عبد الرحيم أحمد بلال  من سنن الحياة أن لاينفرد تيار فكري أو سياسي بالساحة المجتمعية بل كثيراً  ماتتبلور الخلافات والاختلافات في تيارين أو مدرستين رئيسيتين تحملهما النخب والطبقة السياسية  حسب موازين القوى،

وبتغيرها يسود تيار علي التيار الآخر حين تصير تداعيات تطبيقاته السلبية منفرة وطاردة لعامة الناس في المجتمع من ما يغير موازين القوى. ومن مؤثرات هذا التغيير نتائج الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة. على الأقل هذا مانشاهده في الديمقراطيات الغربية في ثنائيتها: أحزاب ليبرالية محافظة ، وأحزاب ديمقراطية اجتماعية.

(9) مركز دراسات الوحدة العربية، ندوة الوحدة العربية…. مرجع سلبق ص 132

(10)Ali Abdelgader( editor),Sudan Economy-in Disarray, Essays on thr IMF Modle, Khartoum 1985

لقد هيمن توجه الليبرالية الجديدة في السياسة وفي الاقتصاد رغم  فساد اقتصاد السوق الحر وسياسات التحرير الاقتصادي والعولمة الرأسمالية في الثمانينيات فكان صعود حزب المحافظين في بريطانيا بقيادة مارقريت تاتشر الى السلطة في عام 1979 ووصول الحزب الجمهوري بقيادة ريغان إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980.

 ولكن منذ نهاية عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات تعاظم الوعي بأهمية القضايا الاجتماعية والبيئية وبضرورة محاربة الفقر حين بدأ يتضح فشل سياسات مؤسسات التنمية الدولية وسياسات السوق الحر والتكيف الهيكلي وظهرت آثارها الاجتماعية المدمرة خاصة في انتشار الفقر وزيادة الفوارق الاجتماعية في الدول وبين الدول، وبدأت المراجعات ونقد هذه السياسات بقوة في أدبيات التنمية الخاصة بدول الجنوب حتى في دوائر بعض العاملين في منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي.

وفي سياق النقد والمراجعة برز في بداية التسعينات مفهوم الحكم الراشد والاهتمام المتصاعد بحقوق الإنسان ومفهوم التنمية الإنسانية ولاحقاً حق الحماية وسيادة المواطنين مقابل سيادة الدول.

فيما يلي نرصد أهم معالم هذا الاتجاه.

  • ·         1987 صدر كتاب مستقبلنا المشترك الذي يسمى تقرير بورتلاند والذي يكشف العلاقة بين التدهور البيئي والفقر.
  • ·         1989 كتاب جراهام هانكون لوردات الفقر الذي ينتقد فيه سياسات منظمات الأمم المتحدة ويصف العاملين فيها في المستويات العليا بلوردات الفقر بسبب امتيازاتهم ومخصصاتهم العالية.
  • ·         1990 صدر تقرير البنك الدولي الأول عن الفقر بعنوانالهجوم على الفقر.
  • ·         1990 اصدر برنامج الأمم المتحدة تقريره الأول عن التنمية البشرية.
  • ·         1992 مؤتمر ( ريو) عن البيئة والتنمية المستدامة وفيه كانت مشاركة المنظمات الطوعية قوية.
  • ·         1993 مؤتمر حقوق الإنسان العالمي في جنيف والذي ارتفعت فيه الأصوات المطالبة بالمقاضاةJudicialization ) ) في شأن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لذلك كان هذا المؤتمر مفصليا في الاهتمام بهذه الحقوق ، ليس بالتنظير فحسب بل في الواقع.
  • ·         1995 القمة الاجتماعية بكوبنهاجن والتي ظهرت فيها المنظمات الطوعية كذلك بقوة.
  • ·         1996 قيام منظمة التجارة الدولية التي حلت محل القات (GATT).
  • ·         1996 قمة الغذاء العالمي بروما.

