عبد الرحيم أحمد بلال                    ثانياً: الانتقال من اقتصاد مركزي تحكمي إلى اقتصاد"سوق حر" في ظل نظام شمولي إقصائي إن السياسات التي تطبقها سلطة الإنقاذ هي ابعد ماتكون عن سياسات "التحرير" الحقيقية التي تعني سياسة التحرير السياسي والاقتصادي (الخصخصة) وليس احتكار النخب الحاكمة لمفاصل الاقتصاد والسياسة من ما يؤدي إلى تركيز الثروة في أيدي قلة والى تفاقم الفوارق الاجتماعية التي تتضح في مجمعات الأغنياء السكنية مقابل السكن العشوائي والشعبي في أطراف الخرطوم.

هذه السياسات المدمرة هي التي أدت الي زيادة وتفاقم اشتعال الحروب في أطراف القطر بسبب التهميش والإقصاء الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي. لقد استفادت من الخصخصة النخب الحاكمة ومن والاهم بسب عدم الشفافية في عملية الخصخصة فكانت النتيجة نخب اقتصادية جديدة لم تراع المسئولية الاجتماعية في فعلها.*(31)

وفي سعي النخب الحاكمة للشرعية والتأييد لجأت إلى الجهوية والقبلية وإحيائها وبعثها من جديد بعد أن بدأت تنحسر نتيجة لتغلغل اقتصاد السوق في المجتمعات الريفية بسبب الهجرة من الريف الى المدن.

في هذا السعي صار التحالف بين البيروقراطية ودوائر الأمن والقيادات القبلية ودوائر من رجال الأعمال هو أساس السلطة الحاكمة اليوم وهو تحالف يخدم مصالح هذه الفئات الخاصة بعيداً عن المصالح العامة وتقديم حلول للمشاكل الاجتماعية الاقتصادية التي يعاني منها عامة الشعب من ما عمق الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية.*(32)

(31): حافظ أحمد عبد الله، النخب الاقتصادية الجديدة في السودان، يونيو 2007م،ص 121ومابعدها) .

(32): تجاني عبدالقادر، نزاع الإسلاميين في السودان – مقالات في النقد والإصلاح، الجزء الأول- 2008م، ص14).

ثالثاً: من مجتمع حرب إلى مجتمع سلام منقوص وصراعات متجددة

 لقد صارت الصراعات المسلحة والحروب مستوطنة في السودان كالأمراض المستوطنة في الدول الأفريقية من ملاريا وبلهارسيا وتايفويد واسهالات وسوء تغذية.

اندلعت الحرب الأهلية في الجنوب عام 1955م ولم تتوقف الا في عام 1972م باتفاقية اديس ابابا ولكنها اندلعت من جديد في عام 1983م بسبب نقض اتفاقية أديس ابابا وذلك بتقسيم الجنوب الي ثلاثة أقاليم بدلاً من إقليم واحد. وبعد حوالي عشرين عاماً من الحرب جاء بروتكول مشاكوس في يوليو 2002م كجزء من اتفاقية السلام الشامل 2005م وحسب الأستاذ محجوب محمد صالح، الكاتب والمحلل السياسي المعروف، اشتمل هذا البروتكول علي مرتكزات يمكن ان تصلح لمشروع وطني لتأسيس سلام مستدام وعادل فبعثت الأمل في سودان جديد يتمتع بالسلام الدائم والعادل ولكن الاتفاقية نفسها  جاءت ناقصة وغير شاملة فلم تشمل كل قضايا السودان وصراعاته كما لم تشترك فيها الأطراف  السياسية الأخرى المهمة في الساحة السودانية .* (33)

