عرض : د .زهير السراج كتاب من تأليف (أندرو ناتسيوس) المبعوث الأمريكى السابق للسودان: يا هو ده السودان .. !!  * أزعجنى جدا ألا يجد كتاب مهم جدا عن السودان احتوى على كم هائل من المعلومات المهمة والأسرار الخطيرة أى اهتمام من السودانيين على اختلاف مشاربهم ودرجات تعليمهم وثقافتهم حتى  أهل السياسة والسياسيين والمتخصصين فى العلوم السياسية منهم سواء فى الحكومة او المعارضة،

بل لم يأت ذكره على لسان أحد منهم فى حديث أو مقال ( ولا أبرئ نفسى رغم اشارتى اليه فى الكثير من المقالات التى كتبتها ونشرتها فى الصحف والمواقع الإلكترونية والاستعانة ببعض ما ورد فيه من معلومات وأسرار) ..! 

* وتنبع أهمية الكتاب (بالاضافة الى أهمية المعلومات التى يحتويها) من أن مؤلفه شخصية مهمة جدا وسياسى وادارى محنك شغل عدة مواقع مهمة وحساسة فى الادارة الأمريكية اتاحت له ان يتعرف على الكثير من المعلومات والأسرار داخل وخارج الولايات المتحدة، بل ويشارك فى صنعها، بالاضافة الى علاقاته الخارجية وصلاته الواسعة بمراكز اتخاذ القرار والشخصيات القيادية والمهمة فى العديد من دول العالم ومن بينها السودان، وإلمامه بما يحدث فى دهاليزها السياسية بحكم المناصب المهمة التى شغلها وصلاته الرسمية وغير الرسمية وصداقاته الواسعة، كما انه فى الأصل باحث وأستاذ فى العلوم السياسية خاصة المرتبطة بالأزمات والكوارث والحروب وأهوالها وأسرارها وله الكثير من المؤلفات والمقالات المنشورة فى اكبر الصحف والمجلات العالمية ومن اهم مؤلفاته كتاب (السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفرسان يوم القيامة) الذى آمل أن أجد الفرصة لاستعراضه لاحقا ان شاء الله ..

* هذا الشخص أو الشخصية المهمة جدا هو (اندرو ناتسيوس) رئيس الوكالة الأمريكية للتنمية العالمية (USAID ) ــ أو كما يسميها البعض ( المعونة الأمريكية ) ــ  فى الفترة من 2001 وحتى 2006، وكان قد شغل قبل ذلك وظيفة  مدير ادارة المساعدات الانسانية الخارجية بالوكالة، وهى (الوكالة أو الإدارة) ما يعرف الجميع مدى أهميتها الكبيرة للادارة الأمريكية فى فهم ما يحدث فى مناطق الأزمات والكوارث خاصة المرتبطة بالحروب وتحديد نوع علاقتها بالأنظمة والجماعات فى تلك المناطق خاصة مع ارتباط عمل الوكالة ارتباطا مباشرا ووثيقا بالأجهزة الاستخباراتية سواء فى امريكا او خارجها مما يتيح لها الحصول على قدر هائل من المعلومات ..!!

* شغل الرجل بعد ذلك منصبا فى غاية الأهمية والخطورة فيما يتعلق بتحديد سياسة الادارة الامريكية إزاء السودان، بل بتشكيل عقيدة الرئيس الأمريكى بشكل شخصى تجاه السودان .. وهذا المنصب هو المبعوث الشخصى للرئيس الأمريكى جورج بوش لدارفور أو (للسودان) بين عامى 2006 و2007 وهى الفترة التى شهدت بدايات مشاركة الحركة الشعبية للمؤتمر الوطنى فى حكم السودان وما اعتراها من خلافات ومشاكسات وصراعات كثيرة بين الطرفين، بالاضافة الى الاهتمام العالمى الكبير آنذاك بأزمة دارفور والسعى الحثيث للادارة الأمريكية لمعالجة الأزمة بكل الوسائل المتاحة بما يحقق إنجازا للرئيس الأمريكى ويخفف الضغط الداخلى عليه من تورطه فى أفغانستان والعراق.

