عبد الرحيم أحمد بلال الجزء الثالث: 8/ ضرورة دولة الرعاية  في السودان  إن ضرورة قيام دولة الرعاية في السودان تفرضها الأزمات الراهنة والمتراكمة والمتجذرة والممتدة عبر الزمن وفي كل الأقاليم منذ الاستقلال بل قبل ذلك حين كانت الأزمات كامنة لم تتفجر بعد وخاصة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، واهم أسبابها في دولة ما بعد الاستقلال هو سوء الإدارة في الحكم والاقتصاد مما تسبب في غياب التنمية وغياب العدالة في اقتسام الثروة والسلطة في نظام حكم مركزي سلطوي أدى إلى حروب وصراعات مسلحة في أطراف الدولة ضد المركز.

واهم معالم هذه الأزمة الفقر والإفقار المستمر والعطالة المتفاقمة والفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين فئات الشعب وبين الأقاليم ومن نتائج هذه الأزمة الكوارث الطبيعية من صنع الإنسان وتداعياتها من تدهور بيئي ومن نزوح وهجرة وبطالة وعنف وجرائم وفساد. كل هذا يستدعي تدخل الدولة بقوة لمواجهة وحل هذه المشاكل والأزمات، وهذا التدخل القوي لن يتوفر إلا لدولة الرعاية القوية التي تولي حل هذه الأزمات الأولوية القصوى.

 وهنا تأتي الإجابة على السؤال الذي تطرحه القوى السياسية والرأي العام: ليس المهم من يحكم السودان بل المهم كيف يُحكم السودان؟ والإجابة هي: بدولة الرعاية القوية.

وهي الدولةالتي تزيل الأسباب الجذرية للحروب والصراعات المسلحة وغير المسلحة وأهم هذه الأسباب سوء الإدارة والخلل في إدارة الحكم والاقتصاد من ما أدي إلى غياب التنمية المتوازنة والي التخلف الاقتصادي وتدني الإنتاجية في كل القطاعات من ما قضى على القدرات التنافسية في الاقتصاد المعولم. وقد زاد هذه الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية الاعتماد الكامل علي البترول عام 1991م والذي صار “نِقمة” بدل ان يكون “نعمة” لأن سوء الإدارة أدى إلى الإهمال التام للزراعة والصناعة وإهدار عائدات البترول بدلاً من توظيفها في تحديث الزراعة التقليدية عصب الاقتصاد السوداني خاصة وكل قطاعات الاقتصاد.

إن التدخل القوي لدولة الرعاية يبدأ بإحلال السلام في كل أرجاء الوطن فهي الحاضنة للسلام الدائم والمستدام بكل جوانبه فهي تحقق السلام الاجتماعي بالتعليم والصحة للجميع والتعايش السلمي لكل مواطنيها ومع كل جيرانها وهي التي تحقق الأمن الغذائي والأمن المائي.

81 الأزمة الاجتماعية في وضع السودان الراهن- بعض المؤشرات الكمية

توضح الأرقام التالية في المجالات المختلفة مدى عمق الأزمة الاجتماعية * (19)

الفقر

نسبة السكان تحت خط الفقر               46,6%

( الرقم الرسمي)

بالأرقام                                    14,4مليون

الفوارق بين الأقاليم في مستوي الفقر

دارفور                               62,6%

الخرطوم                                      26%

فقر الطعام

استهلاك اقل من                   1750كيلو من السعرات الحرارية

النسبة المئوية                          31,5%

العدد بالأرقام                          13مليون

 أرقام أخرى عن الفقر للفترة مابين 1978م -1993م توضح الإفقار والتدهور في الظروف المعيشية:*

نسبة السكان الذين يعيشون تحت الفقر 1978م           54%

نسبة السكان الذين يعيشون تحت الفقر 1986م           78%

نسبة السكان الذين يعيشون تحت الفقر 1991م          91%

*(19): مسح الأسر 2009م في ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر، يونيو2011م)

 التوزيع غير العادل للدخل بين الشرائح الاجتماعية

 نصيب أفقر 40% في أواخر الستينات      12%

نصيب أفقر   40%  في 1991              8%* (20)

وتطور هذا التمايز فصار في بداية التسعينات كالأتي:

نصيب أغني 7% هو            67%

نصيب أفقر 50% هو            7. %

( المرجع ؟)

وهذا مؤشر لتدهور الطبقة الوسطى نتيجة لهذه الفوارق ونتيجة لتآكل الأجور والدخول والطبقة الوسطي هي حاملة التغيير والتنوير وخير داعم لدولة الرعاية الاجتماعية بجانب القوى العاملة بأجر عامة في ظروف السودان الحالية.*(21)

