش الاسرائيلي انه نفذها علي ساحل البحر الاحمر صباح الاربعاء الخامس من مارس الجاري، 

واستولي خلالها علي سفينة محملة بالاسلحة كانت تتجه لحركة حماس عبر السودان، وقادمة من سوريا وايران.

اسرائيل تبنت لأول مرة الحادثة بعد وصول ضرباتها للرقم 7 المقدس

تعتبر الحادثة الضربة العسكرية السابعة – المعلنة – وهو رقم مقدس في الديانة اليهودية، وبعيدا عن القداسة وبحسابات السياسة فالجديد في العملية ان اسرائيل اعترفت لاول مرة رسمياً بها بينما كانت في كل المرات السابقة تتعمد الصمت او ترسل اشارات لقيامها بالعمليات دون الاعتراف المباشر، والاختلاف الثاني عن العمليات السابقة ان السفينة لم يتم قصفها وتدميرها بل تم الاستيلاء عليها.

وبالعودة للتسلسل الزماني والمكاني للضربات العسكرية فقد دمر الهجوم الاول – بمنطقة جبل صلاح شمال مدينة بورتسودان بشرق السودان في يناير 2009 قافلة سيارات كانت تتجه للاراضي الفلسطينية وقتل فيها مايفوق المائة اغلبهم من المهاجرين الافارقة الذين كانوا يرافقون القافلة بجانب العشرات من قبيلة الرشايدة التي ينشط بعض افرادها في عمليات التهريب.

وكان هدف الهجمة الثانية في مطلع فبراير 2009 احدي السفن بالبحر الاحمر علي المياه السودانية من المرجح انها كانت تحمل اسلحة لتهريبها لقطاع غزة وقتل فيها مايزيد علي ثلاثة افراد، فيما شهد منتصف نفس الشهر تدميراً كاملاً لقافلة كانت تتكون من عشرين عربة شمال بورتسودان ومقتل اكثر من خمسين شخصا جميعهم من قبيلة الرشايدة.

وفي الخامس من ابريل 2011 لقي شخصان احدهما سوداني والآخر من جنسية عربية ـ ويُعتقد ان لهما صلة بتجارة السلاح ـ مصرعهما علي بعد كيلومترات من مطار بورتسودان بعد قصف صاروخي لسيارتهم من طائرات مجهولة، وتم قصف سيارة يستقلها المواطن السوداني ناصر عوض الله في وسط مدينة بورتسودان وتدميرها بالكامل في مايو 2012م ويُشتبه انه علي صلة بتجارة السلاح وتهريبها لغزة.

وكانت العاصمة السودانية الخرطوم نفسها في اكتوبر 2012م هدفاً لقصف الطائرات نفسها وتدمير مصنع للذخيرة(مصنع اليرموك) يشتبه ان سلاحا ايرانيا كان مخزنا فيه.

هل اشرف محمد عطا بنفسه علي شحن السفينة من العراق؟

وفقاً لخط سير شحنة الاسلحة والسفينة الذي اعلنه الجيش الاسرائيلي الاربعاء فقد تحركت السفينة من سوريا لايران وتوقفت في ميناء ام قصر العراقي قبل ان تتحرك نحو السودان.

وعند هذه النقطة سيجد مدير جهاز الامن السوداني الفريق محمد عطا الآن نفسه في حرج عندما يُطرح عليه سؤال : ماذا كان يفعل في العراق قبل ثلاثة ايام؟ وهل من المعتاد ان يترأس مدراء اجهزة الامن وفودا تناقش قضايا فنية بحتة مثل البترول؟.

فيوم الاثنين الماضي نقلت وسائل الاعلام العراقية خبرا عن ان نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة العراقي حسين الشهرستاني ابدي استعداد العراق لتزويد السودان بالنفط الخام، والمساهمة في بناء مصفى نفطي في ميناء بورتسودان.

وقال البيان إن الشهرستاني استقبل مبعوث الرئيس السوداني الفريق أول محمد عطا المولى مدير جهاز الأمن السوداني الذي يترأس وفداً حكومياً يضم وزير النفط السوداني، ومدير شركة التسويق السودانية وعدداً من الخبراء.

بالطبع الامر مثيرٌ للريبة، ولكن بعيداً عن توجيه الاتهامات المباشرة للحكومة السودانية بانها علي علم بما جري وتتحمل مسؤولية شحنة الاسلحة، فإن من الثابت ان موضوع البترول العراقي تمريرة ذكية – بلغة كرة القدم – من ايران لإنقاذ الحكومة السودانية من ورطتها بعلم ومعرفة الادارة الامريكية التي تتقاسم احتلال العراق مع ايران وتريد ايضا منع انهيار النظام السوداني بشكل نهائي – مع مواصلة الضغوط عليه في نفس اللحظة.

حيث انه لامصالح مباشرة للعراق في هذه المرحلة مع السودان تدفعه لتبديد موارده علي قطر يبعد عنه الآلاف الكيلومترات، والعراق نفسه يعاني من مشكلات اقتصادية وازمات اقتصادية خانقة.

