د. عمرو عباس اقارب إختلاف القوى السياسية المعارضة حول آليات التعامل مع دعوة الوثبة التي طرحها رئيس الجمهورية من عدة مرتكزات "أراها" حقائق على الارض.

أول هذة المرتكزات: أن دعوة ما عرف بالوثبة كانت تداعيات لتحركات سبتمبر- الكتوبر 2013. لقد هزت هذة التحركات النظام وارجعتة إلى الحائط. لم تكن الاحتجاجات شيئاً عابراً في الحياة السياسية السودانية، لكنها ضمخت بدم شهداء مضوا بنبل وبدون ضجيج، اسماء وبعض صور لابطال عبروا الجسر في الصبح والمساء خفافاً الى شاهق المجد. هذه هي التي فرضت الحصار الذي جربتة السلطة وارتعدت منه فرائصها وكانت نقطة البدء.

ثاني هذه المرتكزات: كانت دعوة ما عرف بالوثبة موجهة لقطاعات الشعب السوداني الذى ملأ الشوارع، مجهول المنابع، ليس لديهم ملفات عند الاجهزة ولايظهرون في الاعلام. هذا هو الذي ينافس عليه كافة الاطراف بوسائل مختلفة. الاحزب تمثل جزءاً فيه وليس كله، الحركات الشبابية تمثل جزءاً من الشباب وليس كلهم وهكذا. لم يكن معظم الذين سقطوا شهداء في احزاب اوحركات او منظمات، لكنهم انتموا لوطن ارادوه كما حلمو. 

ثالث هذه المرتكزات: في هذه المرحلة التاريخية فان تصنيف الفضاء السياسي هو معسكر الديكتاتورية ومعسكر الديمقراطية. ما تم جرنا الية هو الحديث عن البديهي. منذ نشأتها هناك احزاب اليمين، اليسار وما بينهما، وهي منذ اكثر من سبعة عقود لديها رؤاها وبرامجها وانحيازاتها الإجتماعية، لكن ليس هذا اوان إن نتجادل حول هذه القضايا في ظل المعركة القادمة المحددة. كل التجمعات على مختلف اشكالها تتفق أن هناك حاجة ملحة لتغيير النظام وإذا امكن اسقاطه لصالح الديمقراطية، وقد اتفقت قبل الأن في التجمع الوطني الديمقراطي، حول مؤتمر القضايا المصيرية 1995، إعلان القاهرة في 16 يناير 2005، برنامج البديل الديمقراطي وقليلاً حول ميثاق الفجر الجديد. المطلوب الأن أن تتفق حول مشتركات آليات الدعوه للحوار، وهناك أجندة طويلة حول الاتفاق على كيفية حكم السودان والوصول لرؤية مشتركة حول اعادة بناء وطن ديمقراطي زاهر.

النظام من ناحية اخرى بالغ الضعف، تشتت اطرافه وتهلهل فرقاءه ويعترف كالجميع أن هناك ازمة خانقة وصلت حداً مخيفاً من الشلل الإقتصادي والإجتماعي، ضغوط محلية من تحركات يومية في كافة ارجاء الوطن، صدامات مسلحة يومية في المناطق الثلاث ونزيف دم وموارد، ضغوط خارجية كثيفة من المحور الاقليمي والعالمي للوصول لحلول للحرب الاهلية، الاجراءات المصرفية وغيرها. طرح النظام دعوة الحوار مبهمة خالية من أي خطوات تنفيذية او آليات، كيف سيدار هذا الحوار، شروطه، سقوفه العليا، المشاركين فية ومواعيد بدايته ونهايتة. لقد أحسن الطاهر ساتي وصفها بصحن الجلي، بحيث النص لايستقر على معنى، وكذلك قابل للشد والجذب.

