د.ناهد محمد الحسن يقول الباحثون إنّ هنالك أكثر من 50 الف خاطرة او فكرة تعبر عقل الانسان يوميا..فهل نحن مدركون لهذا الحديث العقلي الذي يستمر دون توقف مع الذات..؟!

الحقيقة انه في احيان كثيرة تتسلل تلك الافكار وتغلف هذا الحوار الداخلي دون وعي منّا..لكنها تعبّر عن نفسها عبر مشاعر الانقباض او الفرح التي لا ندري من اين جاءت او في المواقف التي نتخذها والخيارات التي نختارها ولا ندري من أين اتينا بكل هذا الحماس..! إنه عقلنا وأفكارنا المتزاحمة طوال اليوم والتي قد تلقي بظلها على مشاعرنا واحاسيسنا وتفاقم عزلتنا وغربتنا من أنفسنا ومن الاخرين. بعض هذه الاحاديث قد تكون كتعليقات محايدة نوعا ما مثل : احب الوان الزيت او أقمشة الحرير…وقد تكون اكثر حدّة : مثل انا فاشل ، او سأنهار فور مواجهتي للجمهور، انا لا اصلح لشيء او هي تكرهني..انا بغيض..! اذا فكّرنا في صديق يهمنا رأيه يلازمنا طوال الوقت ويلاحقنا بتعليقات سالبة او موجبة من شأنها ان تعزز احاسيسنا الايجابية او السلبية تجاه أنفسنا ووعينا بذاتنا.. يمكننا ان نفهم هذا المونولوج الداخلي ..نختبر جميعنا لحظات متفاوتة من الحوار مع هذا الصديق ..الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة..يمدّنا بالحبور ويجرحنا بتعليقاته السالبة..يدفعنا للمواجهة او يرينا وجهة الهرب…اننا نرزح طويلا ونتلوى بحزن من وطأة هكذا صداقة..دون ان نميز ملامح هذا الصديق ولا نحدّد موقفنا منه..فمن منا بحاجة إلى أي عدو ان كان لنا صديق يمكنه ان يكون بهذه القسوة..كما قال نيتشة في هكذا تحدث زرادشت، “ولكن أسوأ عدو يمكنك أن تلتقيه سيكون انت دائما، كنت تتربص بنفسك في الكهوف والغابات. وحيدا، وأنت تعبر في الطريق الى نفسك! وفي الطريق الى ماضي ذاتك ، وماضي شياطينك السبعة! وسوف تكون زنديقا لنفسك وساحرة وكاهناً ومجنوناً والشكاك وغير المقدس والشرير. يجب أن تكون على استعداد لحرق نفسك في الشعلة الخاصة بك: كيف يمكن أن تبعث، إذا لم تكن في البدء رماداً “؟

إنّ هذه الخواطر والافكار هي المسئولة عن مزاجنا العام والاحزان والافراح التي تعترينا دون ان نعيها..وهي المسئولة عن قراراتنا وخياراتنا…وليست بالضرورة صحيحة وقد تكون عائقا امام كل الخيارات التي نشتهيها ونرغب فيها..فكيف نتحرر منها..؟ ان اشهر النظريات النفسية التي ولّدت ما يعرف بالعلاج المعرفي السلوكي تعود لالبرت اليس وارون بيك والتي تقوم اساسا على مراقبة هذه الافكار والتعرف عليها وتصويبها ..وقد شرح نموذج العلاج المعرفي السلوكي تلك الاخطاء الشائعة في التفكير التي من شأنها ان تعزز او تصنع مزاجا كئيبا لدى الفرد وتدفعه لحالة من اليأس والتسليم..نختبرها جميعا بدرجات متفاوتة..منها الطريقة المتطرفة في التفكير التي لا تعترف بجماليات اللون الرمادي ( يا ابيض يا اسود) او ( كما يقول قاسم ابوزيد: ما تبقي رقراق..ابقي يا ضل يا شموس)…هذه الطريقة في التفكير لا تقبل الحلول الوسط ولا تعترف الا بثنائية عصية على التحقيق في مجمل الاحيان او ذات تداعيات غير سارة..فالمثل الذي يقول ( الاتبلبل يعوم) مثلا يدعو صاحبه لليأس والكف عن المحاولة فالبلل حالة غير قابلة للغفران..لكن الحقيقة ان البلل درجة اخف من العوم في الماء وحالة معالجتها اسهل… ليست هنالك لحظة عصية على التوقف ..او هنالك طرق تفكير اخرى اما مغرقة في الادانة مثل :(مرمي الله ما بترفع..) …اي عليك ان تكف عن المحاولة فأنت مكتوب لك هذا الفشل او هذا السوء لن تقدر على تغيير اقدارك ..اننا نستخدم العبارات الحتمية ونستوجب في افكارنا ما لايجب بالضرورة…كما اننا نعلن حالات من العجز وعدم القدرة على الاحتمال وفي كثير من الاحيان نقفز باتجاه الخلاصات الاعتباطية كأفكار من نوع انا فاشل..هي تكرهني..لا يمكن اصلاح الامور..انتهى كل شيء…

