خالد فضل أعلم تماما أن الهموم الماحقة تمسك بتلابيب معظم السودانيين في مختلف أرجاء الخريطة المشرمة لسودان ما بعد الإنفصال, وقد يبدو ما سأقدم على كتابته أو التعليق عليه كلازم فائدة حسبما يقول البلاغيون في اللغة العربية ,

هناك الآن في لحظة اطلاعك عزيزي القارئ على هذا المقال , أسر تنتحب حرقة على فقد عزيز لديها قنصته نيران أسلحة سلطة الإسلاميين السودانيين بجريرة قوله “لا” في وجه الظلم والإستبداد , يرحل شهداؤنا يوميا بالرصاص في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق , رصاص قوات الحكومة التي قيادتها في الخرطوم في بحور من النعيم تعوم , يستبدل هذا بذاك ولكل أجره المالي المهول , وتهدم مستشفى الخرطوم لأن زيتها لا يكاد يضئ كما زيتونة ولأنها يؤمها ناس من جهات مايو ومانديلا وكرتون كسلا وجبرونا وكرور , أي بعض السودانيين تقريبا إذ سبط المواطنة الكامل مخصص لمن سنعرفهم لاحقا. ورصاص الجنجويد الذين تتبدل أسماء فيالقهم ولا تتبدل ممارساتهم الا للأسوأ , بينما هناك 700 الف جائع ومريض ومشرد في الجبال و300 الف آخرين في النيل الأزرق ويوميا هناك عشرات الآلاف ينزحون في دارفور , في أوقات كهذه هل من واجب أرفع من التضامن بالكلمة على أقل تقدير فقد هرمنا ولم يعد الساعد بذات قوة العضل لحمل السلاح , ولقد ظل وعينا مصوبا نحو الحل السلمي دون أن ندين من يحمل السلاح في حق مشروع . في هذه اللحظات هناك أسر من السودانيين تقريبا لم تطو بعد فرش العزاء فيمن أسقطهم غيلة رصاص قناصة الإسلاميين المستبدين في شهري سبتمبر واكتوبر من العام الماضي , هناك المعتقلون بالمئات وهناك الغائبون دون معرفة أماكن اختفائهم وهناك تاج الدين عرجة الذي صرخ في وجه البشير وصفيه ادريس دبي داخل قاعة الصداقة محملا اياهما وزر مذابح دارفور فأخفي ولم تعد مفوضية حقوق الإنسان تملك إزاء أمره سوى ترديد خطاب جهاز الأمن المشكو في حالة عرجة , وصديقنا عرجة من السودانيين تقريبا أيضا , كما في حالة الصراع المسلح في أبيي , تقرأعناوين صحف الخرطوم تتحدث عن 17 أو 18 شهيد من المسيرية , وعندما يجئ الخبر على ذكر ضحايا الطرف الآخر في النزاع المسلح يشار بغبطة الى 350 قتيلاً مع أن ذات صحف الخرطوم يضع بعضها صندوقا ثابتا يوميا عنوانه أبيي شمالية , فهل ابيي شمالية وسكانها شماليون تقريبا؟؟؟

وسط هذه المآسي الفواجع , والطرق المهترئة تحصد في الأرواح بأكثر مما يحصد المزارعون في الجزيرة من شوالات عيش في موسم الدرت , استمعت بالصدفة المحضة الى تقريرين إخباريين على أثير موجات إذاعة ولاية الخرطوم صباح الأربعاء 5 مارس الجاري , حمل التقريران من التناقض ما جعلني أردد مصطلح (سودانيون تقريبا). أول التقريرين كان عن ورشة أقامتها سفارة إثيوبيا بالتعاون مع المجلس الأعلى للحكم اللامركزي أو مسمى كهذا , ففي عهد الاسلاميين سمعنا بمسميات دون أن يكون لها وجود حقيقي, المهم كانت الورشة يوم الثلاثاء السابق وفيها قدمت تجربة جمهورية اثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية وخاطبها د. فرح مصطفى وزير الحكم الاتحادي , ومن ضمن كلمته أشار الى المجلس الأعلى للحكم اللامركزي (التي ) يعتبر من خيرات أهل السودان , وتجربته (الذي) يجب أن يحتذى به وطفق في حديثه يذكر المؤنث ويؤنث المذكر ولا تثريب عليه فاللغة العربية ليست لغة أمه فيما يبدو , ولا أحتاج للتقرير بأنني من عتاة دعاة تعددية السودان اللغوية والدينية والثقافية والسياسية لأن هذه هي طبيعة السودان وأقف مبدئيا ضد الاستعلاء والتهميش وهيمنة لغة أو ثقافة أو معتقد على الآخرين من ما يضعهم في خانة المواطنة بالتقريب , ولكنني أوردت ما قاله الوزير وبلسانه لأن التقرير الثاني تحدث بعكس ما يفترض أن الورشة تناولته بل بعكس حقيقة وجود وزير اتحادي يتحدث عبر ذات الإذاعة في تقرير اخباري لم تفصل بينه وصنوه الا ثوان , ماذا جاء في التقرير الثاني ؟ كان موضوعه اجتماع مجلس أعلى للتعريب نظمته الهيئة العليا للتعريب التابعة لوزارة التعليم العالي وبحضور الوزيرة د. سمية أبوكشوة . ورد التقرير على لسان د.أحمد عبدالله أحمد الأمين العام للهيئة العليا للتعريب, وبصوت السيد الأمين العام تحدث عن الإجتماع المهم (للقاية) وعن الحضور وأشياء من هذا القبيل , وكان الأمر سيكون عاديا وسط (غوم)  يدعون نسبا وأعراقا تأباهم وتستنكر عليهم الزعم . ولكن الدكتور الهمام طفق يعدد في أسباب أهمية اجتماع هيئته حتى بلغ بها (إن الأمر ليس أمر تعريب وترجمة وتأليف فحسب بل هو شأن قومي يتعلق بمصير أمتنا العربية وهويتنا العربية) أضبط !!!!!!, لقد حسم الرجل المسألة إذا . تذكرت حديث د. فرح مصطفى قبيل لحظات عن اللامركزية وعن تجربة اثيوبيا الفيدرالية وهلمجرا , وطاف بي طائف من ذكرى تأنيث المذكر وتذكير المؤنث وقلقلة الغين و”تقيير” الغاف , تذكرت للتو مليشيات الجنجويد ومعسكرات النازحين تذكرت الراطنين (بزعمهم) هل كل هؤلاء سودانيون تقريبا ويبقى وجه أمتنا العربية مشرقا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.