في التسعينات كذلك عقدت عدة مؤتمرات أخرى حول قضايا اجتماعية مهمة :

  • ·         مؤتمر السكان  في القاهرة عام 1994،
  • ·         مؤتمر الموئل في اسطنبول عام ….،
  • ·         مؤتمر المرأة في بكين عام 1995،

كما تكون في هذه الفترة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يشارك فيه السياسيون وكبارالمديرين في الشركات عابرة الحدود في دافوس وفي مواجهته تكون المنتدى العالمي الاجتماعي (ًWorld Social Forum) الذي تشارك فيه منظمات مجتمع مدني من كل العالم:

  • ·         1999 مؤتمرمنظمة التجارة العالمية في سياتل بواشنطون والذي فجر المعارضة العنيفة الشهيرة للعولمة الرأسمالية في سياتل نفسها مما أدى إلى إلغائه.
  • ·         1999 أعلنت الأمم المتحدةالاتفاق العالميUN-Global Compact) ) *(11) وفيه تدعو الأمم المتحدة القطاع الخاص بالالتزام بالمسئولية الاجتماعية في المجالات الأربعة الآتية : حقوق الإنسان، معايير العمل الدولية، البيئة، محاربة الفساد.
  • ·         سبتمبر2000 قمة الألفية التي أعلنت الأهداف الألفية للتنمية فصارت معلماً مهماً للاهتمام العالمي بالقضايا الاجتماعية ولقد غطت هذه الأهداف كل القضايا الاجتماعية الملحة وقد اختير العام 2015 لتحقيق هذه الأهداف ولكن تقارير رصد الأداء تدل على بعد منال هذه الأهداف في هذه الفترةالزمنية.  ولتحقيق أهداف الألفية علي الدول التي ترغب في دعم من المؤسسات الدولية خاصة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن تضع خُطة لتخفيض الفقر (PRSP) بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهذا جزء من ما يسمي بمشروطية التعاون الدولي ( Conditionality ) بجانب الالتزام بحماية حقوق الإنسان وإنفاذها.
  • ·         2000 نشر البنك الدولي تقريره الثاني عن الفقر وفيه كان النقد واضحا لفشل آليات السوق الحر ولما أدت إليه من خلل اجتماعي وبيئي.
  • ·         2000 مؤتمر الأمم المتحدة للتعليم للجميع.
 

 

(11) عبد الرحيم أحمد بلال، الاتفاق العالمي للأمم المتحدة، في تقرير شبكة المنظمالت الأهلية، القاهرة 2010

 

 

 

  • ·         2001 كان عاماً مفصلياً في نقد الأمم المتحدة للعولمة وذلك حين كونت منظمه العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة (التي أنشئت في عام 1919 ولكن كما يقول الباحثون في شؤون الأمم المتحدة إنها نمر بدون أسنان) كُونت اللجنة العالمية حول البعد الاجتماعي للعولمة ( World  Commission on the Social Dimension of Globalization) بعد أن اتضحت تداعياتها الاجتماعية السلبية العميقة وقد قدمت هذه اللجنة تقريرها في عام 2004 وقد جاء في هذا التقرير “

“Thecurrent process of globalization is generating unbalanced out puts both between and within countries……”

.(إن عمليه العولمةالحالية تنتج مخرجات غير متوازنة بين الدول وفي الدول) ويضيف التقرير أن هذه الاختلالات العالمية غير مقبولة أخلاقيا.*(12)

(Joseph Stieglitz, Making Globalization Work, Great Britain, 2006, p.8)

(مؤلف الكتاب كان كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي كما عمل خبيراً للاقتصاد في إدارة كلينتون، وقد حاز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2003م.)

  • ·                    2002 مؤتمر جوهانسبيرج: القمة العالمية للتنمية المستدامة (WSSD) الذي أولى اهتماما كبيرا لحقوق الإنسان وعلاقتها بالفقر الذي لعبت فيه المنظمات الطوعية دورا مرموقاً.
  • ·                     2005  ندوةدولة الرعاية الاجتماعية التي نظمها مركز الوحدة العربية مع المعهد السويدي بالإسكندرية والتي صدرت بحوثها ومداولاتها في إصدارة لمركز الوحدة العربية بهذا العنوان فكانت أول إصدارة عربية شاملة في هذا الموضوع.

