محمّد جلال أحمد هاشم * العلاقة بين الإسلام الدّين والإسلام الدّولة (ج) هناك اختلاف واضح بين الإسلام في صورته المكّيّة والإسلام في صورته المدنيّة. ليس هذا فحسب، بل تنداح دائرة الاختلاف لتشمل النّبيّ محمّد نفسه؛ ففي المدينة تختفي شخصيّة النّبيّ محمّد المكّيّة لتحلّ محلّها شخصيّة النّبيّ محمّد المدنيّة.

فعلي الدّشتي يرى أنّه في مكّة «كان محمّد تقيّاً وبعيداً عن رذائل عصره. لقد صوّر الآخرة ويوم الحساب على أنّهما قريبان على وشك الحلول. ولأنّ فكره كان مثبّتاً على الآخرة، فقد ناشد قومه في مكّة أن يعبدوا إله الكون، وأدان العنف، والظّلم، والانغماس في متع الحياة، والاستخفاف بالفقراء. ومثل عيسى، كان مفعماً بالعطف والشّفقة. أمّا بعد انتقاله إلى المدينة، فقد غدا محارباً لا يلين، عازماً على نشر ديانته بحدّ السّيف، ومؤسّس دولة مولعاً بتدبير المكائد. هكذا تحوّل المسيح إلى داؤود. وغدا الرّجل الذي عاش مع زوجةٍ واحدة ما يزيد على العشرين عاماً، رجلاً مغرماً بالنّساء ذلك الغرام الجامح غير المكبوح» (المرجع السّابق: 139). هذا ما رآه علي الدّشتي، وهي رؤية غير موفّقة من عدّة وجوه، كونها تتكلّم عن تغيّر متناقض في بنية سلوك النّبيّ، بمعنى أشبه كما لو كان قد انحرف بصحيح دعواه. فما يقوله الدّشتي يمكن قبوله إذا ما كان في معنى أنّ النّبيّ محمّد قد انتقل بالرّسالة من مرحلة الدّين إلى مرحلة الدّولة لعلّة بعينها هي تثبيت أركان الدّين عبر مؤسّسة الدّولة. وبما أنّ هذا ما كان يمكن أن يتأتّى إلاّ بمظاهرة أيديولوجيّة، برزت إلى سطح الأحداث الوطنيّة العروبيّة كظهير أيديولوجي مواتٍ للدّين المقموع من قبل عرب مكّة. ونتّفق مع طه حسين (1926: 61) عندما يشير إلى اختلاف طبيعة الدّعوة ما بين مكّة والمدينة:

«منذ هاجر النّبيّ إلى المدينة تكوّنت للإسلام وحدة سياسيّة لها قوّتها المادّيّة وبأسها الشّديد، وأحسّت قريش أنّ الأمر قد تجاوز الأوثان والآراء الموروثة والسّنن القديمة، إلى شيء آخر كان فيما يظهر أعظم خطراً في نفوس قريش من الدّين وما يتّصل به، وهو السّيادة السّياسيّة في الحجاز، والطّرق التّجاريّة بين مكّة وبين البلاد التي كانت ترحل إليها بتجارتها في الشّتاء والصّيف. وأنت تعلم أنّ الاستيلاء على العير هو أصل الوقعة الأولى الكبرى بين قريش والنّبيّ في بدر. فليس من شكّ إذن في أنّ الجهاد بين النّبيّ وقريش قد كان دينيّاً خالصاً ما أقام النّبيّ في مكّة. فلما انتقل إلى المدينة أصبح هذا الجهاد دينيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً، وأصبح موضوع النّزاع بين قريش والمسلمين ليس مقصوراً على أنّ الإسلام حقّ أو غير حقّ، بل هو يتناول مع ذلك الأمّة العربيّة أو الحجازيّة لمن تُذعن، والطّرق التّجاريّة لمن تخضع».