بجانب هذا القصور جاء الخلل في التنفيذ وكانت النتيجة الانفصال بعداستفتاء الجنوبيين في 6 يناير 2011م حيث صوت أكثر من 96% للاستقلال فكان الانفصال في يوم 972011م ، وادى ذلك الى تكريس الحكم الشمولي الاقصائي واستمرار الصراعات الدموية في مناطق شمال السودان وجنوب كردفان  والنيل الأزرق ودارفور. وظلت القضايا العالقة التي وردت في قانون الاستفتاء عالقة هي وغيرها . واهم القضايا العالقة هي: الجنسية، اقتسام الأصول، المياه، ترسيم الحدود، الترتيبات الأمنية، المشورة الشعبية والبترول. هذا وبدلاً من ان تصل الدولتان الى معادلة تعايش سلمي مستدام علي أساس اتفاق ٍ تكاملي ثنائي يبني الثقة ويفتح الحدود أمام المواطنين والسلع والخدمات ويمنح الحريات الأربعة والحق في الجنسية المزدوجة. ساد الصراع بين الدولتين وفي داخل دولة السودان واستوطن بسبب الحلول الجزئية والمناورات. وأفرز النظام حسب المفكر الإسلامي التجاني عبدالقادر تحالفاً من دوائر الأمن والبيروقراطية داخل جهاز الدولة والتجار ورجال الأعمال ورؤساء القبائل.* (34)

(33): محجوب محمد صالح، مخاطر الحرب وفرص السلام، ورقة مقدمة لمؤتمر رؤى منظمات المجتمع المدني لمستقبل السودان، منظمة إفريقيا العدالة، الخرطوم، 15-16 أكتوبر).

(34): التجاني عبدالقادر، مرجع سابق، 14)

ويستخلص التجاني من ذلك أنه في غيبة الجماعات العلمية القادرة والمجالس التشريعية الحاذقة تحولت ملفات القضايا الإستراتيجية الكبرى مثل قضايا الحرب والسلام والعلاقات الخارجية الى ملفات أمنية والي صفقات تجارية.
 أن قضايا الحرب والسلام قضايا حياتية ومصيرية وهي أهم القضايا في اي مجتمع لما تخلفه الحروب والصراعات من ويلات بسبب النزوح والخلل في التوزيع السكاني والتدمير البيئي فيفقد المواطنون نتيجة لذلك وسائل عملهم وكسب عيشهم وقدرتهم علي العمل فيزداد الفقر والإفقار ، وهذه نتائج لأسباب لايمكن ان تزيلها إلا دولة الرعاية التي تضع السلام في قمة أولوياتها والتي يسندها مشروع وطني نهضوي يقوم علي الحوار الشامل والشفافية والعدل والمساواة والمشاركة والشفافية والشمول والملكية الشعبية والتوافق. ويجب ان تفضي عملية صياغة الدستور هذه الى مضامين دستورية تكون أساس دولة الرعاية والدولة المدنية الديمقراطية والتعددية الفيدرالية التي تضمن التنمية المستدامة والشاملة والمتوازنة وكل هذا يتطلب بدءاً حركة سلام اجتماعية قوية تشمل كل أرجاء القطر لتنهي الحروب والصراعات وتمهد الطريق الى دولة الرعاية.

رابعاً: الانتقال من اقتصاد مركزي تحكمي مغلق إلى اقتصاد معولم

إن الانتقال إلى اقتصاد السوق “الحر” والذي حدد صندوق النقد الدولي مساره في وصفته المعروفة بالإصلاح الهيكلي وأهم جوانبه الخصخصة في منتصف السبعينات اكتسب دفعة قوية في بداية التسعينات ومنذ عام 1992م حين انتهج نظام الإنقاذ ما اسماه سياسات  التحرير الاقتصادي والخصخصة بوصفها الممهد للدمج في الاقتصاد العالمي وذلك دون اي دعم خارجي تقدمه مؤسسات التمويل الدولي في مثل هذه الحالات وفي سياق هذه السياسات انتقلت ملكية مؤسسات القطاع العام الرابحة وغير الرابحة الي أصحاب الحظوة من الموالين للنظام في القطاع الخاص والى شركات أجنبية لها علاقات بالنخب السياسية والاقتصادية الجديدة ولكن عملية الانتقال هذه لم تخضع لمعايير واضحة لغياب الشفافية والمحاسبية والمساءلة، فكانت النتيجة احتكار وهيمنة اقتصادية لمصلحة النخبة الحاكمة من ما زاد في الاستقطاب الاقتصادي والاجتماعي والفوارق الاجتماعية فظهرت المجمعات السكنية ومراكز التسوق الفاخرة.*(35)