___________________________________________________________

(20): عطا البطحاني، أزمة الحكم في السودان، مرجع سابق، ص 125)

(21): قارن مقالة التيجاني عبدالقادر، لماذا ينفجر البركان في مكان…ولاينفجر في مكان آخر”2-4 ” جريدة الأحداث، الثلاثاء 25 أكتوبر 2011م, ص16)

فترة السبعينات

  نصيب دخل أفقر 50% تدني من 21,9% إلى 18,4%

            نصيب دخل أغني 20% أرتفع من 48,1% إلى 53.3%

(تقرير منظمة العمل الدولية، التشغيل والإصلاح الاقتصادي- نحو إستراتيجية للسودان، 1986، ص37 باللغة الانجليزية )*(22)

بالرغم من زيادة دخل الفرد من 776 دولاراً أمريكياً عام 2004م الي 1,570 دولاراً أمريكياً في عام 2009م نتيجة لاستخراج وتصدير البترول إلا أن الفقر والفوارق الاجتماعية في ارتفاع مستمر حسب تقارير وزارة الرعاية الاجتماعية الاتحادية.

تصاعد الخلل في الاقتصاد

في فترة حكم الإنقاذ انهارت الزراعة فتدنى نصيبها في المنتج القومي الإجمالي ليحتل مكانها قطاع الخدمات والتشييد الذي بلغ نصيبه 40% في عام 2009م والزراعة هي التي تعول أغلبية السكان (أكثر من 60%).إضافة لذلك يتركز قطاع الخدمات في الخرطوم العاصمة إذ يبلغ نصيبه 20% من المنتج القومي الإجمالي وفي ذلك تفسير للهجرة المكثفة إلى العاصمة الخرطوم من المناطق الأخرى وهذا يفسر أيضا مايسمى الانحياز المديني (urban bias) كأحد الأسباب الرئيسية للفقر.* (23)

إن نصيب الزراعة في المنتج القومي الإجمالي في الدول الصناعية المتقدمة حوالي (6%) بالمقارنة مع نصيب الصناعة (38%) و(56%) للخدمات ولايمكن مقارنة هذه النسب بالنسب في الاقتصاد السوداني الذي ينخفض فيه نصيب الزراعة ويرتفع فيه نصيب الخدمات كما هو موضح أعلاه لأن نسبة قوة العمل ونسبة السكان الذين يعملون في ويعيشون علي الزراعة عالية جداً (أكثر من 60%) أغلبهم في القطاع التقليدي من ما يؤكد تدني الإنتاجية المريع في هذا القطاع.

(22):(تقرير منظمة العمل الدولية، التشغيل والإصلاح الاقتصادي- نحوإستراتيجية للسودان، 1986، ص37 باللغة الانجليزية )

(23): (ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر2011م، مرجع سابق ص2)

 الدخول وتخفيض قيمة الجنيه السوداني

إن التخفيض المستمر في قيمة الجنيه السوداني منذ السبعينات يؤثر على الأجور سلباً ولكن يزيد من المداخيل المستمدة من الأرباح وهذا يعني أن تخفيض الجنيه السوداني بنسب 25% يؤدي إلى إعادة توزيع الدخول لمصلحة الأثرياء فتكون النتيجة كالآتي:*

زيادة ا لدخول المستمدة من الأرباح               5,96%

انخفاض الدخول من الأجر                       4,5% * (24)

و من الأسباب الجذرية للفقر الانحياز المديني ( urban bias ) وإهمال القطاع الزراعي المطري التقليدي كما جاء في ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر سالفة الذكر* وتوضحه الحقائق التالية:

بالرغم من عطائه الأوفر بالمقارنة مع القطاع المروي الحديث وهذا دليل علي التحيز إلى القطاع الحديث الذي يتركز في الوسط الذي تعيش عليه النخب السياسية والبيروقراطية. هذا القطاع كان يغطي تكلفة الإدارة الاستعمارية وفي الفترة الأخيرة ومع تدهور هذا القطاع بدأ الاستنزاف المكثف للقطاع التقليدي بالجبايات والضرائب والتبادل السلعي غير المتكافئ.

صافي عائدات القطاع التقليدي الزراعي من العملة الصعبة  من جملة عائدات العملة الصعبة زاد من 35% في عام 1980م الي 51% في حين ان صافي عائدات العملة الصعبة من القطاع الزراعي المروي الحديث كان 43% وانخفض الى 19% في نفس الفترة وهذا قبل التدهور المريع لمشروع الجزيرة والمشاريع المروية الأخرى في العقد الأخير* (25)

مثال آخر للانحياز المديني.