من المهمّ أن نلاحظ كيف كان الإسلام الدّين في مكّة يشبه الدّين اليهودي في كثير من أوجه التّعبّد: فقد كان الصّيام في شهر محرّم، وليس رمضان، بالضّبط كما كان عليه الحال عند اليهود؛ وكان المسلمون يستقبلون قبلتهم تلقاء بيت المقدس كما يفعل اليهود. ولكن ما إن بدأ الرّسول في ابتناء الإسلام الدّولة حتّى بدأت سكّة الدّينين في الافتراق، فكان أن تمّ تحويل الصّيام إلى شهر رمضان ليصبح الشّهر كلّه بدلاً عن الأيّام العشرة التي كانوا يصومونها في محرّم. كما بدأت لغة الخطاب إزاء أهل الكتاب تتغيّر باضطراد وفق العلاقات الآنيّة بين أهل الدّينين اختلافاً واتّفاقاً، إلى أن وصلت درجة أصبح بها اليهود ملعونين وتجب محاربتهم. ثمّ لحق بهم النّصارى من أهل الكتاب في أخريات حياة النّبيّ، ذلك بنزول سورة التّوبة بما اشتملت عليه من آية السّيف التي وضعتهم جميعاً تحت طائلة القتل أو الإسلام. وهكذا تشكّل الإسلام الدّولة بمجموعة من الأحكام الجزائيّة، منها الخاصّ بالمواطنين المسلمين ومنها ما يخصّ المواطنين من غير المسلمين، وهي الأحكام التي لا غنى للدّولة عنها، وهي جماع الأحكام الجزائيّة ضمن ما يعرف الآن بالفقه والتّشريع والعبادات. ومع تاكيدنا على أنّ الفقه الحداثوي يشمل جابناً مهمّا في العبادات، لا ينبغي تعميم هذا على كلّ شيء وإلاّ أصبحنا بإزاء دينٍ جديد يختلف عن الإسلام ولو اعتلق به في بعض جوانبه بمثلما اعتلق الإسلام مع المسيحيّة واليهوديّة في كثيرٍ من جوانبه.

كلّ هذا ممّا يختلف في طبيعته عن الإسلام الدّين الذي كانت قد اكتملت معالمه في مكّة وظلّ النّبيّ يتعبّد به لثلاثة عشر عاماً، أي ما يزيد عن المدّة التي قضاها تحت ظلّ الإسلام الدّولة في المدينة (عشر سنوات). ولهذا يجوز النّظر إلى أنّ الإسلام الدّولة لا يعدو كونه تشكّلاً دنيويّاً عروبيّاً للإسلام الدّين الذي يسمو فوق كلّ هذا. منذ لحظتئذٍ سوف ينتشر الإسلام الدّولة، بالسّيف وبالأيديولوجيا، على حساب الإسلام الدّين، الأمر الذي سيولّد باستمرار بؤراً متفجّرة للصّراع الأيديولوجي كلّما تواجهت العروبيّة مع أشكال مختلفة للوعي الأيديولوجي، مثل الفارسيّة، أو الأفريقانيّة إلخ. في سبيل ضبط هذه المجموعات التي تعيش في كنف وعي أيديولوجي مباين للعروبيّة استُخدم الإسلام الدّولة واستُغلّ إلى أقصى درجة. «فلأنّ الإسلام نزل على العرب أوّلاً، وبلغةٍ عربيّة …، فقد صار العرب المسلمون يرون أنّهم حماة الإسلام وحملة الدّين القويم وهُداة الشّعوب الضّالّة. وإثر فتح فارس ومصر والشّام تجذّر لديهم الإحساس بالتّفوّق والاستعلاء. وبعد عهد الخلفاء الرّاشدين، وقيام الدّولة الأمويّة، تملّك القوم شعور بالسّيادة والعظمة والتّعالي فنظروا إلى غيرهم من الأمم نظرة السّيّد إلى المسود والمالك إلى العبيد؛ وتأسّس الحكم الأموي على هذا الاعتقاد الخاطئ والمفهوم الفاسد» (محمّد سعيد العشماوي، 1990: 144).

