عبد الرحيم أحمد بلال 4-  الوظيفة الإنمائية في المدرستين إن هدف الوظيفة الإنمائية في كلتا المدرستين، المدرسة الليبرالية والمدرسة الاجتماعية جانبان: أولا إنتاج وتعظيم الثروة، ثانياً توزيع الثروة بوصفها عاملا في انتاج وتعظيم الثروة،

ولكن يختلف منهج كل من المدرستين في هذين المجالين بل يختلف منظور وتحليل المدرستين للعلاقة بين هذين الجانبين والآليات المستخدمة التي تشمل المجالات أو المحاور التالية وهنا نذكر العلاقة التبادلية بين الوظائف الثلاثة للدولة وخطأ وضع أولويات في السياق الزمني كما ذكرنا سابقاً مثلاً في الرأي القائل بإنتاج الثروة أولا ثم توزيعها ثانيا.

المحاور التالية توضح كذلك المعالم الأساسية لمضمون اقتصاد السوق الاجتماعي بالمقارنة مع اقتصاد السوق الحر والديمقراطية الاجتماعية بالمقارنة مع الديمقراطية اللبرالية. وأهم سمات الديمقراطية الاجتماعية إنها تشاركيه وهذه التشاركية تتضح في علاقات العمل في الديمقراطية الاجتماعية.

4/1 الاستخدام

يشكل الاستخدام باجر مجزي وفي عمل لائق (decent work) أهم هدف ومبدأ وقيمة في المدرسة الاجتماعية دولة الرعاية فالعمل هو مصدر الثروة واهم وسيلة لتحقيق الكرامة الإنسانية والدمج في المجتمع ولذلك تري هذه المدرسة ضرورة  التدخل الايجابي للدولة في سوق العمل بسياسات فاعلة لتحقيق الاستخدام الكامل أو شبه الكامل لكل الأفراد الذين يملكون القدرة على المشاركة في النشاط الاقتصادي.

4/2 استخدام النساء

تُولي المدرسة الاجتماعية اهتماما كبيراً لاستخدام النساء القادرات على المشاركة الاقتصادية ومساواتهن وضمان حقوقهن العامة والخاصة في بيئة العمل وخارجها لان تشغيل النساء هو أهم وسيلة لتحرير المرأة داخل المنزل وخارجه من ما يرفع من قدرها وكرامتها وقدراتها في المشاركة مع الرجال في تربية الأولاد والبنات فالمرأة العاملة تثري المنزل وموقع العمل بالعمل فكريا وجسديا الذي يشاركها فيه الرجل.

4/3 السياسات المحفزة للطلب  (demand oriented policies)

ان المدرسة الليبرالية ترفض اي تدخل للدولة في سوق العمل وتتركه للعرض والطلب  لكنها تعطي القطاع الخاص حوافز بتخفيض الضرائب لزيادة الأرباح والمدخرات وبالتالي  لزيادة الاستثمارات من ما يزيد من عرض السلع والخدمات في رأي هذه المدرسة. وكذلك تقوم المدرسة اللبرالية بتخفيض تكلفة العمالة مثلاً تخفيض التكلفة الثانوية في التأمين الاجتماعي بتخفيض مساهمات القطاع الخاص وبالتالي تخفيض المنافع للعاملين لتزيد من حجم الادخار والاستثمارات للقطاع الخاص. اما منهج المدرسة الاجتماعية والدولة الاجتماعية فهو سياسات اقتصادية محفزة للطلب وذلك بالآتي:

1-  رفع الأجور بالانتاجبة العالية وذلك بالتدريب والتأهيل والتعليم. اي تعظيم رأس المال المعرفي.

2- تخفيض الضرائب علي المداخيل المحدودة.

3- التشغيل الكامل وشبه الكامل.

