عبد الرحيم احمد بلال 5 الوظيفة الأمنية يمكن تحليل الوظيفة الأمنية من منظورين:منظور النخب الحاكمة الضيق والمنظور الواسع. في المنظور الضيق تهدف الوظيفة الأمنية إلى حماية امن الحكومة وامن النظام والنخب الحاكمة فتصير الدولة بكل أجهزتها دولة حارسة للنخب الحاكمة وترسيخ حكمهم .

أما في المفهوم الواسع فان الأمن يعني الأمن الإنساني أي امن المواطنين بمعني الأمن الاجتماعي والسلام الاجتماعي والتماسك الاجتماعي بلا تهميش أوإقصاء أو استعلاء بل يحقق الذات ويوسع الفرص ويحترم كل حقوق الإنسان. بهذا المعني الواسع فان الأمن الإنساني هو خير وسيلة لضمان امن الدولة بالمعنى الواسع للأمن الانساني وهذا لن يتحقق إلا في الدولة الاجتماعية، دولة الرعاية الحاضنة للأمن الإنساني التي يمكن أن يتطابق فيها الأمن الإنساني مع امن الحكومة وامن النظام حتى لا يصير الأمن “أمن الثلث” أو الثلثين في مجتمع الثلث والثلثين كما هو الحال في بعض الدول الغربية أو أمن مجتمع العشرة في المائة في حالة  السودان وهم العشرة في المائة الأعلى في السلم الاجتماعي إذ استحوذ هؤلاء في بداية التسعينات علي 59% من الدخل القومي في حين أن نصيب الـ40%  الموجودين في أدني السلم الاجتماعي لا يزيد عن 8% من الدخل القومي. *(5)

__________________________________________________________

(5): (عطا البطحاني، أزمة الحكم في السودان- أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة، الخرطوم 2011م، ص125،)

إن مفهوم الأمن الضيق يؤدي إلى سوء توظيف الموارد إذ توجه في إسراف مستفز إلى الأجهزة الأمنية وعدتها وعتادها وامتيازات عناصرها ودوائرها من ما يقوض الأمن الإنساني وبالتالي يهدد بل يقوض امن النظام وامن الدولة  وخير شاهد علي ذلك ثورات الربيع العربي.

إن نظم الليبرالية والشمولية –تجزل الصرف والعطاء علي الأجهزة الأمنية في حين أن الدولة الاجتماعية تجزل العطاء للتنمية عامة والتنمية الاجتماعية علي وجه الخصوص فبدلاً من اجزال العطاء علي الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية والتي توجه لحفظ الأمن الداخلي بالمعني الضيق أي أمن النظام توظف الموارد في الدولة الاجتماعية الراعية على نظم الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي ومحاربة العطالة والفقر والجريمة والعنف وعلي تعيين وتأهيل الأختصاصيين الاجتماعيين والتربويين وتعيينهم في المدارس والأحياء والمنشآت المختلفة كما توظف الموارد في تكثيف البحوث الاجتماعية والتربوية لإيجاد الحلول الاجتماعية للمشاكل الاجتماعية بدلاً عن اللجوء  للحلول القمعية الأمنية والشرطية والعقابية للمشاكل الاجتماعية. كما تتوسع الدولة الاجتماعية في دور الرعاية الاجتماعية ذات المستوى الرفيع للجانحين والمتشردين من اليافعين والشباب في المرحلة الانتقالية  بدلاً من التوسع في السجون واللجوء إلى الكشات الإنسانية.

إن هذين التوجهين المختلفين يشرحهما الاختلاف في تفسير دوافع الجريمة وأسبابها. فالمدرسة الليبرالية ترى في السلوك الفردي أسباب الجريمة وترى ضرورة معاقبة الأفراد بسب المسئولية الفردية لسلوكهم في حين ان المدرسة الاجتماعية تنطلق من المسئولية المجتمعية للانحرافات وارتكاب الجريمة، لذلك تنتهج نهجاً مجتمعيا إصلاحيا في مواجهة المهددات الأمنية والاقتصادية والسياسية الداخلية.

هناك سببان أساسيان للصرف المفرط على الأجهزةالأمنية في الأنظمة الشمولية التي تدعي الليبرالية كما هو الحال في الدول العربية والأفريقية: أولا المصالح الضيقة التي تدفع إلى هذا الصرف اي مصالح الدوائر المستفيدة منه بصورة مباشرة وغير مباشرة بالامتيازات التي لاتخضع للمساءلة والمحاسبة؛ ثانياً الفساد في الصرف على أعمال المنشاَت الأمنية والعسكرية الذي لايخضع للشفافية وإجراءات المحاسبة والمساءلة المالية والإدارية والقضائية المعروفة.

