محمّد جلال أحمد هاشم* الإسلام الدّولة والتّورّط الأيديولوجي: السّلفيّة والاستغلاقيّة (ب) ما هو الغرض من كلّ هذا؟ الغرض هو إنتاج الفقه الأصولي السّلفي؛ ولا نقبل بما جرت تسميته على أنّه الفقه التّقليدي، فنحن نفرّق بين الفقه التّقليدي من جانب، وبين السّلوك الحركي المسمّى بالتّيّار السّلفي أو الأصولي.

فهذا تيّار فقهي لم ينتج لنا أيّ استنارة، كونه تيّاراً اتّباعيّاً مستغلقاً؛ لذا يمكن أن نتجاوز عن استعمال مصطلحي «الأصوليّة» أو «السّلفيّة» لوهلةٍ، مفضّلين عليه المصطلح المركّب «الاتّباعي المستغلق» ببيّنة انغلاقه على صيغة فقهيّة بعينها، يتّبعها، لا يعدل عنها في نظره، دون استصحاب أيّ وعي بالحاضر ومقتضياته. ولكن ما هي الغاية من إنتاج هذا الفقه الاستغلاقي؟ الغرض منه هو تأسيس أيديولوجيا للسّطة بها يمكن أن يتمّ تأسيس دولة متماسكة. وهكذا نرى أنّه لن يكون في مقدور هذه النّصوص غير التّاريخيّة وغير الدّينيّة، أي شبه الدّينيّة، أن تفعل فعلها ما لم يتم صبّها في أيديولوجيا سائدة أو ناهضة، وهي هنا الأيديولوجيا العروبيّة. ولذا جاز لنا نحت مصطلح «الإسلاموعروبيّة» في حال تحقّق هذا اللبس. وهكذا يبرز الفقه الأصولي إلى الوجود مكتسباً قوّة وسلطة كبيرتين على العامّة والخاصّة، ذلك كونه يخدم كظهير أيديدولوجي للدّولة.

وفي الحقّ لا اعتبار لتسمّيته بالأصوليّة أو بالسّلفيّة، في معنى ما نشهده من فقه استغلاقي داخل دائرة الجماعة السّنّيّة، أي بما يوهم بتنزيه الجماعات الشّيعيّة أو الصّوفيّة من هذه الضّلالة. فما نعنيه موجود في جميع هذه الدّوائر، ويخدم نفس الهدف. كما ليس الاعتبار بالدّولة القائمة، إذ داخلها تتنافس المدارس الاتّباعيّة الاستغلاقيّة لتأسيس دولتها الخاصّة المنغلقة فقهيّاً، أي تلك التي ينبغي أن تتكلّم بلغة الفقه إيّاه بما ينجم عنه بالضّرورة إقصاء كلّ من لا يتكلّم هذه اللغة المنغلقة. إذ ليس الاعتبار في المصطلح، بل في القيم التي ينطوي عليها. إذن، أصل المسألة هو تقديس النّصوص العلمانيّة، وبالتّالي التّعامل معها بوجوب اتّباعها اتّباعاً أعمى كاتّباع الفصيلِ الرّضيع أمَّه بدالّة كونها تلك الشّاخصة التي تمشي أمامه، ولو توهّم غيرها طالما كان هناك كائن يسير أمامه. فمكمن الوهم ليس الشّبه هنا، بل عادة الاتّباع.

 

