مقدمة             هناك نقاش وحوار واسع وعميق في منظمات المجتمع المدني السوداني وخارجها..في الصحافة وفي الأحزاب السياسية عن الدستور وأهم جوانبه موضوع الدولة، جوهرها وطبيعتها: مدنية، علمانية، دينية، ديمقراطية، تعددية، فيدرالية، كونفدرالية، رئاسية، برلمانية، اجتماعية، ليبرالية...الخ

إن أهمية طبيعة الدولة تتضح في الدستور الانتقالي لعام 2005م الذي أفرد لها الفصل الأول (المواد من 1 إلى 9) .

            في الحوار عن الدستور نجد أن موضوع الدولة كثيراً ما يقف عند التوصيف والرغبات فقط دون سبر غور وظائف الدولة، التوزيعية، التنموية والأمنية. إن أداء الوظائف الأساسية للدولة هي التي تحدد طبيعتها.

 لذا ففي تناولها لدولة الرعاية ستسهم هذه الورقة في النقاش والحوار الدائر عن الدستور القادم وطبيعة الدولة فيه، خاصة ان تحديد الطبيعة الاجتماعية للدولة في هذا النقاش كان وما زال غائبا في حين أن النقاش يركز على الطبيعة السياسية للدولة: ديمقراطية، تعددية، مدنية، علمانية، برلمانية، رئاسية، فدرالية…الخ.

تنقسم هذا الورقة بعد المقدمة وقبل الخلاصة والنتائج الى ثلاثة أجزاء رئيسية تتفرع الى أجزاء فرعية تفصيلية.

يشمل الجزء الرئيسي الأول الأجزاء الفرعية (2-6) ويتعلق هذا الجزء بالاطار النظري التحليلي حيث يتناول وظائف الدولة الثلاث: التوزيعية والتنموية والأمنية وذلك لأهميتها الخاصة في تحديد مفهوم وطبيعة دولة الرعاية والديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي. ان تحديد مفهوم دولة الرعاية مهم لما يحيط به من التباس يتضح في الرأي القائل بأن الدولة السودانية في عهد الاستعمار البريطاني ودولة ما بعد الاستقلال كانت دولة رعاية اجتماعية نظرا لما كانت تقدمه من خدمات تعليمية وصحية محدودة لعدد محدود جدا من السكان في المدن، بهدف انتاج القوى العاملة اللازمة للادارة وللمشاريع الاستعمارية ولكن الاغلبية العظمى من السكان خاصة في الريف كانت محرومة تماما من هذه الخدمات على قلتها. وفي هذا السياق لابد من توضيح أن مفهوم دولة الرعاية في هذه الورقة يتطابق مع مفهوم الدولة الاجتماعية. كما تجب الاشارة هنا الى أن الديمقراطية الاجتماعية لا تلغي أو تنفي الديمقراطية اللبرالية بل تبني عليها وتحتفظ بميزاتها وتتجاوز نواقصها باضافة المضمون الاجتماعي لها فهي ترفض المقابلة بين العدالة والحرية أو التنمية والحرية فالعدالة تشمل العدالة الاجتماعية أي عدالة توزيع الثروة والعدالة السياسية وهي المساواة في الحريات الأساسية.

ويشمل الجزء الرئيسي الأول كذلك محددات الوظائف الثلاث لدولة الرعاية وهي: موازين القوى السياسية والبيئة المجتمعية وقيمها وثقافتها والعلاقة التبادلية بين هذه الوظائف وأولويات تخصيص الموارد لهذه الوظائف حسب أولويات النخب الحاكمة.