7- صعود  الفكر الاجتماعي والبرادايم الجديد في التنميٍة الاجتماعية

لقد انتهي النقد للعولمة الرأسمالية ” الشرسة ” كما يقول مناهضو العولمة الرأسمالية القدامى (الماركسيون) والجدد (شباب سياتل) انتهي بالتأكيد على أهمية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وبالتوجه إلى برادايم جديد للتنمية الاجتماعية ذات عمادين أساسين:

 

أولاً- تعميم الضمان الاجتماعي للجميع وفي كل الدول وإنهيار خرافة عدم الاستطاعة (myth of un affordability )  (13)*

  ثانياً- الدعوة لمقاضاة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

 

 

(12) (Joseph Stieglitz, Making Globalization Work, Great Britain, 2006, p.8)

 

فيما يلي نستعرض المعالم الأساسية لهذا التطور:

71 الضمان الاجتماعي للجميع

إن الحق في الضمان الاجتماعي من حقوق الإنسان وقد ورد ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 22 كالآتي: )”لكل شخص بوصفه عضواً في المجتمع، الحق في الضمان الاجتماعي، من حقه ان توفر له من خلال المجهود القومي والتعاون الدولي، وبما تتفق مع هيكل الدولة ومواردها والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها لكرامته ولتنامي شخصيته في الحرية(“

ويرد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية  والاجتماعية والثقافية ما يلي:)” تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في الضمان الاجتماعي بما في ذلك التأمينات الاجتماعية.)

 وكذلك في المادة 9 والمادة 25-1 و25-2  من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولكن هذا الحق كان منسياً ولذلك يقول ميشيل كيتو في المقالة السابقة في عنوان جانبي في ص32: الضمان الاجتماعي – حق إنساني يعود من الظلمة إلى النور*(14)

“SocialSecurity- A Human Right Re-emerging From Obscurity “    

وقد أكدت ذلك منظمة العمل الدولية في 2001م في مؤتمرها الثلاثي الذي طالب بالتوسع في الضمان الاجتماعي وبسطه لكل من يحتاج إليه لذلك دشنت منظمة العمل الدولية حملة في يونيو 2003م بعنوان : الحملةالعالمية للضمان الاجتماعي وتغطيه الجميع .

(13): Michael Cichou et.el, The UN Social Protection Floor Initiative: Moving  forward with the extension of social security, in International Politics and society,Bonn, No.22011,

(14):“Social Security- A Human Right Re-emerging From Obscurity “   

كما أكدت لجنه الأمم المتحد للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في 2008م ان الضمان الاجتماعي حق بالرغم من ان له تداعيات ماليه مهمة  ولكن يجب ان يمنح الأسبقية اللازمة لأهميته للكرامةالإنسانية وللالتزام القانوني بهذا الحق. في ابريل 2009م تبنت اللجنة العليا للمديرين التنفيذيين لبرامج الأمم المتحدة منصة الحماية الاجتماعية Social Protection Floor –SPF)) بقيادة منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية . ان هدف هذه المبادرة هو دعم الأقطار في تخطيط مشاريع التحويلات الاجتماعية والخدمات الاجتماعية الضرورية. وبما ان المبادرة لاتقتصر على مجالات تفويض وكالات الأمم المتحدة المتخصصة بل تتعدى حدود تفويضها فقد كونت الوكالات الآتية تحالفا عالميا لتقوم بتنفيذ هذه المبادرة:

FAO,OHCHR,UNAIDS,UNDESA,UNDP,UNESCO,UNFPA,UN-HABITAT,UNCIF,UNODC,UN Regional Commissions ,UNRWA,WFP and WHO, the IMF and World Bank and leading NGOs

وتشير الدراسات المختلفةإلى ان تبني “منصة الحماية الاجتماعية” يساعد في تحقيق  أهداف الألفية وفي تحسين مؤشرات التنمية البشرية. ان هذا التحالف يوضح ويؤكد توجها جديدا في وكالات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات الطوعية العالمية وهو ان هذه المؤسسات لم تعد تحبس نفسها في مجالات تفويضية محدودة ومتخصصة بل صارت تتحالف عابرة حدود التفويضات وذلك خلافا لما كان في الماضي حين كان عمل هذه المؤسسات يقتصر على الجوانب الفنية المتخصصة والضيقة من ما يعوق عملها لتحقيق التنمية الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية بالمعنى الشامل والمتكامل وهذا توجه ضروري لتحقيق الدولة الاجتماعية (دولة الرعاية) على ارض الواقع وهي الدولة التي لاتخضع سياستها لآليات السوق بل تتعداها لتنتهج سياسات تتدخل بها لإصلاح الخلل الذي تسببه آليات السوق الحر.