الفقه الدّيني ونهضة الأمم

يلعب الدّين دوراً كبيراً في نهضة الأمم، كونه يقع عليه عبئ تشكيل الضّمير، وبالتّالي الحضارة. ولكن بقدر ما تصحّ هذه المقولة، تصحُّ أيضاً مقولة إنّ الدّين يمكن أن يكون عاملاً للتّأخّر والنّكوص الحضاري. وتقف هاتان المقولتان المتناقضتان بين ميزان دقيق معيار الميلان فيه يقوم على هامش الحرّيّة. فإذا أتاح الفقه الدّيني هامشاً كافياً للحرّيّة، نهض المجتمع الذي يدين بهذا الدّين. أمّا إذا ضاقت مواعين الحرّيّة في الفقه الدّيني عن أن تسع المجتمع لاستغلاقه وتزمّته، فلا محالة سيبوء هذا المجتمع بالبوار والخُسران. فالمجتمعات تتأخّر، وتعجز عن صنع الحياة، متى ما سيطر عليها مثل هذا النّمط من التّديّن الاستغلاقي، أو سمِّه ما شئت والمعنى واحد. إذ ليس أقتل للعقل والخلق والإبداع من هذا. ولا يغرّنّك في هذا نظر البعض إلى أنفسهم كما لو كانوا بمنجاةٍ من هذه الضّلالة كونهم لا يتسمَّون باسم الأصوليّة أو السّلفيّة، كونهم يحملون أسماء أخرى، مثل الصّوفيّة أو الشّيعة إلخ. إذ لا تني ترتفع أصوات هنا وهناك باستمرار تصرخ أنْ ما أحوجهم جميعاً إلى رسالةٍ قشيريّة تكشف عن وجه الضّلالة التي يخوضون عِمايتها وهم يظنّون بأنفسهم الهداية والرّشاد.

لا غرو أن ظلّ المسلمون ينحدرون من حالقٍ بوتيرة منتظمة لا يُحسدون عليها. كما لا غرو أن خلا الفقه التّقليدي من أيّ نزعات تحرّرية، أكانت على مستوى الفكر أم مستوى الممارسة. فالفقه الإسلامي التّقليدي لم يُنتج لنا أيّ لاهوت تحرير من قبيل ما شهدنا في وضع المسيحيّة بأمريكا اللاتينيّة (انظر حيدر إبراهيم، 2004: 9-11). فبرغم الضّلوع المستمرّ للدّين في السّياسة منذ عهد النّبيّ إلى يومنا هذا، إلاّ أنّه يمكن القول باطمئنان كبير إنّ الفقه التّقليدي لا يمثّل قوّةً تحريريّة، بل على العكس من ذلك ظلّ ولا يزال يمثّل قوّة رجعيّة، مضادّة للحداثة وحارسة للقديم، بل مستعدّة للموت في سبيل حراسته. وهذا أشهر ما يكون في المجموعات السّلفيّة التي تُغلق على نفسها برتاج المسلّمات، ثمّ تبدي استعداداً نادر النّظير على حمل المجتمع حملاً، إن طوعاً أو كُرهاً، على اتّباع ما اتّبعوه هم. ولكن عندما تحيق بهذه المجتمعات ملمّات الزّمان وأحداثُه الجسام التي تؤثّر في حياة العامّة، لا نجد لهؤلاء السّلفيّين دوراً في الانحياز للعامّة. فيما يتعلّق بالصّوفيّة، فليس حالُها بأفضل من تلك السّلفيّة. يحكي لنا التّاريخ الإسلامي كيف أنّ مراحل هامّة وذات خطر عظيم على المسلمين قد مرّت دون أن يلتفت إليها علماء وأسماء لامعة كالأعلام برزت بوصفها قيادات دينيّة وفكريّة وفقهيّة للمسلمين، وبخاصّةٍ في مجال التّصوّف. من ذلك، مثلاً، أنّ أبا حامد الغزالي قد «… شهد القدس تسقط في أيدي الإفرنج الصّليبيّين وعاش إثنتي عشر سنة بعد ذلك ولم يُشر إلى هذا الحدث العظيم» (غمر فرّوخ، 1981: 9-15). وكذلك عاش عمر بن الفارض ومحي الدّين بن عربي في فترة «… الحروب الصّليبيّة ولم يرد لتلك الحروب ذكر في آثارهما» (المرجع السّابق: 15). فهؤلاء، وغيرهم، أعمدة التّصوّف في تاريخ الإسلام، ويعني هذا شديد التصاقهم بالعامّة بدالّة أنّ التّصوّف قريب منهم. ومع كلّ هذا، جرت هذه الأحداث العظيمة التي كان لها تأثير مباشر وخطير في حياة العامّة دون أن يجدوا أنفسهم ملزمين بالتّعبير عن معاناة هؤلاء العامّة المستضعفين.

