د. عبد الرحيم أحمد بلال الجزء الأول اطار نظري تحليلي  وظائف الدولة الثلاث: التوزيعية والانمائية والأمنية ان وظائف الدولة حسب تاريخ البحث العلمي في قضايا الدولة والتنمية المستدامة والحكم الراشد وحقوق الانسان هي خمس وظائف: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والسياسية والثقافية. وقد جاء الاهتمام بهذه الوظائف في علوم التنمية وتقاريرها المختلفة تاريخيا بهذا الترتيب.

ان هذه الوظائف ترتبط ببعضها في علاقات تبادلية ارتباطا وثيقا تماما كما هو الحال في حقوق الانسان.

بالرغم من هذا الارتباط وبالتجريد من العلاقات التبادلية يمكن القول أن المفهوم الضيق للوظيفة الاقتصادية يركز على انتاج الثروة وتعظيمها وتوزيعها على القطاعات في الاقتصاد القومي أما الوظيفة الاجتماعية فانها تركز على توزيع الثروة على الشرائح الاجتماعية وفي العقود الأخيرة وفي الدول النامية خاصة شمل مفهوم توزيع الثروة العادل التوزيع على الأقاليم.

وهدف الوظيفة البيئية هو حماية البيئة واستدامتها لأجيال الحاضر والمستقبل وفي ظروف تغير المناخ تكتسب هذه الوظيفة البيئية أهمية لم تحظ بها في الماضي خاصة في العالم الأفريقي بسبب هشاشة المجتمعات الأفريقية التي تزداد هشاشة نتيجة تغير المناخ وأكثر المجموعات تأثرا بذلك هي المجموعات الفقيرة.

أما الوظيفة السياسية فتعنى بمشاركة جميع المواطنين على كل مستويات الحكم والاقتسام العادل للسلطة بين المجموعات السكانية والأقاليم كما تعنى هذه الوظيفة بالاستقرار السياسي والأمني وتحقيق الحكم الراشد وأهم مرتكزاتها الحريات الأساسية: حرية التعبير وحرية التنظيم والاجتماعات والتنقل وحرية تبادل المعلومات وحكم القانون والمحاسبة والمساءلة والاستجابة لرغبات الشعب.

أما الوظيفة الثقافية فهى تعنى بالادارة السليمة للتنوع الثقافي والتعايش السلمي والحوار بين الثقافات.

لقد اختارت الورقة الوظائف الثلاث: التوزيعية والانمائية والأمنية لأهميتها الخاصة في تحديد دولة الرعاية والديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي ولأهميتها كذلك في المقارنة بين دولة الرعاية واقتصاد السوق الاجتماعي من جانب والدولة اللبرالية واقتصاد السوق الحر من جانب آخر. .كذلك لما لهذه الوظائف من أهمية في المدرستين اللبرالية والاجتماعية والتي تقوم الورقة على المقارنة بينهما.

محددات الوظائف الثلاث

            ان تحليل الوظائف الثلاث:  توزيعية، تنموية، أمنية، هو الأساس لتحليل  طبيعة دولة الرعاية وعلاقتها باقتصاد السوق الحر وأهم قضاياها الاجتماعية كالفقر والبطالة وهذا هو ما جاء في الخطوط الإرشادية والشروط المرجعية المقدمة من المنظمين للمؤتمر.

 في البدء لا بد من إلقاء الضوء على محددات الوظائف الثلاثة.

أولاً – موازين القوى ومواقف الطبقة السياسية

            إن موازين القوى السياسية والاجتماعية من أهم العوامل التي تحدد الأولويات في منظومة هذه الوظائف وهي أي هذه الموازين هي التي تحدد دور الدولة فيها وتخصيص وتوزيع الموارد عليها.

ثانياً – العلاقة العضوية التبادلية بين الوظائف الثلاث

            إن هذه الوظائف الثلاث ترتبط ارتباطاً عضوياً وثيقاً ببعضها البعض لذا لا يمكن الفصل بينها كما يرى بعض الذين يقولون بإنتاج الثروة أولاً “الوظيفة التنموية” ثم توزيعها “وظيفة العدالة التوزيعية”لان توزيع الثروة على الشرائح الاجتماعية والقطاعات والأقاليم عامل مهم في إنتاج الثروة وتعظيمها.

إن موازين القوى تحدد الأوليات في أداء هذه الوظائف بالرغم من الارتباط العضوي بينها لكن الشاهد أن تحديد الأوليات ينبع عادة من مصالح النخب السياسية الحاكمة.  (1)

ثالثاً – البيئة المجتمعية

            إن البيئة المجتمعية وتطورها وخصائصهاالاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقيمية في الماضي والحاضر هي التي تسهم في تحدد طبيعة الدولة وقيامها بهذه الوظائف.