(35) حافظ أحمد عبدالله، النخب الاقتصادية الجديدة في السودان، يونيو 2007م،ص 121ومابعدها)

باكتشاف البترول واستخراجه واحتكار عائداته للقلة الحاكمة زاد هذا الاستقطاب ووفدت مئات الشركات العاملة في قطاع البترول والإنشاءات والخدمات علي الأخص من جنوب  شرق آسيا وبالتحديد الصين وماليزيا بالاضافة الى تركيا ودول الخليج، وذلك منفردة او في شركات وتحالفات مع النخب الاقتصادية الجديدة المهيمنة وذلك في سياق “العولمة الاقتصادية”.

هكذا تطابق التوجه نحو العولمة والانتقال الي “السوق الحر” بمعني “الخصخصة” تحت النظام الشمولي الأقصائي الذي انفرد بالهيمنة علي مقاليد السلطة والثروة متخذاً من هذا الانتقال الاقصائي وتيار العولمة الجاذب سبيلاً لبناء اقتصاد جديد مشوه علي أسس جديدة دون وضع الأسس السليمة للدخول في العولمة وهي الأسس التي تحمي الزراعة والصناعة الوطنية التي انهارت أمام هذا التيار الكاسح فغمرت السلع المستوردة الصناعية والزراعية السوق السودانية وقد ساعد علي ذلك الاعتماد الكلي علي عائدات البترول منذ عام 1991م وحتى عام 2005م بالتوقيع علي اتفاقية السلام الشامل 2005م وذلك بمعدل خمسة مليارات دولار أمريكي في العام فكانت النتيجة الانهيار الكامل للزراعة الوطنية فانتشرت البطالة والفقر وغزت سوق العمل مع دخول الشركات الأجنبية العمالة الأجنبية الماهرة وغير الماهرة، والتي لم تستطع العمالة المحلية منافستها مع انهيار نظام التعليم والتدريب وقيام مؤسسات جامعية وكليات ومعاهد تجارية تدنت فيها مستويات الطلاب دون رقابة فانتشرت العطالة بين الشباب عامة والخريجين خاصة ولم تفلح كل المشاريع التي صممت لتشغيل الخريجين في خفض عطالتهم المتصاعدة لأن الخلل البنيوي صار ينتج العطالة بدون انقطاع.

اما مشاريع التمويل الأصغر دون بناء الأطر الكلية الحاضنة لها تحولت الي مشاريع تمويل الأغنياء حسب نائبة رئيس المجلس الوطني ورئيسة قطاع المرأة في المؤتمر الوطني سامية احمد محمد وفقا لما أوردته ( صحيفة رأي الشعب 10 أكتوبر2011م، ص1).

وهكذا  لم توفر الدولة المطلوبات اللازمة في مواجهة العولمة وهي:

التعليم الجيد والمناسب لسوق العمل الداخلية والخارجية والذي يسمح ويؤهل المواطنين للمنافسة داخلياً وخارجياً.

تحديث الزراعة وخاصة التقليدية لتنافس السلع الأجنبية الزراعية ولتنتج فائضاً زراعياً للتصنيع الزراعي الحديث وللسودان ميزات تفضيلية طبيعية من ما جعل الكثير من الاقتصاديين العالميين والمحليين يرون في السودان في السبعينيات سلة غذاء العالم.

بناء وتحديث مؤسسات البحوث العلمية التي انهارت وخاصة بحوث التكنولوجيا ونقلها لرفع الإنتاجية.

استراتيجيات التشغيل الواقعية.

كل هذه العوامل من العوامل المساعدة بل الضرورية لقيام دولة الرعاية التي تضاءلت فرص بنائها النهضوية وأهمها الفائض الاقتصادي لتمويل شبكات الضمان الاجتماعي بعد انهيار شبكات الحماية الاجتماعية التقليدية بانهيار اقتصاد الريف وعلاقات الدم، وكانت أهم نتائج هذا التطور الأتي:

الفوارق الاجتماعية والاقتصادية الهائلة.

الافقار المستمر لسكان الريف.

حركات التحرير في الأطراف.

الجيش الجرار من العاطلين المتعلمين الخريجين.