أدّى هذا الوضع الذي لا يقوم على أيّ وجه للعدالة إلى ردود أفعال خطيرة كان لها آثار أخطر في مسيرة الإسلام في بلاد غير العرب. فهذا الفهم القائم على عنجهيّة العرب كان بمثابة التّرتيب لجملة من التّكتيكات ومشاريع الاستيعاب وإعادة إنتاج الآخر المغاير ثقافةً ولغةً بمجرّد أن يدين بدين الإسلام الدّولة، الأمر الذي نجمت عنه حركات مضادّة. كانت أقصى درجة للمقاومة بلغتها هذه الحركات المضادّة ما يُعرف بالحركة الشّعوبيّة التي كان الفرس بحقّ عصَبتُها وحجر رحاها. فقد قامت الدّولة الأمويّة، بوصفها مدشّنة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة (تعني هنا استقواء العروبة بالدّين)، «… على عنصرين: العنصر العربي من جانب والموالي من جانب آخر. والموالي هم كلّ شخص غير عربي وإن كان مسلماً عليه أن يتولّى، أي أن يتّخذ له مولىً من العرب» (المرجع السّابق). وقد بلغ الاشتطاط حدّه عندما أُخذت الجزية من الموالي المسلمين. انتهى هذا الأمر إلى نبذ هذه الشّعوب (خاصّةً شعوب وسط آسيا المسلمة) اللغة العربيّة كلغة تخاطب مشتركة، ومن ثمّ الاستعصام بعرى لغاتهم الوطنيّة إلى أن بلغ بهم الأمر حدّ أن يتخلّوا عن الخطّ العربيّ تخلّصاً من ربقة تبعيّة العرب (كاي Kaye؛ 1996: 7). هذا ولو احتفظت هذه الشّعوب باللغة العربيّة كلغة دين، بها يمارسون شعائرهم الإسلاميّة. هذا مع أنّه كانت لهم في الأمر مندوحة، استناداً إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة من جواز التّعبّد، صلاةً وتسبيحاً، بلغة غير العربيّة، حسبما سيجيء أدناه.

الإسلام الدّولة والتّورّط الأيديولوجي: السّلفيّة والاستغلاقيّة (أ)

الدّين هو مكارم الأخلاق. وليس مكارم الأخلاق أن يكفي كلُّ واحدٍ في المجتمع الآخرين شروره، بل أن يعمل على أن يمنحهم خير نفسه الرّاكز في بنية إنسانيّته بالفطرة. وبهذا يكون مفيداً لنفسه ومفيداً لغيره في آنٍ واحد. ولهذا قال النّبيّ محمّد: «إنّما جئتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»؛ كما قال: «الدّين المعاملة». ولكن، ليس من الممكن تحقيق هذا طالما كانت المصالح متعارضة ومتناقضة. عليه، أدنى الإمكان هو أن يعمل المرء كيما يُنيل الآخرين خيرَ نفسه ما وسعه الأمر، على أن يعمل الآخرون ــــ كلٌّ على حدة ــــ الشّيء نفسه. وغاية هذا تحقيق السّلام، ولا يقوم السّلام إلاّ على العدل، ولا يقوم العدل إلاّ على الحرّيّة. وكما يقول محمود محمّد طه، أن تقوم حرّيّة الإنسان على اعتمال الخير المحض لا يعدوه إلى غيره، إذ لا مكان لغيره في الإرادة (الرّسالة الثّانية من الإسلام، 1971). وبهذا يحقّق الإنسان ذاته؛ وبهذا يحقّق أيضاً أهليّته للبدء في معراجه نحو الله. ولا يمكن للإنسان أن يفعل كلّ هذا إلاّ في فضاء الزّمان والمكان، أي التّعيين والتّحييز، أي في الدّنيا، وهذه هي وظيفة الدّنيا. ولهذا جاء في الأثر أنّ الدّنيا هي مطيّة الإنسان إلى الآخرة، إذ منها يبدأ الدّين بالإنسان متّجهاً به نحو الذّات الإلهيّة في معراجه إليها عبر الصّراط المستقيم، لا عِوَج فيه ولا حول. والعروج عمليّة قدسيّة، والذّات هي القدّوس. بيد أنّ الدّنيا ليست قدسيّة كونها عِلمانيّة. ولا مناص للدّين في حال اعتقاله في حيّز الدّنيا إلاّ أن يكون عِلمانيّاً كذلك.

