عبد الرحيم أحمد بلال 11/ التحديات أمام بناء دولة الرعاية في السودان إن التحديات أمام تأسيس دولة الرعاية الاجتماعية في السودان ضخمة ومتعددة الجوانب ومتداخلة ويعزز بعضها البعض. إن الورقة لا تبحث في سبل مواجهتها وبالتالي لا تقدم  ما يمكن أن يعزز مجابهة هذه التحديات

ويرى الباحث أن هكذا عمل  يحتاج لفرق عمل متخصصة يجب أن يُبدأ فورا في تكوينها من قبل الحادبين على تأسيس دولة الرعاية دون اعتبار للانتماءات السياسية والعرقية وأهم هذه التحديات، هي:

التحديات القيمية الأخلاقية السلوكية.

تحديات الخلل الهيكلي الاقتصادي الاجتماعي.

تحديات سياسية.

تحديات الحكم وبناء الدولة.

تحديات علمية وتعليمية.

تحديات ثقافية.

تحديات بيئية.

فيما يلي نتناول هذه التحديات باقتضاب.

11/1 التحديات القيمية والأخلاقية السلوكية

لقد حول اقتصاد السوق المنفلت والمنحاز كل المجتمع الى سوق تحكمه قيم الأنانية والمكر والخداع والرياء والنفاق والاحتيال واحتقار العمل المنتج  والعلم والإعجاب بـ “الفهلوة” والرغبة في الحصول على دخول غير مستحقة بسبب انتشار الزبائنية والمحسوبية. وكل هذه القيم والصفات الرذيلة تتعارض مع قيم دولة الرعاية الاجتماعية التي تحترم العمل والشفافية والمحاسبية والمساءلة و(المؤمن مرآة أخيه) والمسئولية الاجتماعية المتبادلة واحترام الآخر ونهج الحوار ونبذ العنف ومع انتشار القبلية والجهوية انتشرت العنصرية والاستعلاء العرقي واحتقار وتحقير الآخر وتفكك النسيج الاجتماعي.

إن بناء الإنسان على أساس قيم المواطنة وحقوق الإنسان وأهمها الحق في الحياة والكرامة والعمل والمعرفة والحرية والمساواة  والإخاء، أصعب من بناء البنى التحتية كالشوارع والسدود والمنشآت الاقتصادية الأخرى لأن السؤال المهم هو: من يدير هذه المنشآت وبأي قيم وأخلاق؟

لقد عم الفساد واستشرى في كل مناحي الحياة بالرغم من اكتظاظ المساجد بالمصلين شيبا وشبابا، رجالا ونساء.

ان بناء الإنسان بالقدوة الصالحة يبدأ  برياض الأطفال وداخل الأسرة والأحياء السكنية والكيانات المحلية بوصفها الخلايا الحية للمجتمع وبالتطوع  في العمل العام وبالمسئولية الاجتماعية نحو الجميع.

11/2      تحديات خلل الهياكل الاقتصادية – الاجتماعية

ان أهم جوانب الخلل الهيكلي الاقتصادي – الاجتماعي هو الخلل الموروث من كل الحقب السابقة الذي نسميه الانحياز المديني (urban bias) على حساب الريف وهو من الأسباب الجذرية للفقر والعطالة  (راجع ورقة إستراتيجية تخفيض الفقر، الخرطوم 2011). ان الحروب والصراعات المسلحة الناشئة بسبب الغبن الاجتماعي هي من أهم اسباب  الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأقاليم والشرائح الاجتماعية ومن أسباب التطابق بين الفواصل الاثنية والفواصل الاقتصادية الاجتماعية. هذا بالإضافة إلى الخلل الذي أحدثته  الحرب الأهلية الطويلة والصراعات المسلحة في الأطراف بسبب التنمية غير المتوازنة  والانحياز الى المركز بالإضافة إلى الهجرة والنزوح وتدمير البيئة وحرمان المواطنين من سبل كسب عيشهم والفشل في دمج المسرحين من القوات النظامية في المجتمع.

 بالإضافة إلى هذه الجوانب هناك احتكار السلطة والثروة وسياسات التمكين السياسي والاقتصادي التي أدت إلى الإقصاء وحرمت الكثيرين من الفعل الاقتصادي بل قذفت بهم الى العطالة والعوز والفاقة وغياهب السجون وكان من نتائج ذلك تدهور الطبقة الوسطى حاملة ألوية التنوير والثقافة والفكر وتدهور الطبقة العاملة بسبب تدهور القطاعات الانتاجية الحيوية: قطاع الصناعة وقطاع الزراعة، لذلك فان من أهم المطلوبات الأساسية اللازمة لإزالة  الخلل الهيكلي هو التنمية الريفية المتكاملة ورفع الإنتاجية عامة وفي الريف خاصة، وتقوية الروابط الأمامية والخلفية بين اقتصاد الريف واقتصاد المدن لتحقيق الفائض الزراعي والتصنيع الزراعي  وللتخلص من لعنة ونقمة البترول.

ان محاربة الفقر والعطالة في دولة الإنقاذ تقتصر على مشاريع التمويل الصغير والأصغر دون تكامل مع المداخل الأخرى وهي: التدريب الفني والإداري وبناء القدرات  والتأمين الشامل للمنتجين ووسائل انتاجهم*(36)

وحتى إذا تكاملت هذه المداخل فان الخلل الهيكلي الأساسي يبقى، وهو الانحياز المديني وإهمال التنمية الريفية المتكاملة، وعدم تحديث الزراعة، وهذه هي الترياق المضاد للحروب في الأطراف وللعطالة والنزوح والهجرة إلى المدن.