 دولة الرفاهية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، صفحة 139 وما بعدها

4. المدرسة الليبرالية والمدرسة الاجتماعية ووظائف الدولة واقتصاد السوق الحر

            إن وظائف الدولة الأساسية الثلاث هذه، موضوع خلاف أساسي وعميق في علوم السياسة والاقتصاد والاجتماع وتطبيقاتها وهو خلاف بين مدرستين رئيسيتين في هذه العلوم وتطبيقاتها في الواقع. المدرستان هما مدرسة الدولة الليبرالية ومدرسة الدولة الاجتماعية أو مدرسة الديمقراطية الاجتماعية.

            تدعو المدرسة الليبرالية في شكلها القديم والجديد لإطلاق العنان لآليات وقوى السوق الحر (free market) غير المقيد لأن آلية السوق كما ترى هذه المدرسة، هي الأقدر من الدولة على تخصيص الموارد حسب العرض والطلب ولذلك تسمي هذه المدرسة بأصولية السوق (market fundamentalism). وتؤمن هذه المدرسة بحرية الأفراد والفاعلين عامة ومسئوليتهم عن مصائرهم وشعارها في الاقتصاد (دعه يعمل دعه يمر) دون أي عوائق أو تدخل من الدولة. واستناداً على هذا الشعار ترى هذه المدرسة أنه يجب أن يكون مبدأ الحرية الفردية والمسئولية الفردية هو الأساس في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لأنه حسب رأيها يفجر الطاقات والقدرات والملكات الإبداعية لدى الأفراد. ويقول دعاة هذه المدرسة “إن الدولة أسوأ من يملك وأسوأ من ينفق”. وواضح أن هذا الرأي لا يأخذ في الاعتبار من يهيمنون على الدولة وما هي مصالحهم!!

            ان أهم الأحزاب في الدول الغربية التي تدعو لهذه المدرسة وتدعمها وتدعم تطبيقها هي حزب المحافظين البريطاني خاصة في فترة ثاتشر التي أتت لرئاسة الوزارة البريطانية عام 1979م لذلك سميت الليبرالية الجديدة في بريطانيا باسم (Thatcherism). ثم هناك الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية وسميت هذه المدرسة في عهد ريقان  الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة في عام 1980م بـ (Reagainism) فصارت حقبة الثمانينات هي قمة هيمنة المدرسة الليبرالية الجديدة التي تدعو إلى الدولة النحيفة (slim state) أو الدولة الصغيرة المحدودة (minimal state). وتدعو هذه المدرسة إلى حصر دور الدولة في الوظيفة النووية للدولة وهي الوظيفة الأمنية (الأمن الداخلي والأمن الخارجي). وحتى هذه الوظيفة الأمنية يرى مؤيدو هذه المدرسة في السنوات الأخيرة أنه من الممكن أن تشارك الشركات الخاصة الدولة في القيام بها ويمكن ملاحظة ذلك في إدارة شركة بلاك ووتر الأمريكية ، وهي شركة أمنية خاصة، لسجن أبو غريب في العراق. ولا نريد أن نذهب بعيداً إلى العراق إذ أن هذا النهج بدأ يتضح في السودان خلال فترة حكم الإنقاذ ويظهر في انتشار شركات الأمن الخاصة المختلفة والتي توكل إليها مهام أمنية مختلفة وحتى حراسة مؤسسات الدولة كالوزارات وهنا يطرح السؤال نفسه حول ماهي العلاقة بين هذه الشركات “الخاصة” ومؤسسات قطاع أمن الدولة والنافذين فيه من ما يثير أسئلة عديدة حول سياسة التحرير نفسها.

ونظرا لإيمان المدرسة الليبرالية بدور السوق الحر وعقلانيته في كل شيء فإنها تسمي مدرسة أصولية السوق (market fundamentalism) لأنها ترفض تدخل الدولة أي الدولة المتدخلة (jnterventionist state) وهي بذلك تغض الطرف وتتغاضى عن تدخل الدولة في النظام الرأسمالي لمصلحة الشركات في حالة تعثرها أو إفلاسها كما حدث في الأزمة المالية 2008م و كما يحدث في دعم المزارعين في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الغربية. ان الدعم الزراعي في الاتحاد الأوروبي يبلغ ثلث دخل المزارعين ويبلغ الدعم الكلي للزراعة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان بالإضافة لما يسمي بالدعم الخفي في استعمالات المياه مثلا ما يساوي 75% من الدخل الكلي لكل الدول الأفريقية جنوب الصحراء.(2)