وبالطبع فإن المقابل الايراني الذي يجب ان يدفعه السودان معلومٌ ومن ضمنه فتح اراضيه لمرور الاسلحة لغزة. والسودان في وضعٍ اقتصادي وسياسي حرج للغاية يضطره للموافقة علي كل شئ في سبيل الخروج من مأزقه بعد تشديد الحصار الاقتصادي عليه من دول الخليج وحتي قطر التي باتت ترهن دعمها بمطالب يهرب من تنفيذها النظام الحاكم في الخرطوم.

ومع تكرار الضربات الاسرائيلية الناجحة علي الاهداف الايرانية داخل السودان وفي حدوده يبرز السؤال الذي تسهل الاجابة عليه : لماذا لاتجرب ايران طريقا آخر لايصال الاسلحة لغزة؟ او لماذا لاتتوقف عن ذلك؟ الوضع علي الارض يجيب عن نفسه حيث ان غزة محاصرة من كل الاتجاهات حصارا محكما واضعف نقطة هي الحدود المصرية عبر السودان، اما ايران فلن تتوقف عن دعم غزة وخلال هذه المرحلة بالذات حتي تكمل اتفاقها مع الغرب ولانها مهددة بفقدان سوريا ولان حلفائها في حماس يقاسون بعد الاطاحة بحكم الاخوان المسلمين في مصر وباتت حماس عاجزة حتي عن توفير الكهرباء والمياه والصحة لسكان غزة.

اما السؤال الذي تصعب الاجابة عليه فهو : كيف استطاعت اسرائيل اختراق السودان امنيا؟. يحتمل السؤال عدداً من الاجابات التي تكمل بعضها، فمرور السلاح وتهريبه تقوم به عدد من الجهات واغلبها دافعه المال، وستعمل مع من يدفع لها المال اكثر، كما ان بعض الملمين بشرق السودان يدركون ان جماعات المهربين تتنافس فيما بينها للحصول علي العوائد المالية الضخمة للتجارة وتقوم في سبيل ذلك بالوشاية ببعضها البعض لاستخبارات دول اخري، ويؤكد البعض ان ذلك كان السبب في التحديد الدقيق للعربة التي تم قصفها داخل مدينة بورتسودان قبل عامين.

ولكن العامل الاخطر في اختراق السودان امنيا هو اجهزته الاستخباراتية نفسها!. ففي داخلها منذ سنين من يرفض الفكرة من الاساس لمعرفته بالاضرار التي تعود بها علي الحكومة والسودان وميله للمحور الخليجي – المصري ولكنه في نفس الوقت يخشي الدخول في مواجهة مع رجال النظام الاقوياء بما فيهم الرئيس البشير المتعاطف مع حماس ونافع علي نافع وبكري حسن صالح وعبدالرحيم محمد حسين الذين يقودون المؤسسة العسكرية التي تعتمد بشكل كبير علي ايران واصدقائها في التسليح والتقنيات العسكرية.

وبمعني آخر ان هناك مسؤولين امنيين بارزين يقومون بالاشراف علي الملف ويسربون المعلومات لجهات اقليمية ودولية، وصلاح قوش مع المتهمين بانه ضمن هذه المجموعة!.

شرق السودان والبحر الاحمر الضحية لمغامرات الخرطوم

اذا كانت ايران قد استطاعت مواجهة امريكا واسرائيل منذ العام 1979م بنجاح وهي في الاساس دولة كبيرة فالسؤال : هل يستطيع السودان الدخول في مواجهات مثل هذه؟! بالطبع الاجابة معلومة والسؤال نفسه استنكاري بالنظر لواقع السودان وامكاناته الحالية.

النتيجة الاخطر علي المدي القصير والطويل علي السودان من تورطه في الصراع الايراني – الاسرائيلي ان اراضيه ستصبح مسرحاً لصراع استخبارات عالمي حيث ان كلا الطرفين تقف خلفه دول عظمي مثل امريكا وروسيا وعدد آخر من الدول.

وبالنظر إلي ان دولاً مثل مصر والسعودية تحتفظ بعلاقة عدائية مع إيران، سيؤدي الامر لغض العالم طرفه عن تدخل الدول الكبري في شؤون السودان امنياً وربما حتي عسكرياً خصوصاً علي ساحل البحر الاحمر.

وسيتحول ملف السودان عموماً وشرقه تحديداً لدي المجتمع الدولي لملف امني بحت مثله مثل منطقة الحدود بين افغانستان وباكستان التي تقوم الطائرات الحربية الامريكية بقصفها باستمرار وقتل المدنيين خلالها ولايتحرك العالم لادانة هذه الانتهاكات لانه بات علي قناعة ان المنطقة مآوي للارهاب ولامجال للتعايش مع الارهاب حتي ولوادي ذلك لسقوط ضحايا مدنيين مثلما يحدث هناك.