بدلاً من أن يجلس ممثلوا معسكر الديمقراطية ويتحاوروا حول الآليات التي يمكن اعتمادها، واشراك القطاعات المختلفة من الشعب السوداني الذي يسود صفحات الاسافير بالنقاشات الهادفة والعميقة احياناً، يتبادلون الرسائل والتغريدات عبر الفضاءات، يقلبون بيوت العزاء، فطور الجمعة، عقود الزواج لندوات مفتوحة، ويشاركونا في نقاط خلافهم واتفاقهم حتى نصل لكتلة معسكر صلبة للبدء في اتخاذ الخطوات القادمة. بدلاً من ذلك اطلوا علينا ببيانات من زعماء الاحزاب، مكاتبها السياسية، لجانها المركزية ومجالس شوراها تحدثنا عن البديهي.

إن من السهل جداً تحويل الغضب من الاتجاه نحو معسكر الديكتاتورية وتعظيمه وإستثماره كنقاط قوة في صالحنا، حولناه إلى غضب بيننا. لقد تطايرت الاتهامات والنقد واحياناً التجريح. وسوف احاول أن اصل لبعض الاسباب التي دعت الاطراف لهذا الحوار الخشن. يعود سبب اساسي لخفة قبولنا بتواجد احزاب ذات إنحيازات مختلفة في الفضاء السياسي، انعدام الثقة بينها وغياب وضوح رؤيتها المعلنة. الاحزاب الطائفية الليبرالية تختلف في إنحيازاتها السياسية والاجتماعية مع الانقاذ في توجهها الديمقراطي ومقتضيات التوزيع لكن تتفق معها في اساسها الطبقي والإقتصادي، وقد رأت في ضعف السلطة ما يغريها بقطف الثمرة في هذه الظروف الملائمة. ترتفع وسط اليسار والشباب اطروحة الاصطفاف اليميني وعقد صفقة بين اطرافها كما حدث في المصالحة مع نميري. يتجاهل هذا الطرح اختلاف الظرف، الحركات المسلحة ومآلات تلك المصالحة.

مع أنني اميل لاطروحة تهيئة البيئة كمدخل للحوار وأرى منطقها قوياً ومدركاً لطبيعة النظام المراوغة، إلا أنني لا أري فيها بطولة او الدعوة لحوار بلا شروط خيانة. كلها وجهات نظر قابلة للحوار وليست قرآناً منزلاً. قدمت الجبهة الثورية رأيها بقوة،  وأرى ببساطة أن الدعوة للحوار لم تحدد أي سقوف، لذا فأنني مع من يرون أن تلتقي الاحزاب في معسكر الديمقراطية ويحاولوا الوصول لمشتركات حول الحوار، وكذلك أن تصنع الحركات الشبابية، النساء والمنظمات المدنية. هذا حوار مجتمعي يجب أن نشترك فية معاً. ليس الخيار هل نجلس للحوار ام لا؟ ولكن الاتفاق على مباديء عامة للحوار، مراحله، تكتيكات الحوار وغيرها. اعتقد أننا يمكن ببعض التنازلات هنا وهناك أن نصل لترتيب البيت الديمقراطي من الداخل.

لقد مارسنا ترف الاختلاف لحد الاقصاء مع جبهة الهيئات وجبهة الاحزاب في اكتوبر 1964، واجهضنا شعارات الثورة حتى لم يبق منها سوى الاناشيد، التجمع الوطني ومولانا في انتفاضة 1985 وحصدنا الانقاذ. إذا كانت تلك حدثت بعد الثورة فنحن الأن في ديكتاتورية خانقة وخياراتنا قليلة. إننا نواجهه معسكر الديكتاتورية الذي تدرب، مارس وصقل آليات التفاوض ويجيد نصب الكمائن، تشتيت الفرقاء وتغبيش الجو. هذه حقائق الوضع وكفاءة النظام وإذا اردنا ان نصل لحلول نؤمن بها علينا أن نتقن فنيات التفاوض او نتجه نحو الحشد لاسقاط النظام. أنني أدعو للخروج من إستراتيجية اشغل اعدائي بانفسهم التي يستعملها النظام ببراعة  إلى إستراتيجية عجل بالنصر وبالفرج سواءاً تفاوضاً او حشداً في الشارع، أننا إذا اتحدنا على هذا سوف نفلح حتماً.