            أما المدرسة الثانية فهي المدرسة الاجتماعية أو مدرسة الديمقراطية الاجتماعية التي تدعو إلى الدولة الاجتماعية (social state), دولة الرعاية الاجتماعية، وهي الدولة المتدخلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتصحيح فشل السوق (market failure) خاصة في الجوانب الاجتماعية والبيئية وفي توفير السلع العامة (public goods) كالتعليم والصحة والبيئة والهواء النقي والماء النظيف للجميع. وفي هذا السياق نشير الى رأي جوزيف شتيقلتيز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد والخبير الاقتصادي السابق في البنك الدولي وفي ادارة كلينتون القائل: (2)

“”ان الأسواق بمفردها لا تؤدي بالضرورة الى الكفاءة الاقتصادية. وفي الوقت الحاضر يتفق أغلبية الاقتصاديين على أن الأسواق بمفردها لا تؤدي الى الكفاءة. ويكرر جوزيف شتيلتيز هذا الرأي حول الأسواق في حالة توطين التكنولوجيا وتجسير الهوة المعرفي.”

ويضيف قائلا: ” ان التقدم في النظرية الاقتصادية في السبعينيات والثمانينيات أظهر محدودية الأسواق في تحقيق الكفاءة الاقتصادية.””

            نشير هنا الى أن  مفهوم الدولة الاجتماعية يرتبط بالديمقراطية الاجتماعية (social democracy).  واقتصاد السوق الاجتماعي (social market economy) الذي يسمح فيه بتدخل الدولة وهو غير اقتصاد السوق الحر الذي يشير اليه شتيقلتيز.

(  Joseph Stiglitz, Making Globelization Work, London 2006 ) (2)

4.العدالة التوزيعية بين السوق وتدخل الدولة في المدرستين الليبرالية والاجتماعية

            إن هدف هذه الوظيفة هو تحقيق ما يسمى بعدالة التوزيع أو العدالة التوزيعية (distributive justice). ولكل من المدرستين نهجها في تحقيق هذه العدالة التوزيعية.

            ومن المعروف أن تحقيق العدالة من أكثر القضايا الخلافية في الفكر في مجالاته المختلفة: الفلسفي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وهي قضية خلافية حتى بين مؤيدي المدرسة الواحدة.

            تتبنى المدرسة الليبرالية لتحقيق العدالة التوزيعية، منهج العدالة القائمة على الإنجاز (achievement/ merit-based Justice) وهي تعتمد في ذلك على آليات السوق الحر والقيمة السوقية للعمل والمشاركة في السوق دون تدخل من الدولة وهذا التوزيع يسمي في أدبيات دولة الرعاية و منهج المدرسة الاجتماعية و الدولة الاجتماعية بالتوزيع الأولى، لأن هذه المدرسة تضيف إلى التوزيع الأولى التوزيع الثانوي الذي يتجه الى تلبية الاحتياجات أو بمعنى أدق الاحتياجات الأساسية (needs- based justices)  ويضمن لكل مواطن ولكل عائلة الحد الأدنى من تلبية احتياجاتهم الأساسية من السلع والخدمات بصرف النظر عن القيمة السوقية لعمل المواطن وممتلكاته وذلك لتحقيق الشعور بالأمن الاجتماعي والاطمئنان وأهم من ذلك لتجاوز المخاطر الاجتماعية كالمرض والشيخوخة والبطالة عن طريق نظام الضمان الاجتماعي التضامني (solidarity- based social security  ).

            بالإضافة إلى ذلك تسعي الدولة الاجتماعية إلى تحقيق المواطنة الاجتماعية وذلك بالفرص المتساوية لكل المواطنين في العمل والتعليم والصحة وغيرها من الاحتياجات الضرورية (equal opportunities, equitable opportunity ).

            توظف الدول الاجتماعية، دولة الرعاية، الوسائل الآتية لتحقيق مبادءها وأهدافها الأساسية وهي الحرية والمساواة والتضامن:

الضرائب المختلفة كمصدر لإيرادات الدولة.

الدعم المباشر وغير المباشر لاستهلاك الفقراء.