ان هذا الإصلاح الهيكلي لن يتم إلا  بإصلاح معرفي جذري يخدم أهداف الدولة الاجتماعية بدلا من النظام العرفي الحالي الذي يوصف بأنه إسلامي وهو الذي يجعل المال دولة بين الأغنياء باعتراف كبار  المسئولين في النظام الحالي بما فيهم الرئيس نفسه.

11/3 التحديات السياسية

أهم  هذه التحديات هي نظام الحكم الشمولي وغياب المشاركة الحقيقية وانحسار هامش الحريات وهيمنة نخبة سياسية غير مستعدة لإشراك الآخرين في الاقتسام العادل للثروة والسلطة بالإضافة إلى ذلك فان هذه النخبة الحاكمة لا تخفي تكبرها واستعلائها على الآخرين واحتقارها للمخالفين والمعارضين، فهي غير مستعدة للتخلي عن امتيازاتها الواسعة والقيام بأي إصلاحات حقيقية تهدف لتحقيق الدولة الاجتماعية، دولة الرعاية الاجتماعية.

(36):  ورقة د. بلال عبد الرحيم: محاربة الفقر والتمويل الصغير والأصغر، الخرطوم 2008.

ومن التحديات السياسية كذلك الإصلاح الحزبي بشكل عام وإصلاح أحزاب المعارضة والنهوض بها من حالة التشتت والتفكك والتشظي والتشرذم الذي يجعل اتفاقها على مشروع وطني شبه مستحيل رغم أن هذا التوافق شرط ضروري لصناعة الدستور وتحقيق المشاركة والشفافية والشمول والتوافق عليه وملكية الشعب له.

ومن التحديات كذلك إصلاح المجتمع المدني الذي تغلب عليه الحركية ويغيب عنه العمق الفكري الذي يدعم تأسيس دولة الرعاية، الدولة الاجتماعية التي تحتاج لجهود فكرية جبارة وإبداع  لوضع الأسس السليمة لها في ظروف السودان المعقدة التي استوطنت فيها الحروب والصراعات والتشظي والاملاق والفقر وحدة الفوارق الاجتماعية.

11/4 تحديات الحكم وبناء الدولة

من أكبر التحديات أمام بناء دولة الرعاية، الدولة الرشيدة، هو بناء الحكم الرشيد الذي يكون همه الأول هو خدمة المواطن وتوجيه كل نشاط الدولة وسياساتها وفعلها نحو المواطن وتلبية احتياجاته وطموحاته وتحقيق كرامته. وأول المطلوبات لذلك هو تحقيق السلام الشامل والمستدام في كل أنحاء البلاد وأن تنعم البلاد بالتعايش السلمي بين مجموعاتها البشرية ومع جيرانها لأن دولة الرعاية هي دولة السلام بالمعنى الايجابي للسلام وهو السلام الاجتماعي.

ومن مطلوبات دولة الرعاية الحكم اللا مركزي الفدرالي، فالحكم الفدرالي الحالي هو شكل بلا مضمون بسبب  الشمولية الاقصائية وخصخصة الدولة لمصلحة الحزب الحاكم وأفراد النخبة السياسية الحاكمة ومشايعيها، فالحكم مازال مركزيا لا تتمتع فيه مستويات الحكم الأدنى بأي سلطات حقيقية ولا الموارد اللازمة للانعتاق من قبضة المركز وحزبه المسيطر فكل القرارات تأتي من المركز عبر الحزب الحاكم، هذا بجانب أن كل الملفات المهمة وحتى غير المهمة تحولت الى ملفات أمنية تهيمن عليها وتتحكم فيها مجموعة محدودة تضيق دائرتها كل يوم.*(38)

 (38): (راجع مساهمة إبراهيم أحمد عمر في مؤتمر القطاع السياسي الأخير لحزب المؤتمر الوطني نوفمبر 2011 وكتابات التيجاني عبد القادر وعبد الوهاب زين العابدين والطيب زين العابدين وحيدر إبراهيم)

بالإضافة إلى كل ذلك صارت الخدمة المدنية كما هو الحال في أغلب الأنظمة الشمولية الاقصائية القابضة معادية للشعب لا ترى فيه إلا بقرة حلوباً وذلك بالضرائب الجائرة والجبايات.

ان الخدمة العامة الخادمة للشعب من أهم ركائز دولة الرعاية التي تقدم الخدمات للشعب وتساعد وتحفز المواطنين على المشاركة  بكل توجهاتهم وأوضاعهم الاجتماعية لذا تحتاج الخدمة العامة الى اصلاح جذري لتصير خادمة وراعية لكل الشعب فهي من أهم ركائز دولة الرعاية بجانب منظمات المجتمع المدني الديمقراطية والأحزاب السياسية الديمقراطية لأنها هي التي تخضع الخدمة العامة للمساءلة والمحاسبة حتى تلبي كل مطلوبات الحكم الراشدالأخرى استجابة لرغبات الشعب.

ان دولة الرعاية تقوم على الديمقراطية التشاركية خاصة على المستوى القاعدي الذي يلعب فيه الشباب والنساء الدور الرئيسي بعيدا عن السلطوية والبيروقراطية القاتلة والفساد وتحقير المواطن واغتيال كرامته في حياته المعيشية وفي كل لحظة من لحظات حياته الأمر الذي يجعل المواطن في حالة اغتراب دائم في علاقته مع الدولة من ما يمكن أن يؤثر على علاقته المستقبلية مع دولة الرعاية.

إن الحكومة الالكترونية التي تسعى اليها الدول في العالم العربي والأفريقي ستزيد من اغتراب المواطن عن الدولة وستزيد من قبضة الدولة الأمنية على المواطن اذا لم تتغير الدولة وتصير دولة رعاية تستخدم الحكومة الالكترونية لخدمة المواطنين.