ماهي دولة الرعاية:

دولة الرعاية هي الدولة التي تحقق:

*  ضمان الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

*  ضمان حد أدنى لدخل الفرد والأسرة بصرف النظر عن القيمة السوقية لعملهم أو ممتلكاتهم.

*  الشعور بالأمن الاجتماعي.

*  تجاوز المخاطر الاجتماعية: المرض والشيخوخة والعطالة.

*  أفضل مستوى ممكن تقديمه من الخدمات الاجتماعية والسلع الضرورية لكافة المواطنين بحيث تتوفر فيها شروط:

– الوفرة،

– امكانية الحصول عليها،

– الاستطاعة المباشرة أوغير المباشرة،

– الأمان،

* التماسك الأجتماعي،

* الاستقرار السياسي،

* ضمان حقوق المواطنة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية،

* المساواة في الفرص والكرامة الانسانية،

* احترام الذات،

* التشغيل الكامل والقضاء على البطالة،

* مساواة النوع،

* المسئولية الاجتماعية للدولة والقطاع الخاص.

6- الخصوصية التاريخية لدولة الرعاية في أوروبا الغربية

إن تحليل الخصوصية التاريخية لدولة الرعاية في  أوروبا يساعد على استكشاف الطريق الى دوله الرعاية في عالم الجنوب وبالطبع في السودان. وهذا مايؤكده الاهتمام الذي وجدته هذه الخصوصية لدولة الرعاية الاجتماعية في الدول الأوروبية في ندوة “دولة الرفاهية الاجتماعية”  التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المعهد السويدي في الإسكندرية، 28-30 نوفمبر 2005م والتي نشرت بحوثها ومناقشاتها في إصدارة لمركز الوحدة العربية بهذا العنوان في بيروت سبتمبر 2006م. هذا لايعني بالطبع  أن دولة الرعاية في الدول الغربية هي القدوة وان النقل هو السبيل إلى بنائها في السودان.

إن البحوث في دولة الرعاية الاجتماعية تؤكد ان دولة الرعاية الاجتماعية في اوروبا الغربية لم تأت بدون مقدمات تاريخية طويلة أو من فراغ بل جاءت نتيجة لظروف موضوعية وذاتية، فقد مرت فلسفتها وتطبيقاتها بصراعات اجتماعية وسياسية ومراحل في الدول الأوروبية المختلفة. فيما يلي نلقي الضوء على هذه المراحل بتفصيل لأهمية هذا الجانب التاريخي في فهم دولة الرعاية الاجتماعية.

61 مرحلة الثورة الصناعية والثورة  الفرنسية

      توجت الثورة الفرنسية انتصار البرجوازية الأوروبية على الإقطاع فكان شعار الثورة الفرنسية: الحرية، المساواة والإخاء وهو الشعار الذي وضع عليه الاشتراكيون الديمقراطيون لاحقاً الأساس لبناء دولة الرعاية الاجتماعية وقد استبدلوا مبدأ الإخاء في هذا الشعار بالتضامن في النقابات والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية وأعطوا مبدأي الحرية والمساواة مضموناً اجتماعياً لاتتحققان فعلاً إلا به. في مرحلة بدايات الثورة الصناعية حاولت الدولة القومية التخفيف عن معاناة الطبقة العاملة.  ففي بريطانيا مثلا صدر قانون الفقراء * (poor law))6 (في عام 1821م.

 ولكن كان هناك من يرفض مسئولية الدولة عن الفقراء والمثال الساطع على ذلك آراء مالتوس ونظريته عن السكان والموارد. وظهرت كذلك في هذه المرحلة مدرسة الاشتراكيين الطوباويين في بداية القرن التاسع عشر في فرنسا وبريطانيا مثلا في أفكار فورير وسنت سيمون واوين والتي صارت من مصادر الفكر الماركسي لاحقاً.

لقد سعn دعاة دولة الرعاية الاجتماعية لتطبيق شعار الثورة الفرنسية سابق الذكر في علاقات الإنتاج وتكامله في حركة سياسية. وقد لعبت كتابات كارل ماركس دورا مهماً في هذا التكامل بدءاً بالبيان الشيوعي عام 1848 الذي مهد لقيام الأممية الشيوعية الأولى (1864_1872) تحت شعار “(ياعمال العالم اتحدوا)” *  (7)

ويرى البعض أن محاولات التخفيف من معانات الفقراء سابقة الذكر يرجع إلى التنوير المعرفي والنزعة الإنسانية وحب الإنسانية (Philanthropy ) في أوائل القرن التاسع عشر (مصدر سابق).ونذكر في هذا السياق قصيده شيلر التي لحنها بيتهوفن والتي جاء فيها (كل البشر إخوان).