(24):(المرجع: محمد صالح دياب، آثار تخفيض قيمة الجنيه السوداني على الدخول)،

 في علي عبدالقادر علي، (تحرير)… مرجع سايق

(The Sudanese Economy in Disarray- essays on the IMF Model, Khartoum 1985, p.175 p.189)

(25):  تقرير منظمة العمل الدولية، مرجع سابق  ص 56

 في خطة التنمية 1986م- 1987م كانت الموارد المخصصة للقطاع المطري التقليدي 9% في حين أن الموارد المخصصة للقطاع الزراعي المروي 4,8%.وهذا ينطبق علي كل خطط التنمية والميزانيات في عهد الإنقاذ..*(26)

نسبة فقراء الريف تساوي 75% من العدد الكلي للفقراء في السودان *(27)

مؤشر مؤسسة مو إبراهيم: ترتيب السودان في الرعاية هو51 على مستوي53 دولة وترتيب السودان في التنمية البشرية هو 48 علي مستوى 53 دولة (جريدة سيتيزن السودانية، بتاريخ 10102011م)

مؤشر التنمية البشرية في عام 2011م: ترتيب السودان هو154 بين 169 دولة بالرغم من ان ترتيب السودان في قائمة مؤشر الدخل 134هو  بين 169 دولة.

يوضح تقرير الإنفاق العام سنة 2007 أن الإنفاق على الفقراء تزايد في السنوات الأخيرة ولكن هذا الإنفاق الموجه للفقراء ما زال منخفضا اذا ما قورن كنسبة من المنتج القومي الإجمالي بالمقارنة مع الدول الأفريقية ذات الدخل المنخفض * (28)

82 تحليل نوعي

بعد هذه المؤشرات الكمية التي توضح مدى عمق الأزمة الاجتماعية لابد من تحليل نوعي للواقع السوداني كخلفية لهذه المؤشرات الكمية.

ان السودان من المجتمعات الانتقالية (Societies in Transformation) ولهذا الانتقال أبعاد عديدة اجتماعية، اقتصادية، سياسية، ثقافية، وبيئية، لم يخضعها الساسة والعلماء للدراسة العميقة والبحث واستخلاص الدروس حتى نتمكن من إدارة هذه الانتقالات العلمية بحكمة وعقلانية لتعظيم الفوائد والفرص في هذه الانتقالات وتخفيض الأضرار والمهددات فيها.*(29)

(26):(راجع أوراق كبج)

(27): ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر، مرجع سابق ص 34

(28): ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر، مرجع سابق ص 34

(29):آدم الزين محمد- دارفور من الانفلات الأمني الى السلام الاجتماعي، الطبعة الثانية، الخرطوم 2009)

إن الأزمة الاجتماعية ما هي إلا جانب واحد من جوانب الأزمة عامة ولايمكن الفصل بينها وبين الأزمات الأخرى خاصة الاقتصادية منها فالتنمية الاجتماعية التي يرى البعض أنها وسيلة توزيع للثروة فقط وليست وسيلة لإنتاج وتعظيم الثروة كما قلنا سابقاً بل هي عامل أساسي من عوامل تعظيم الثروة ومحاربة الفقر سواء كان التوزيع فيها علي الشرائح الاجتماعية أو القطاعات الاقتصادية أو الأقاليم.

إن السودان كمجتمع انتقالي يمر بأربعة أنواع متزامنة من الانتقال لكل منها آثار اجتماعية واقتصادية عميقة. ان تحليل هذه الانتقالات يساعد في فهم ضرورة قيام دولة الرعاية في السودان وتوفير مطلوبات بنائها في الحاضر والمستقبل.

 في الجزء التالي نستعرض بإيجاز الانتقالات الأربعة:

أولاً:الانتقال من اقتصاد معيشي (Subsistence Economy) الي اقتصاد سوق.*(30)

المقصود باقتصاد السوق هنا تبادل المنافع الذي يتساوى فيه كل الفاعلين في السوق والذي يتعدى حدود القبائل وعلاقات الأسر الممتدة التي تربط بينها علاقات القرابة والدم التي تعيش في مجتمعات محلية في نطاق جغرافي محدد منكفئة علي نفسها وفي هذا الاقتصاد يتطابق المنتجون والمستهلكون. وبهذا المعني يشمل اقتصاد السوق  كل أنواع اقتصاد السوق: التحكمي والاقتصاد الحر واقتصاد السوق الاجتماعي واقتصاد السوق الاشتراكي.