نعم، كانت هناك ثورات عديدة في تاريخ المسلمين قادها رجال دين ضدّ حكم جائر، مثلما حدث في ثورة المهدي بالسّودان (1885م)، أو مثلما حدث في ثورة الخميني بإيران (1978م). إلاّ أنّنا لا يمكن أن ننظر إليها بوصفها لاهوتاً للتّحرير كونها قمعت المجتمع وقلّصت من دوائر الحرّيّة فيه بموجب فهمها غير الحداثويّ للدّين. فتحرير الفهم الدّيني هو أحد ألزم الشّروط ليتحقّق لدينا لاهوت تحرير. فرجال الدّين الذين اجترحوا لاهوت التّحرير بأمريكا اللاتينيّة، قاموا أوّلاً بتحرير فهمهم للدّين بطريقة جعلتهم يقفون في موقف مضادّ للكنيسة البابويّة في روما. وهذا أيضاً ممّا فعله مارتن لوثر في حركته الإصلاحيّة. عليه، لا يكون هناك لاهوت لمجرّد أنّ ثورةً ما ضدّ حكم مستبدّ وجائر قد اندلعت تحت قيادة رجال الدّين. مربط الفرس في مقدار المراجعة الفكريّة والفقهيّة التي يقوم بها رجال الدّين في ثورتهم بما يفترض أن تحقّق قدراً من التّحرير الفكري والثّقافي والسّياسي للشّعوب المقهورة.

هذا ما سار عليه غالب أهل الصّوفيّة في السّودان من حيث توجيه الهمّ كلّه إلى تنزيل المقدّس إلى رغام الأرض نُشداناً للشّعبيّة والذّيوع لا يأبهون في ذلك لنفس القطاعات الشّعبيّة إذا ما رابها الزّمانُ ووطأها بكلكله. إذ تراهم ليس فقط قاموا بإنزال المقدّس إلى الأرض في شكل نصوص، بل قاموا بتجسيده لحماً ودماً في شخصيّة شيخهم المتّبَع لا لأهليّةٍ بخلاف إيمانهم بزعمه وراثة القطبيّة بالأصالة كونه من نسل النّبيّ محمّد، ومن ثمّ يتوارثُها أبناؤه دون بناته بذات الأصالة، بينما جاء الارتفاق العرقي بالنّبيّ عبر بنته فاطمة. ولا عبرة هنا ببروز نساء ارتفعن في مقام التّصّوف حتّى تتلمذ على أيديهنّ بعض مشهوري الرّجال. فالعبرةُ برئاسة الطّريقة وتوريث المنصب. ينتهي أتباع الطّريقة الصّوفيّة بإضفاء القدسيّة على كلام شيخهم، وعلى كلام آله من بعده امتداداً لباقي النّصوص الدّينيّة وشبه الدّينيّة، دون أن يكون في ورثة هذه البركة في الغالب السّاحق من الحالات أيٌّ من البنات. فالمنطق يقول إنّه إذا كانت فاطمة هي حبلهم السُّرّيّ الذي يعصبهم إلى النّبيّ، يكون أوجب عندهم ترفيع البنات بوصفهنّ أكثر استحقاقاً في وراثة الطّريقة. هؤلاء جميعاً، وفق هذا الرّأي، رومانسيّون، استغلاقيّون، وربّماّ متحجّرون بحسب قناعاتهم. وقد تنطوي صفحة العمر عنهم دون أن يذوقوا لذّة العروج إلى الذّات إذ اعتقلتهم الدّنيا جرّاء تنزيلهم للمقدّس وتمريغه في الرّغام. فالغالب الأعمّ من أهل الصّوفيّة والسّنّة والشّيعة يبدو كما لو فات عليهم استكناه إمكانيّة أن تعني الآية ﴿ما كان محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النّبيّين﴾ [الأحزاب: 33] أنّه خاتم الأنبياء من صلب إبراهيم، إيذاناً بتدشين إنسانيّة الدّين دون انحباسه في عرقٍ بعينه. ولهذا حرمه الله من الولد، ولهذا قدّر الله لمن تحدّر من صلبه عبر ابنته فاطمة بأن يُقتّلوا وأن يبادوا عن آخر من عُرف منهم، فدايةً للبشريّة ﴿وفديناه بذبحٍ عظيم﴾ [الصّافات: 37]، إذ ما العظمة في بهيمة الأنعام إن كان ذاك هو المراد! ولكن هل يعني هذا انقطاع نسل النّبيّ محمّد؟ فهل يعني أنّه أبتر؟ لا! لهذا قلنا في السّطر أعلاه: «… وأن يُبادوا عن آخر من عُرف منهم …». فقد تشتّت افتراضاً دمُه بين شعوب المعمورة، أي بين البشريّة جمعاء. وبهذا لم يعد من الممكن أن يجزم امرؤٌ بأنّه من نسل النّبيّ محمّدٍ بينما الآخرون ليسوا من نسله. ولهذا رفدت بعض وثائق العصور الوسطى باعتلاق جينات الأسرة المالكة ببريطانيا بنسل النّبيّ محمّد، نسبةً إلى أميرة عربيّة اغتنمها النّصارى عشيّة سقوط الأندلس، جرى نسبُها وفقه. وليس في مقدور أحدٍ أن ينفي هذا أو أن يدحضه أو أن يؤكّده. فلو أراد الله له الذّرّيّة لأعطاه إيّاها ولكان لدينا منها سلسلة نسبٍ معصوبة؛ ولكان حمى ذمارَ حفدته من بنته يوم أن أحدق بهم قتلتُهم بكربلاء. ثمّ فلينظر النّاظرون كيف انتهى الحال بمن يدّعون هذا النّسب عبر التّصوّف إلّم يجدوهم في غالبهم الأعمّ قد انتهى بهم الحال وقد حازوا المال والسّلطان معاً. من المؤكّد أنّ هناك شيوخ صوفيّة لا يتعلّقون بقشّة النّسب النّبويّ، إلاّ أنّه ليست سوى مرحلة من المفترض تجاوزها عبر الأبناء كيما يتوسّلوا بالمصاهرة إلى هذا النّسب، أكان ذلك بالحقّ أو بالاختلاق كون الأمر كلّه أيديولوجيا.