وفي هذا الجزء تؤكد الورقة على أنه لا يجوز الفصل بين توزيع الثروة من جانب وانتاجها وتعظيمها من جانب آخر كما يرى البعض من الذين يعطون الأولوية لوظيفة انتاج الثروة ومن ثم يأتي توزيعها وكأنما يحدث ذلك في تتابع زمني. ان توزيع الثروة العادل عامل أساسي في انتاج الثروة وتعظيمها وعدم التوزيع العادل للثروة يؤدي الى اقصاء وفقر وافقار بعض الشرائح الاجتماعية والأقاليم مما يؤثرعلى انتاج  الثروة وتعظيمها سلبا، كما يؤدي ذلك الى خلل في الصرف على القطاعات المختلفة مثلا اهمال القطاع الزراعي  وخاصة التقليدي مما يسبب الشعور بالغبن بين سكان هذا القطاع الموجودين في الأطراف وربما رفعهم للسلاح امام النخب الحاكمة في المركز وهذا بدوره يؤثر سلبا على انتاج الثروة وتعظيمها. وتحلل الورقة هذه الوظائف الثلاث في المدرستبن الليبرالية والاجتماعية. ومن أهم ما جاء في هذا الجزء هو التمييز بين مفهوم الكفاءة الذي تحدده  القيمة السوقية  للعمل في المدرسة اللبرالية وبذلك يتطابق مفهوم الكفاءة مع مفهوم العدالة في هذه المدرسة. أما في المدرسة الاجتماعية فان مبدأ العدالة يتحقق  بتدخل الدولة فيما يسمى بالتوزيع الثانوي بانشاء وتنظيم الضمان الاجتماعي والتأهيل والتدريب والأطر المصححة  والمنظمة للاقتصاد. أما التوزيع الأولي فهو الذي يتم عبر آليات السوق. وفي هذا الجزء  تتناول الورقة موضوع العمل بشئ من التفصيل الضروري فالعمل هو قلب الفكر الاجتماعي كمصدر للثروة ومصدر لكرامة الانسان ومشاركته في الحياة عامة و الحياة الاقتصادية خاصة. تفرق الورقة بين توزيع العمل وأنواعه وتوزيع عائداته ومحددات فرص العمل وانواعه وهذه الفرص هي التي تحدد عائداته.

وفي تناولها للوظيفة الانمائية تستعرض الورقة طبيعة هذه الوظيفة في دولة الرعاية وخاصة هدفها ومبدأها الأساس وهو تحقيق التشغيل الكامل والانتاجية العالية للعمل بتأهيل القوى العاملة. فالقوى العاملة هي القاعدة الاجتماعية لدولة الرعاية.

ثم تنتقل الورقة الى الجزء الرئيسي الثاني وهو جزء تاريخي يتكون من ثلاثة أجزاء فرعية

(7و8 و9) الأول موضوعه الخصائص التاريخية لدولة الرعاية في أوربا الغربية وأسباب وعوامل نشأتها لاستخلاص الدروس لتأسيس دولة الرعاية في السودان وليس بهدف النقل. ان تأسيس  دولة الرعاية بدأ في المانيا في عهد بسمارك الذي انتهج سياسة التأمين في ثلاثة قوانين لتمر هذه الدولة بمرحلة الأزمة العالمية 1929م التي ظهر فيها الاقتصاد الكنزي القائم على نهج الطلب  وهو من أركان اقتصاد دولة الرعاية. ثم تتبع هذه المرحلة الحرب العالمية الثانية التي أدت الى قيام المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي والى المواجهة والتنافس بينهما.

 وفي هذه الحقبة ظهر مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي في فكر الحزب الديمقراطي المسيحي وعلى يد الاقتصادي الألماني المعروف ايرهارد!. من أهم عوامل نشأة دولة الرعاية تطور الطبقة العاملة المنظمة وسعي النخب الحاكمة لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في سياق صعود الطبقة العاملة المنظمة وقد دعم هذا التوجه التنافس بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي وقيام أحزاب شيوعية واشتراكية قوية في المعسكر الغربي.

موضوع الجزء الفرعي الثاني في هذا الجزء التاريخي هو بدايات العولمة مع التطور التكنولوجي السريع وصعود اللبرالية الجديدة في الثمانينيات من ما أدى الى تسيد اقتصاد السوق الحر متمثلا في صعود “التاتشرزم” في بريطانيا (1979م) و”الريقانزم” في الولايات المتحدة (1980م) وقد فشل هذا النهج وارتفعت الأصوات بنقده حتى من داخل مؤسسات الرأسمالية كالبنك الدولي ومثال على ذلك شنيقلتيز (stiglitz ) الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد وآخرون. ويأتي الجزء الفرعي (9) ليشرح صعود الفكر الاجتماعي و”البرادايم” الجديد في التنمية الاجتماعية والذي يهدف الى تحقيق  الضمان الاجتماعي الشامل في كل المجتمعات كما يهدف الى المقاضاة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

يشمل الجزء الرئيسي الثالث الجانب التطبيقي لمفهوم دولة الرعاية في السودان ويتكون من ثلاثة أجزاء فرعية (10 و11 و12) موضوع أولها ضرورة دولة الرعاية في ظروف الأزمة الاجتماعية – الاقتصادية  الطاحنة في السودان وأسبابها وهي الانحياز المديني ( urban bais) والمتغيرات المرتبطة بالانتقالات التي يمر بها المجتمع السوداني عشوائيا دون أي تدخل من الدولة لتقليل المخاطر وتعظيم المنافع في هذه الانتقالات فالانحياز المديني أدى ومازال يؤدي الى انهيار اقتصاد الريف واستنزاف موارده من ما يفضي الى الحروب والصراعات والغبن والفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الأقاليم والشرائح الاجتماعية المختلفة.