* شخص مثل هذا، شغل هذه المناصب الخطيرة التى أتاحت له صنع الاحداث والتعرف على كم هائل من المعلومات والأسرار عن السودان وغيره، بالاضافة الى تكوين العديد من الصداقات والعلاقات مع الشخصيات السودانية المؤثرة والنخب السياسية والشعبية المختلفة، فضلا عن خبراته السياسية والادارية الكبيرة التى اكتسبها عبر مسيرة طويلة فى دهاليز السياسة والمؤسسات السياسية والتنفيذية بالولايات المتحدة وعمله كأستاذ وباحث فى السياسة الدولية بعدد من الجامعات ومراكز الدراسات الاستراتيجية  الامريكية  وعلى رأسها جامعة جورج واشنطن، وهى واحدة من اهم الجامعات الأمريكية فى الاهتمام بالسياسة الدولية، وله العديد من المؤلفات والبحوث والمقالات .. عندما يكتب كتابا عن السودان ، يتوقع المرء أن يتدافع السودانيون بمختلف مشاربهم وألوانهم وثقافاتهم لقراءة الكتاب، لو لم يكن التعليق عليه، خاصة انه مكتوب بلغة انجليزية بسيطة بعيدة عن المصطلحات السياسية المعقدة، حسب السلسلة التى صدر تحت عنوانها الكتاب وهى سلسلة (ما يحتاج اى شخص ليعرفه) أو(What Every One Needs To Know  ) والتى تحتم مخاطبة القارئ بلغة بسيطة بل ومبسطة وهو ما فعله (أندرو ناتسيوس) فجاء كتابه عن السودان بلغة إنجليزية بسيطة وسلسة تتيح لأى شخص ذى إلمام بسيط بالإنجليزية أن يقرأ الكتاب ويفهمه خاصة مع وجود عشرات الالاف من السودانيين بالولايات المتحدة وغيرها من الدول الأجنبية منذ فترة طويلة ولا شك أن كثيرين منهم أو أبناءهم يجيدون اللغة الإنجليزية كما يجيدها أهلها .. فضلا عن معرفة الكثير من السودانيين للغة الإنجليزية واهتمام غالبيتهم بالسياسة حتى أبسطهم علما وثقافة، ولكن لم يهتم به أحد، وثبت بما لا يدع مجالا للشك أن ولعنا بالقراءة المفيدة الذى اشتهرنا به بين جيراننا صار من آثار الماضى السحيق ككل شئ جميل مات واندثر لدى السودانيين .. الذين صار جل اهتمام غالبيتهم أن يتصفحوا بدون تركيز ما ينشر فى بعض المواقع، ومعظمه (غث)، ثم يهيلوا عليه التراب بتعليقات ساذجة وفطيرة وسطحية حتى لو كان مفيدا  ..! 

* مر الكتاب المهم وكأنه لم يصدر، فلم يقرأه أحد ولم يعلق عليه أحد ولم يثر اهتمام أحد من أهل السودان رغم أهمية وخطورة المعلومات التى حملها وأهمية كاتبه، وحتى الذين إستشارهم الكاتب ورجع إليهم فى بعض الجوانب وشكرهم او ذكرهم فى كتابه لم يسمع منهم أحد تعليقا او قدحا او مدحا، وأشك أن احدهم قد قرأه فى الأصل رغم تأكدى أنه قد وصلهم فى أماكنهم فهكذا جرى العرف بأن يقوم مؤلف الكتاب بإهداء نسخة إكرامية لكل من ساهم أو ساعد فى كتابته ..!!

* عفوا  مستر ناتسيوس، أجزم انك محبط  ونادم على الجهد الذى بذلته والهدية القيمة التى قدمتها لنا بدون أن نأبه لها .. ولكن لا تبتئس ولا تحزن ولا تندم فلقد صار قدرنا ومصيرنا ان يتقدم صفوفنا الجهلاء وارباع المتعلمين واصحاب الحلاقيم الكبيرة والأدمغة الفارغة بينما انزوى علماؤنا واصحاب العقول والحصافة الى الصفوف الخلفية غير آبهين بشئ  ..!!

* أبدا معكم فى الحلقة القادمة، باذن الله، استعراض وتحليل كتاب (السودان، جنوب السودان ودارفور) الذى  صدر عن دار جامعة أكسفورد للنشر ( فرع نيويورك) فى عام 2012 لعلنا نجد فيه بعض ما يعيننا على فهم ما يحدث فى بلادنا ومحاولة قراءة المستقبل الذى ينتظر أبناءنا ، انتظرونى  ..!!