  1. الضمان الاجتماعي وهو جزء من منظومة الرعاية الاجتماعية التي تشمل الضمان الاجتماعي والخدمات الاجتماعية. وينقسم الضمان الاجتماعي إلى جزءيين هما التامين الاجتماعي والمساعدات الاجتماعية. تجدر الاشارة هنا الى أن الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة الأمريكية خدم في 2006 أكثر من 52 مليون أمريكي بمبلغ 550 بليون دولار وهذا يعادل 20% من الانفاق الاتحادي  ثم هناك بند اجتماعي آخر يشمل ما يسمى كروت الغذاء ( Food Stamps ). (3)

(3): (Amanda S. Barsuch, USA 2009,P. 37)

الأطر الاقتصادية المنظمة والتصحيحية

 (regulative and corrective framework).

وهذه الوسائل مرتبطة بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية لدولة الرعاية وهي:

الاستخدام الكامل بالأجر المجزي.

التأمين الاجتماعي الشامل ضد المرض، الإعاقة، البطالة، الشيخوخة، إصابات العمل، رعاية المسنين في منازلهم أو في دور رعاية للمسنين.

دعم استهلاك الفقراء باعتباره مسئولية الدولة وليس مسئولية فردية للمواطنين الخيرين والمحسنين كما يرى بعض الاسلاميين.

توفير السلع العامة خاصة التعليم والرعاية الصحية والبيئة الصحية والماء

 

 

إن تدخل الدولة الاجتماعية بوظيفتها التوزيعية كما ذكرنا سابقاً يسمى في أدبيات مفكري الدولة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية التوزيع الثانوي وهذا يعنى أنهم يعترفون بالتوزيع الأولى بآليات السوق بالإضافة إلى هذا التوزيع الثانوي. وفي ذلك تختلف المدرسة الاجتماعية عن المدرسة الليبرالية التي ترفض تدخل الدولة ودورها في توزيع ثانوي وتطبق فقط وحصراً التوزيع الأولى بواسطة آليات السوق الحر.

 

 


 

أن المنهجين الليبرالي والاجتماعي في فهمهما للعدالة التوزيعية يتفقان في انطلاقهما من أن العمل هو أساس العدالة التوزيعية لكن اختلافهما يكمن في أن المنهج الليبرالي يجعل من القيمة السوقية للعمل فقط أساس التوزيع في حين ان المنهج الاجتماعي يضيف الى ذلك تدخل الدولة لتحقيق العدالة في تلبية الاحتياجات الأساسية وكرامة الإنسان.

ان المنهجين ينظران في توزيع عائدات العمل نفسه حسب كميته ونوعه في المجتمع كالعمل الذهني والعمل الجسدي والعمل المعقد القائم علي المهارات والقدرات والمؤهلات (skilled labour) والعمل البسيط الذي لايحتاج الى المهارات (unskilled labour) وهذه عوامل تحدد عائدات العمل. وهنا يبرز السؤال عن العدالة التوزيعية للعمل نفسه وليس لعائده فحسب، وكذلك السؤال عن ماهي محددات عدالة توزيع العمل وأنواعه المختلفة سالفة الذكر.

إن أهم محددات العدالة  السوقية لتوزيع العمل هي المؤهلات والمهارات. لذا يجب طرح السؤال عن عدالة توزيع هذه المؤهلات والمهارات وفي نهاية الأمر ينتهي بنا السؤال إلى توزيع فرص الحصول على المؤهلات والمهارات بدءا بالتنشئة  والتعليم والتدريب والرعاية الصحية والسكن والبيئة المنزلية، وهكذا ينتقل السؤال من آليات توزيع عائدات العمل واليات العدالة التوزيعية في المدارس الاقتصادية المختلفة إلى السؤال عن عوامل توزيع فرص الحصول علي العمل باختلاف أنواعه وعوامل توزيع المؤهلات والمهارات المطلوبة مجتمعياً في تقسيم العمل، والعامل الأساسي في ذلك هو ماتُوفره العدالة من البيئة المجتمعية من فرص العمل وفرص التأهيل واكتساب المهارات وظروف البيئة المختلفة الأخرى لكل أفراد المجتمع حسب قدراتهم الفردية، والتي تبدأ بالتنشئة والتعليم في الطفولة و الرعاية الصحية والظروف البيئية الأخرى
 

في تحليل عائدات العمل نفرق ونميز بين تقسيم العمل (division 0f labour) في السياق التاريخي لتطور الإنسانية والمجتمعات في جانب وبين توزيع العمل ( distribution  0f labour) في مجتمع معين وفي ظرف تاريخي معين وقد اتضحت ضرورة هذا التمييز في النقاش عن البطالة في الدول الغربية وقد ساهم في هذا النقاش السياسي البيئي ووزير خارجية ألمانيا الأسبق فيشر *( راجع ملحق 1)..