ويبدأ هذا الجزء الثالث بمؤشرات كمية  لتوضيح الأزمة وأهم هذه المؤشرات الفقر والعطالة في مؤشرات التنمية البشرية وغيرها مثل مؤشرات  الفوارق  الاجتماعية  الاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية والأقاليم. ليأتي بعد هذه المؤشرات التحلبل النوعي للانتقالات.

وأول الانتقالات هو الانتقال من مجتمع تقليدي ذي اقتصاد معيشي يتطابق فيه المنتجون والمستهلكون وتسود فيه علاقات الدم ونظام الحماية التقليدية القائمة على هذه العلاقات الى مجتمع ذي اقتصاد انتقالي حديث تتدهور وتنهار فيه نظم الحماية الاجتماعية التقليدية دون أن تحل محلها نظم ضمان اجتماعي مدروسة. والانتقال الثاني هو الانتقال الى اقتصاد معولم دون التحضير والتخطيط لهذا الانتقال لتغزو الأسواق السلع المستوردة والعمالة الاجنبية وتنهار القطاعات الانتاجية. والانتقال الثالث هو الانتقال من مجتمع حرب الى مجتمع سلام منقوص أو مازال يعاني من التوترات الواضحة والكامنة وخاصة بين دولتي السودان وفي المناطق الثلاث

(أبيي وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق)، والانتقال الرابع هو الانتقال من اقتصاد تحكمي الى “اقتصاد سوق حر” مشوه منذ 1992 وهو مشوه بسبب نظام الحكم الشمولي الاقصائي وهيمنة نخب سياسية محددة على السياسة والاقتصاد ونتيجة لذلك حدثت معاناة بسبب الاحتكار والتمكين الاقتصادي والسياسي  للنخب المهيمنة وانتشار الفقر والعوز.

وموضوع الجزء الفرعي الثاني من هذا الجزء الرئيسي الثالث هو التحديات التي تواجه تأسيس دولة الرعاية  والديمقراطية الاجتماعية وأهمها التدهور الاخلاقي المريع ومراكز القوى المعارضة لتأسيس دولة الرعاية ثم الخلل الهيكلي الاقتصادي والاجتماعي  الذي يتجسد في الانحياز المديني والتنمية غير المتوازنة. وتنتقل الورقة الى الجزء الفرعي الثالث الذي يتناول الفرص لنجاح تأسيس دولة الرعاية وأهمها القاعدة الاجتماعية التي تعاني من البؤس والشقاء والحرمان والاقصاء في ظل النظام الحالي وأهم شرائح هذه القاعدة القوى العاملة في الحضر والريف  وخاصة في الأطراف التي بدأت تنتظم في حركات احتجاجية مسلحة وغير مسلحة ثم هناك شرائح الشباب والخريجين العاطلين عن العمل والنساء اللاتي يعانين من الظلم المركب في المجتمع نتيجة للعطالة والغبن والتمييز في مواقع العمل  وفي المنزل بسبب العمل متعدد الجوانب من انتاج يشري يتمثل في الانجاب والتربية والتنشئة في جانب، وعمل منزلي طوال اليوم بل على مدى الحياة لضمان استمرار العيش والحياة في المنزل العائلي لكل أفراد الأسرة عامة بدءا بالأطفال والمسنين.

ومن الفرص الجيدة تقاليد الحركة النقابية والمهنية الملتزمة لقضايا الشعب والمجتمع المدني النشط أما التحدي الحقيقي فيكمن في تنظيم وتحريك هذه المجموعات بالخطاب الاجتماعي السياسي الملائم وبابتداع وسائل تنظيم فاعلة في ظل القهر والاستبداد والفساد. ان ثالوث الاستبداد والفساد والعطالة هو الذي يشل حركة هذه الفئات وهو في نفس الوقت الدافع القوي للتحريك المجتمعي لجهة التغيير لتأسيس دولة الرعاية  والديمقراطية الاجتماعية والسلام الاجتماعي والتنمية المستدامة والمتوازنة.

            بالطبع ليس من السهل تناول طبيعة الدولة ووظائفها دون النظر في تاريخ تطور الدولة والمجتمع الذي يحتضنها ولذلك تحاول الورقة عرض تاريخ تطور دولة الرعاية في أوربا الغربية لاستخلاص الدروس والعبر التي يمكن الاستفادة منها في بناء دولة الرعاية الاجتماعية.