ويرى الاشتراكيون الراديكاليون إن ظهور الطبقة العاملة المنظمة في الأمميةالأولى هو ما دفع المستشار الألماني بسمارك إلى انتهاج سياساته الاجتماعية المعروفة .ففي 1883 أصدر قانون الضمان الصحي وفي عام 1884 اصدر قانون التأمين في حالة إصابات العمل في عام 1889م صدر قانون التأمين ضد العطالة .

(6) مركز دراسات الوحدة العربية، ندوة دولة الرفاهية الاجتماعية… مرجع سابق ص 91

(7) د. عبد الرحيم بلال، ورقة الديمقراطية الاجتماعية، الخرطوم 2009

62 مرحلة الأزمة الاقتصادية العالمية

في عام 1929 أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى دفعة قوية للفكر الاقتصادي اتضحت في الفكر الكنزي والذي قام علي زيادة الطلب بالاستخدام الشامل للتغلب علي الركود الاقتصادي الذي عم المجتمع الرأسمالي ومدخل الطلب هو من مداخل الديمقراطية الاجتماعية في إدارة الاقتصاد كما جاء سابقا.

63 مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية

 في هذه المرحلة تضافرت عوامل عديدة رسخت لمفهوم وتطبيق دولة الرعاية الاجتماعية وأهم هذه العوامل:

الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي أي بين الليبرالية والاشتراكية الراديكالية الماركسية التي تقوم علي ديكتاتورية الطبقة العاملة والتخطيط المركزي الذي لم يترك أي مساحة لآليات السوق الحر والقطاع الخاص.

نضوج التكوينات الطبقية والمنظمات الحزبية والتطور الكمي والنوعي للطبقة العاملة وتنظيماتها.

الفوارق الواسعة في المداخيل.*(8 )

  يسير تعليل قيام دولة الرعاية الاجتماعية في أوروبا الغربية في خمسة اتجاهات رئيسية:

النزعة الإنسانية التي بدأت بالتنوير المعرفي كما ذكرسابقاً والأفكار الاشتراكية الطوباوية، فهذه النزعة حاولت التخفيف من معاناة الطبقة العاملة من تداعيات الثورة الصناعية بالإضافة إلى القيم المسيحية الاجتماعية. الجدير بالذكر أن مصطلح السوق الاجتماعية جاء من ايرهارد وزير الاقتصاد في حكومة الحزب الديمقراطي المسيحي برئاسة المستشار ادينهاور في الخمسينات.

 ضرورة إعادة إنتاج قوة العمل للنظام الرأسمالي واستمرار عملية النمو الاقتصادي.

 مواجهة نمو الطبقة العاملة ومطالبها الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي.

4-      المستوى العالي من النمو الاقتصادي والإنتاجية مع تطور التكنولوجيا السريع.

 (8) مركز دراسات الوحدة العربية، ندوة الوحدة العربية… مرجع سابق ص 132

 

نمو الفوارق الواسعة في الدخل * (9)

وبالنظر في هذه العوامل والدوافع لقيام دولة الرعاية الاجتماعية في الدول الغربية يبرز السؤال: كيف يمكن تعليل ضرورة الدولة الاجتماعية ودولة الرعاية الاجتماعية في السودان حيث لا تتوفر كل هذه العوامل.

ولكن بمتابعة تطور القضية الاجتماعية ومفهوم وتطبيقات حقوق الإنسان وخاصة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية  تتضح عقلانية ضرورة قيام دولة الرعاية الاجتماعية في السودان ودول الجنوب عامة، خاصة في سياق نقد العولمة الرأسمالية الشرسة والليبرالية الجديدة.

64 مرحلة بدايات العولمة والليبرالية الجديدة

إن مرحلة هيمنة الليبرالية الاقتصادية في العالم والتي يمكن ان يؤرخ لبداياتها بمنتصف السبعينات حين بدأ صندوق النقد الدولي بتقديم وصفته الاقتصادية الخاصة بالتكيف الهيكلي وبالتحرير الاقتصادي (انظر كتاب علي عبد القادر(Sudan Economy-in Disarray*(10)

 وقد شهد هذا التطور دفعة قوية بانهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الاشتراكية في عام 1989. وجدت هذه السياسات قمة تنظيمها مؤسسياً في قيام منظمة التجارة العالمية (WTO) في عام 1995.

بل بدأ في هذه المرحلة مايسمى بتشليع (تفكيك) دولة الرعاية الاجتماعية في أوروبا الغربية.