إلاّ أنّ الإنسان لا يعيش هذه العمليّة التي ينبغي أن يحقّق فيها انتقاله من عِلمانيّة الدّين إلى قدسيّة العروج إلاّ وهو في كبدٍ عظيم جرّاء انبهام الرّؤية وقلّة الحيلة وتضييع الدّليل. فهو في شوقه الفطري واستلذاذه لمعايشة قدسيّة العروج (وهي لمحة من لذّة تحقيق العروج)، وإزاء عجزه الماحق عن ذلك جرّاء اعتقال الجسد الغليظ لروحه الشّفيفة، يعيش تناقضاً يولّد فيه خوفاً خرافيّاً عظيماً ينجم عنه ما عرّفه الفلاسفة الوجوديّون بالقلق الوجودي. ولكن، بدلاً من أن يتحلّى بالشّجاعة لمواجهة مصيره بوصفه مسئولاً عنه وعن تحقيقه، ذلك بمواجهة قلقه الوجودي بوصفه الجسر الرّياضي المؤدّي إلى باحة الخلاص، فيتخطّى المرحلة بين المرحلتين، غالباً ما يعمد الإنسان إلى ظلم نفسه بالتّحايل على الله بينما لا يتحايل في الواقع إلاّ على نفسه. يتمثّل هذا التّحايل في محاولته العاجزة والخائبة لتنزيل المقدّس إلى الدّنيا التي يتناقص إحساسُه بقدرته على تجاوزها. ولكن هيهات للمقدّس أن يتنزّل إلى الدّنيا كونه أكثر شفافيّةً على غلظة مادّيّة الدّنيا. ويكمن وجه التّحايل في استعاضة الإنسان عن هذا التّنزيل بالتّعامل مع علمانيّة الدّين بوصفها مقدّساً. وبهذا ترتسم هالة القدسيّة حول نصوص الدّين العلمانيّة.

والنّصوص الدّينيّة، فيما سبق الحديث عنها بخصوص القرآن، إمّا أن تكون رمزاً مثل الحروف من قبيل «كهيعص» أو «طه» إلخ، أو أن تكون إشارة بكلمات مقتضبات إلى معنىً ما، وهذا هو الحال مع القرآن. وتكمن عِلمانيّة القرآن في مادّيّة ألفاظه وتصويتها بآلات النّطق المطوّرة في الفم، بينما تكمن قدسيّته في كون كلماته (النّصّ الدّيني المكتمل) تخدم كجسر إلى القدّوس. والنُّجْحُ كلُّ النُّجح في أن يعبر المسلم من عِلمانيّة الألفاظ المصوّتة إلى كلمات القرآن التي هي كلمات الله، ومن ثمّ إلى قدسيّة الصّراط المستقيم الموصلة إلى القدّوس بإذنه تعالى، ذلك باستشفاف واستقراء النّصّ الدّيني نفسه، أي بتأويله. ولهذا جاز في الخاطر ارتفاقُ ألفاظ القرآن وانتقالها إلى مصاف القدسيّة كونها نصوصاً غير تاريخيّة، كونها تأخذ ببعض أسباب العِلمانيّة، وكونها قد استوفت أشراط النّصّ الدّيني. ولهذا تستعصي نصوص القرآن على أن يُسبغ عليها الإنسان القاصر تقديسَه القاصر والقاعد على الأرض الصّلبة. إذ هيهات للقدسيّة أن تتمرّغ في وحل الدّنيا العِلمانيّة وترابها الأغبر. هنا يلتفت هذا الإنسان إلى نصوص تاريخيّة، أي مكتملة العِلمانيّة، ليقوم بعمليّة المعاوضة، فيسبغ عليها لُبوس وصِفات القدسيّة. تبدأ هذه العمليّة أوّلاً بتجريد هذه النّصوص التّاريخيّة من سياق تاريخيّتها، فتصبح بالتّالي شبه دينيّة، وما هي بدينيّة، كونها مطلوب منها تحقيق الإيفاء النّظري، الدّيني، لمعالجات دنيويّة، أي علمانيّة. وفي سبيل هذا تُتّبع عدّة تكتيكات خطابيّة بها ينفصل هذا النّص التّاريخي عن تاريخيّته، بينما يكون في مقدوره تحقيق هذه المعالجة العلمانيّة، أي الدّنيويّة. هذه النّصوص هي الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ محمّد، وما هذه التّكتيكات إلاّ العنعنة. وهكذا يتمّ ترفيع هذه النّصوص شبه الدّينيّة لتخدم كبديل للنّص الدّيني المكتمل، ثمّ لتخدم أغراض دنيويّة بحتة تتّصف بغلاظة الدّنيا، وبعيدة كلّ البعد عن شفافيّة الدّين، ومن ثمّ تتُّبع اتّباعاً أعمى.

* مجتزأ من الفصل الرّابع من كتاب: منهج التّحليل الثّقافي: الفقه الإسلامي الحداثوي