مسألة التّوريث هذه اهتمّ بها أهل السّلطان بمثل ما اهتمّ بها أهل العرفان؛ وفي الحقِّ فكلاهما يجري خلف سلطة، مع الفرق. وأصل الاستناد بالقرآن على التّوريث ما جاء في الآية ﴿وجَعَلَها كلِمةً باقيةً في عَقِبِه﴾ [الزُّخرف: 28] نسبةً إلى إبراهيم عندما تبرّأ من قومه وممّا يعبدون؛ وفي تفسيرها يقول ابن كثير (1997، مج 4: 127): «يعني لا إله إلاّ الله، لا يزال في ذرّيته من يقولها، ورُوي نحوه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة». فأهل السّلطان يريدون احتكاره تشبّثاً بالدّنيا وخيراتها ولحصر السّلطان في صلبهم أثَرَةً منهم. وأهلُ العِرفان لهم نظر في أنّ العلم اللدني  يجري في الأصلاب بالحقِّ والقدرة. في هذه المسألة (التّوريث) يقول محي الدّين بن عربي في صفات الإنسان الكامل الذي يُستخلف في الأرض (محمود محمود الغراب، 1990: 22): «لا بدّ للخليفة أن يظهر بكلّ صورةٍ يظهر بها من استخلفه؛ فلا بدّ من إحاطة الخليفة بجميع الأسماء والصّفات الإلهيّة، التي يطلبها العالم الذي ولاّه عليه الحقُّ سبحانه، فجعل اللهُ الإنسانَ الكامل في الدّار الدّنيا إماماً وخليفة، وأعطاه علم الأسماء لما تدلّ عليه من المعاني، وسخّر لهذا الإنسان وبنيه وما تناسل منه جميع ما في السّموات وما في الأرض، فما حصل الإنسان الكامل الإمامة، حتّى كان علاّمة، وأُعطي العلامة، وكان الحقُّ أمامَه، ولا يكون مثله، حتّى يكون وجهاً كلّه، فكلّه أمام، فهو الإمام، لا خلفٌ يُحدُّه، فقد انعدم ضدّه …». ولكن، ألا يستقيم جميع ما قاله إذا قمنا بحذف جزئيّة «… وبنيه وما تناسل منه …»؟ إذ لا تبدو كشرط لازم لما ينادي به. فضلاً عن هذا، فالتّاريخ يحكي لنا عن حالات كثيرة برز فيها أُناس في مجال العلم العِرفاني دون أن يرثوه عبر أصلابهم. ولكن كيف لنا أن نعرف هذا عنهم مستيقنين؟ إذ ربّما نهلت أصلابُهم من معين الدّماء المصطفاة دون أن يعلموا بهذا! بالطّبع هذا جائز ويتّفق منطقاً مع ما قلناه بخصوص تشتّت دم النّبيّ بين البشريّة افتراضاً. من جهة أخرى، كيف يمكن قبول أن يحدث هذا (عدم العلم) وهو الإنسان الكامل الذي أُوتي مجامع الحكمة والعلم اللدنّي! بيد أنّ ما يهمّ هنا هو كيف تستفيد الاستغلاقيّة الدّينيّة (صوفيّةً كانت أم شيعيّةً أم سنّيّةً أم خلافها جميعاً بلا تعميم) من مسألة التّوريث استحواذاً دنيويّاً محضاً به يرتقون إلى سُدّة السّلطة مع اكتناز المال والثّروة.