4- زيادة إنتاجية القوي العاملة بالوسائل المختلفة خاصة التعليم مدى الحياة، التدريب وتطبيقات التكنولوجية الحديثة، البحوث….الخ

ترى هذه المدرسة إن زيادة الطلب تؤدي إلى زيادة العرض وفي ذلك تحفيز للمستثمرين ورأس المال لزيادة إنتاجه وتشغيل أعداد اكبر.

أما المدرسة الليبرالية فانها ترى أن السياسات الاقتصادية الموجهة للعرض هي التي تدفع بالنمو والتنمية وذلك بتخفيض الضرائب علي القطاع الخاص لتزيد من حصيلة الادخار وبالتالي الاستثمار وفي ذلك عامل لزيادة الاستخدام.

4/4 طبيعة النمو الاقتصادي- النمو من اجل الفقراء والنمو بدون تشغيل

في عقد الثمانينات الذي سادت فيه سياسات التكيف الهيكلي التي زادت من انتشار وحدة الفقر والفوارق الاجتماعية ظهر مصطلح النمو من اجل الفقراء ( pro-poor growth  ) كما ظهر مصطلح الفقراء العاملون (working poor) والنمو بدون تشغيل (jobless growth ) ولذلك تسعي الدولة الاجتماعية الي النمو الكمي والنمو النوعي معاً. إن النمو النوعي هو النمو من اجل الفقراء لأن هنالك نمواً يزيد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً. إن النمو النوعي يقلل من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بين الشرائح الاجتماعية وبين الأقاليم.

45 حقوق الإنسان في الميزانيات (Human Rights Budgeting)

لم تعد مراعاة حقوق الإنسان السياسية والمدنية في الدستور كافية بل يجب أن يشمل الاهتمام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الدستور وفي وضع الميزانيات ليكون نصيب هذه الحقوق في الصرف العام متلائماً مع أهميتها وحتى لا تضار هذه الحقوق بالصرف الزائد علي قطاعات أخرى مثل الأمن والجيش والصرف البذخي وغير الرشيد علي الحكام والنخب السياسية الحاكمة. ويشمل هذا المنهج كذلك الموازنة التي تهدف الى مساواة النوع فموازنة الدولة هي الأداة الأهم لدى الدولة التي تحقق بها التوازن الاجتماعي والاقتصادي والاستقرار السياسي إذا تم توظيفها بحكمة وبعدالة، لذلك جاء منهج الموازنة القائمة على حقوق الإنسان.

4/6 اللامركزية

ان أفضل نظم الحكم لقيام وفعل دولة الرعاية هو نظام الحكم اللامركزي وتحديداً الحكم الفيدرالي الحقيقي بكل ميزاته وأهمها ضمان المشاركة على كل مستويات الحكم والتوزيع العادل للثروة علي كل هذه المستويات واهم مستوى في الحكم الفدرالي في دولة الرعاية هو المستوى المحلي الذي تتحقق فيه الديمقراطية التشاركية والمساواة والمحاسبية المباشرة.

الجدير بالذكر أن مبادئ العدالة التوزيعية في المدرسة الاجتماعية تطبق في النظام الفدرالي للحكم حيث نجد تطبيق معيارين أو مبدأين في توزيع الإيرادات المركزية وهما معيار او مبدأ العدالة ومبدأ الكفاءة ويشمل مبدأ العدالة معيار الحاجة ومعيار الكثافة السكانية ومعيار الموقع الجغرافي ومعيار الحد الأدنى من الخدمات الضرورية ومعيار تساوي الأقاليم في الحقوق والواجبات، أما مبدأ الكفاءة فيشمل معايير عدة من بينها معيار تسيير الولايات لشؤونها الإدارية استنادا على مواردها الذاتية.

47 الحسابات البيئية (green environmental accounting )

مراعاة البيئة واستدامتها في الحسابات القومية للدخل القومي والمنتج القومي الإجمالي حتى لا تهدر الموارد الطبيعية لمصالح المستثمرين وتعظيم أرباحهم على حساب قطاعات الشعب الاخرى التي تتضرر من هذا الإهدار والذي يجب ان يدفع ثمنه من يهدر الموارد الطبيعية تطبيقاً لمبدأ “على الملوث أن يدفع (ppp)”.