تشير التجارب السابقة في عقود ما بعد السبعينات إلى فشل نظرية (الوشل Trickle –down effect) في نظريات التحديث التي تقول بأنه كلما زاد نمو الاقتصاد وزادت الأجور (وشلت)، (تسربت) الرفاهية إلى الفقراء بما في ذلك الضمان الاجتماعي *(15).

(15) Cichon, Michael et el, The UN Social Protection Initiative: Moving forward with the Ex-tension of Social Security in International Polictics and Society 22011, P.32-50

 

7/2 المقاضاة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

جاء في جزء سابق من هذه الورقة ان الأصوات بدأت ترتفع منادية بضرورة الحق في المقاضاة  في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في عام 1993م  وذلك في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في جنيف وهي حقوق مكلفة  تسمى بالحقوق الايجابية ولكن علي الدول التي تستطيع ان تلبي هذه الحقوق دفعة واحدة ان تلتزم بتحقيقها تدريجيا ولكن يقول بعض دعاة حقوق الإنسان ان الدول تحاول ان تختفي وراء مصطلح (تدريجيا) حتى لا تطبق هذه الحقوق.

 

  لقد أكدت البحوث ان حجة عدم الاستطاعة لم تعد مقبولة ولذلك بدأ الباحثون يكتبون عن ضرورة المقاضاة في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية كما هو الحال في الحقوق السياسية والمدنية.  وأول واهم كتاب في هذا الصدد كتاب فارون قاوربي و دانيل برنكس بعنوان:

Courting Social  JusticeVarun Gauri, Daniel M. Brinks(ed.

Judicial Enforcement of Social and Economic Rights in the Developing World, Cambridge2008.

ويحتوي الكتاب على قضايا وأمثله من خمس دول هي: جنوب أفريقيا , البرازيل, الهند, نيجيريا، واندونيسيا.

الجدير بالذكر ان اجتماع رؤساء الدول والحكومات الإفريقية ولأول مره في عام 2004 ثم

في عام 2006م  وصى بتبني حزمة أساسية من منافع الضمان الاجتماعي.(16)

 

(16):Cichon, Michael et el, The UN Social Protection Initiative: Moving forward with the Ex-tension of Social Security in International Polictics and Society 22011, P.32-50

 

“لقد اتضحت العلاقة الجدلية بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنمية في دراسات منظمة العمل الدولية التي أوضحت أن استثماراً بلغ حوالي 4% من المنتج القومي الإجمالي في رعاية المسنين والمعاقين والطفولة يخفض بصورة مباشرة الفقر بنسبة40% في دول كتنزانيا والسنغال وغالباً ما يكون له اثر ايجابي علي التغذية والصحة والتعليم والتنمية الاقتصادية والتشغيل والتنمية المحلية.*(17)

وقد طبق مبدأ المقاضاة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية  في بعض الدساتير الموضوعة حديثاً كدساتير اندونيسيا والبرازيل التي تشمل أهدافا تراجع دستورياً في الميزانية التي تُخصصها المجالس التشريعية للصحة والتعليم والضمان الاجتماعي. * (18)

* مرجع سابق

 (17):Cichon, Michael et el, The UN Social Protection Initiative: Moving forward with the Ex-tension of Social Security in International Polictics and Society 22011, P.32-50

* مرجع سابق

(18):Cichon, Michael et el, The UN Social Protection Initiative: Moving forward with the Ex-tension of Social Security in International Polictics and Society 22011, P.32-50

  • ·          (أنظرملحق رقم (1): جدول توزيع العمل وطبيعة عائداته في الدول الريعية كالسودان)

ان توزيع العمل بالصورة الموضحة في الملحق رقم (1) يؤدي الى فوارق اجتماعية واقتصادية والى تدني مؤشرات التنمية البشرية وعدم تحقيق أهداف الألفية للتنمية ولذلك فان على الدولة الراعية الاجتماعية:

1.إعادة توزيع العمل (distribution of work) وعائداته بعدالة بآليات العدالة التوزيعية للدولة.

2. رفع إنتاجية العمل لزيادة عائداته.