إن للاقتصاد المعيشي 4 خصائص أساسية تتغير في عملية الانتقال هذه ولها تداعيات عديدة اجتماعية واقتصادية وثقافية وقيمية وبيئية والخصائص الأربعة هي:

 الملكية الجماعية للموارد الطبيعية.

 علاقات الدم.

 هدف الاقتصاد تلبية الاحتياجات الأساسية ولذلك فهو معيشي.

 التكنولوجيا المستعملة تكنولوجيا تقليدية تستعمل فيها طاقة  البشر

والحيوان.

ان هذا الانتقال كان بطيئاً قبل قرون ولكن تكثف مع دخول الاستعمار البريطاني وربط الاقتصاد السوداني بالسوق العالمية بصورة مُحكمة بإنتاج وتصدير القطن الي بريطانيا.

(30) )آدم الزين محمد- دارفور من الانفلات الأمني الى السلام الاجتماعي، الطبعة الثانية، الخرطوم 2009)

إن أهم جوانب هذا الانتقال العمل بأجر في مشاريع (التنمية الاستعمارية) مثلاً في السكك الحديدية ومشروع الجزيرة وبناء خزان سنار وفي مؤسسات التعليم والرعاية الصحية وفي جهاز الدولة الإداري وفي الجيش والشرطة، بالرغم من هذه التحولات العميقة حاول النظام الاستعماري المحافظة والإبقاء علي القطاع التقليدي المعيشي في الريف ونظام ادارته الأهلية في ما يسمى بنظام الحكم غير المباشر (Indirect Rule).وفي ظل هذا النظام استمر نظام الحماية الاجتماعية التقليدية (traditional social protection) الذي يقوم علي علاقات الدم في القبيلة والعائلة الممتدة ليس في الريف فقط بل امتد هذا النظام  الى المدن كما أن هذا النظام، نظام الحماية الاجتماعية الاستعماري في المجتمع المديني قد أنشأ فيه المستعمر قطاع خدمات صحية وتعليمية مجانية وإمدادات ماء وكهرباء بأسعار منخفضة وأقام نظام تأمين اجتماعي (جنيني) للعاملين بأجر في مؤسساته ولكن ظلت الفئة المستفيدة من التعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية محدودة للغاية لأن الهدف من هذه الخدمات كان إعادة إنتاج القوى العاملة لخدمة مصالح الاستعمار. بسبب هذه الميزات المحدودة لفئة محددة رأى بعض الكتاب والسياسيين المشاركين في مؤتمر رؤى المجتمع المدني لمستقبل السودان في منظمة أفريقيا العدالة، الخرطوم، ( 25-26 أكتوبر 2011م ) أن دولة الاستعمار ودول ماقبل الاستعمار كانت (دولة رعاية اجتماعية)!!!.

ولكن هؤلاء المشاركين نسوا او تناسوا أو صرفوا النظر عن جوهر ومبادئ دولة الرعاية الاجتماعية وأهمها التشغيل الكامل والضمان الاجتماعي الشامل ودعم استهلاك الفقراء ومشاركة المجتمع المدني وخاصة النقابات في اتخاذ القرارات وتدخل الدولة لتحقيق العدالة التوزيعية.

وفي هذا السياق ولندحض هذا الرأي نذكر مصير وحالة العمال الموسميين في مشاريع الزراعة الحديثة المروية والمطرية الآلية الذين بلغ عددهم في منتصف الثمانينات حوالي 2 مليون والذين هم عصب هذه الزراعة ونذكر غيرهم من العمال وصغار المنتجين من الزراع والرعاة الذين لا يجدون رعاية صحية أو تعليم في المناطق النائية التي يعملون بها ويبلغ عددهم كذلك 2 مليون ولذلك يسمي بعض الباحثين في شأن دول مابعد الاستعمار تطور هذه الدول (Development of Under Development) – تنمية التخلف ومثال لذلك غياب الأمن الغذائي في مشروع الجزيرة تماماً بسبب توجهه للتصدير حسب السياسة الاستعمارية البريطانية والتي اقتفت دولة ما بعد الاستعمار أثرها وقع الحافر على الحافر..

ولعل  القائلين بأن دولة الاستعمار ودولة مابعد الاستقلال كانت دولة رعاية اجتماعية يريدون فقط نقد دولة الإنقاذ التي تطبق سياسات “التحرير”الاقتصادي كجزء من التكيف الهيكلي في السودان. وهي بلا شك ليست دولة رعاية اجتماعية حتى بالمقارنة مع دولة الاستعمار ودولة ما بعد الاستعمار.