نخلص من كلّ هذا إلى القول بأنّ الاستغلاقيّة ليست سوى محاولة قاصرة لتنزيل المقدّس إلى عِلمانيّة الأرض، ذلك لدى العجز عن استشراف المطلق بارتفاق الرّوح الشّفيفة. وبالتّالي تُعاوض هذا بحيلة تقديس العلماني والأرضي، ذلك عبر اصطناع نصوص علمانيّة وتقديسها تقديساً أعمى. بهذا تنشر التّيّارات الاستغلاقيّة ثقافةً تقوم على التّقليد والاتّباع الأعمى، ومن ثمّ نشر العقل غير النّقدي. ولتنجح في هذا، تتطرّف في غلوائها وغُلوِّها، فتقوم بحجر الفكر وتكبيل الحرّيّات، إذ تستخدم الدّينَ كسوط عذاب وابتزاز به ترهب من يخرجون على هذا المألوف. وغايتها في هذا احتياز الخيرات المادّيّة وعلى رأسها جاه المال والسّلطان. ولهذا تراها تستقوي بأدوات السّلطان، أي بمؤسّسات الدّولة السّياديّة والعقابيّة. ولذا من الطّبيعي أن تعجز المجتمعات التي تسود فيها هذه التّيّارات الفقهيّة الاستغلاقيّة عن صنع الحياة، أي عن تحقيق استخلاف الله لهم في الأرض، فإذا هم يصبحون ويمسون وهم يتعيّشون ممّا صنعه الآخرون دون حمدٍ أو شكرٍ لعنجهيّةٍ مركّبة فيهم، منها يستمدّون القدرة على المضيّ قُدُماً في ضلالهم المقيم. ولا غرو أنّ تُفضي بهم في خاتمة مطافهم إلى الخُسران المبين، وهو الخسران المتمثّل في انهيار مؤسّسات الدّولة التي يسيطر عليها مثل هذا النّمط من التّديّن. ومن أسفٍ أنّ هذا هو حال أغلب الشّعوب المسلمة اليوم.

ولكن، ﴿عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم﴾ [البقرة: 216]؛ إذ من خلال هذا الفشل الذّريع ينبغي أن تنهض حركة الاستنارة كيما تتجاوز الفشل، ولا يُعرف الشّيء إلاّ بضدِّه؛ ﴿ولولا دفعُ النّاسِ بعضَهم ببعضٍ لفسدت الأرض﴾ [البقرة: 251]. وقد يكون تفكّك الدّول الرّاسخة في التّاريخ بعض ثمن ما يدفعه النّاس في سبيل هذه الاستنارة، ولا ندامة ولا حسرة؛ فالاستنارة تأخذ من المجتمع ما يكلِّف استحضارها؛ فإذا كان ذهاب ريح الدّولة هو الكُلفة، فهذا يعني بعد الشّقّة عند المجتمع المعني من مشارف الاستنارة والنّهضة. فإمّا هذا (دفع مطلوبات الحداثة والاستنارة والنّهضة)، أو القعود في حمأة وعفنة الأصوليّة الآسنة.

*مجتزأ من الفصل الرّابع من كتاب: منهج التّحليل الثّقافي: الفقه الإسلامي الحداثوي