48معايير العمل الدولية وحقوق الإنسان

في دولة الرعاية الاجتماعية يلتزم القطاع الخاص وكل الفاعلين الآخرين بمعايير العمل الدولية وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد وغيرها من ما يدخل في الالتزام بالمعايير في نطاق المسئولية الاجتماعية ومايسمى (glopalcompail ).

4/9 الإنتاجية العالية

 من أهم مرتكزات دولة الرعاية الاجتماعية، الإنتاجية العالية التي تسمح للدولة الاجتماعية بالصرف علي سياساتها الداعمة وخاصة لتلك الشرائح التي لاتساهم في الإنتاج كالمسنين والأطفال بالرغم من أن المسنين ساهموا في مرحلة سابقة من العمر في الإنتاج ولكن إذا كانت مساهماتهم ضعيفة بسبب الإنتاجية المتدنية عامة وإنتاجيتهم الفردية المتدنية من ما يؤثر في الأجور والدخول ولاحقاً في منافع ما بعد الخدمة في حالة العمل باجر او في حالة العمل في التوظيف الذاتي مثلاً في الريف، فلابد من تدخل الدولة الراعية لتكفل لهم الحد الأدنى من الدخل لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

إن الإنتاجية العالية تتحقق بالبحوث العلمية الموجهة للإنتاج وتطبيقات التكنولوجيا وتوطينها خاصة في الريف حيث نجد أن الإنتاجية متدنية الي أقصى حد كما نجد التدهور البيئي والمجاعات والنزوح الي المدن واستنزاف موارد الريف بواسطة الطبقات المدينية الاستغلالية من ما يؤدي الي انهيار اقتصاد الريف والهجرة للمدن والعطالة في الريف والمدن.

 ان تدني الإنتاجية المريع كما هو حادث في السودان يعني اقتسام الفقر وتوزيعه على الفقراء!!.

ان رفع إنتاجية العمل في الريف لن يتأتى إلابالبحوث الموجهة لذلك وبإعادة استثمار عائدات اقتصاد الريف في الريف نفسه وأوضح مثال علي انتهاك هذا المبدأ في السودان هو الزراعة الآلية في الريف التي تعود عائداتها الى أصحاب المشاريع الغائبين عنها في المدن وإعادة استثماراتها في العقارات والخدمات  في العاصمة والمدن الكبرى وأحيانا تحويلها للخارج .

لذلك فان من أهم جوانب الوظيفة الإنمائية للدولة الاجتماعية في حالة السودان تحديث اقتصاد الريف ورفع إنتاجيته ووقف استنزافه بالتنمية الريفية المتكاملة التي تؤدي الي التنمية المتوازنة والاستدامة البيئية ووقف الحروب والصراعات التي تتسبب في الغبن الواقع علي سكان الريف خاصة في الأطراف.

ان الانتاجية العالية لا تتحقق الا بالبحوث والتي لا يمكن أن تترك لقوى السوق وفي ذلك يقول عالم الاقتصاد حائز جائزة نوبل شتيقلتيز إن السوق وحده لا يؤدي الى الكفاءة خاصة عندما يحتاج قطر ما الى تجسير هوة المعرفة knowledge gab)) وهذا هو أساس التنمية.(4)

وبجانب السياسات الاقتصادية الكلية السابقة هنالك جوانب تتعلق بعلاقات العمل، فالمدرسة الاجتماعية تولي قضايا العمل وعلاقات العمل أهمية عظمي لأنها ترى في العمل اللائق أساس العدالة  وترى في العاملين باجر القاعدة الاجتماعية له. إن هذا الاهتمام بعلاقات العمل في المنشآت يتضح  في التفاصيل التالية:

491النقابات والمفاوضات الجماعية

من أهم الجوانب في سياسات الدولة الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي وجود نقابات فاعلة تمثل مصالح العاملين باجر وغيرهم. نقول هذا بالرغم من انحسار نفوذ النقابات في دول الديمقراطية الاجتماعية في غرب أوروبا نتيجة لسياسات الخصخصة والعولمة فعضوية النقابات ونفوذها صار في انحسار مستمر وكذلك الحماية التي تقدمها النقابات للعاملين خاصة  الحماية من الفصل ومن ضعف تطبيق الالتزام باتفاقيات التفاوض الجماعي الذي لايتم في داخل المؤسسة الواحدة فحسب بل في قطاعات بأكملها من ما يميز الديمقراطية الاجتماعية واقتصاد السوق الاجتماعي.

 

Joseph Stiglitz, Making Globelization Work, London 2006 ) (4)

 

492تعرفة الأجور

 من أهم أهداف  المفاوضات الجماعية  واقتصاد السوق الاجتماعي هو الاتفاق على معايير تعرفة الأجور حتي لاتترك للقطاع الخاص لكي يحددها كما يريد وهو في وضع قوي وله من الرافعات ما يمكنه من ذلك خاصة في الدول النامية.

493  التشاركية والشراكات مع المجتمع المدني

  تقوم السياسات التنموية في الدولة الاجتماعية علي الشراكة الثلاثية بين النقابات والقطاع الخاص والدولة من ما يعزز الاستقرار والتوازن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ان اهتمام دولة الرعاية بالنقابات ومنظمات المجتمع المدني الأخرى بوصفها وسيلة أساسية لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية. من منظور دولة الرعاية والديمقراطية والاجتماعية هذه المنظمات شريك أساسي في الحكم لأنها تعكس احتياجات المواطنين وتحمل همومهم . فالنقابات تقوم بهذا الدور في المؤسسات الاقتصادية أما منظمات المجتمع الاخرى فإنها تقوم بهذا الدور علي كل مستويات المجتمع وخاصة علي المستوى القاعدي حيث يقع عليها عاتقها تحريك المجتمع لتلبية احتياجاته.  ويزيد من أهمية هذا الدور اهتمام المجتمع المدني بكل حقوق الإنسان خاصة الاجتماعية والاقتصادية والتي لايتم إنفاذها إلابتحقيق الحقوق السياسية والمدنية التي تكفل الحريات الأساسية: حرية التعبير، حرية التنظيم، حرية الاجتماعات، حرية التنقل….الخ

إن منظمات المجتمع المدني وحملاتها للمناصرة من اجل تغيير التشريعات والسياسات تُحدث التغييرالهيكلي اللازم لقيام دولة الرعاية واستدامتها كما إن منظمات المجتمع المدني تدافع عن حقوق المواطنين التي تكفلها لهم المواطنة في الدستور والقوانين أمام تغول السلطات التنفيذية وتسلطها بدءا بمستوى المحليات وهذا التسلط  يتعارض مع مبادئ دولة الرعاية وهي الدولة الخادمة لعامة الشعب الحاضنة لكل حقوقه.

494 بيئة العمل

إن مسئولية تنظيم وتحسين ظروف وبيئة العمل داخل المؤسسات تقع علي عاتق أصحاب المؤسسات والنقابات في داخلها بصورة تشاركية وقد اتضحت صحة هذا التوجه فيما يسمي بالشراكة الذكية.

495 التأهيل المهني والتدريب 

تشمل علاقات العمل في المؤسسات وضع سياسات التأهيل المهني والتدريب عامة داخل المؤسسات بالتعاون مع الدولة والشركات وأصحاب المؤسسات والنقابات وذلك في أطار مايسمى التعلم والتعليم مدى الحياة والذي يسمح بالصعود الاقتصادي والاجتماعي لكل أفراد المجتمع وذلك عبر الصعود والترقي المعرفي والتعليمي بدون انقطاع من ما يرفع من مستواهم المعيشي ويحسن أوضاعهم في المجتمع وفي السلم الاجتماعي خاصة ذوي الدخل المحدود.