اول الطريق نحو التحرر من هذه الافكار هو بالتعرف عليها..انصتوا لتراقبوها وتلاحظوها..ويمكن ان تبدأوا بتعقبها عبر الاحاسيس والعواطف غير السارّة التي تنتابكم اثناء اليوم…امسكوا بتلابيب تلك اللحظات واقتفوا اثرها في مشاعركم واعرفوا الافكار التي كانت وراء ظهورها…قوموا بتدوين تلك الافكار واخضعوها للتقييم الواعي مرّة اخرى…هل من الضروري ان تكون يا أنا يا انت؟ يا انت يا أغرق؟ يا اسود يا ابيض؟ هل يمكن ان تكون هنالك جوانب لم ندركها ..ماذا لو كانت رمادية ..اليست فرصة للتعرف على جماليات اللون الرمادي؟ لقد غنّى محمد المكي ابراهيم..( الله يا خلاسية..يا بعض عربية وبعض زنجية.. وبعض اقوالي امام الله)…اين انتهت بنا حمّى الثنائيات والاستقطاب العرقي واللوني بين العروبة والافريقانية…ذلك التجاذب الذي لم يقبل لوناً آخر وهوية جديدة..اغرق هذا البلد في الازمات…عاطف خيري تحدّث بجمال عن تلك اللحظة المليئة بالارتباك.. وغيرالأكيدة..

 ( يا صالحة..

لا مرّة منك جيت،

 لا فتّ منك فوت،

 دايما معلق بين،

 بين الحياة والموت،

 ادخل ضلام الناس،

 نورك يجيني خيوت،

 قبال اقع في الضو،

 جواك سندني خفوت)…

علينا ان نخضع فرضياتنا وخلاصاتنا للتقييم من جديد..ونديرها في كافة الوجوه..اذا اعتذر احدهم عن استقبالك في منزله قد تغرق في الحزن من جراء خاطرة تتملكك وتقول لك ان فلاناً يكرهك..ربما اذا قلت لنفسك انا عظيم وكل الناس تحبني ستجد هذا التطمين مبالغاً فيه ولا يؤدي للغرض لكن اذا قيمت الوضع من كافة جوانبه وجمعت الادلة والقرائن مثلا التي تقول ان فلان قد سبق واستقبلك اكثر من مرة في منزله او انه قد دعاك من قبل لتزوره، او قام بزيارتك من ما يدل على انه يسعد بصحبتك ويرغب فيها..ربما لفلان هذا ظروف اسرية او لها علاقة بالعمل تجعله غير قادر على استقبالك..الاعتذار لا يعني بالضرورة الكراهية…ونحو ذلك..وكلما كانت طريقتكم في التحليل واقعية ومنطقية كنتم اكثر قدرة على التخلص من الافكار السالبة…

ان تنقية الافكار ..تنقي المشاعر ..تجعلكم اكثر قبولا لانفسكم ولديكم متسع ورحابة للاخرين..انها تحسن الوعي بالذات وتزيد من تقدير الذات.. تفاقم القدرة على تحمل الاحباط والقلق..انها شرطي المرور النشط والواعي ..الذي يحسّن حركة السير بين القلب والعقل والعالم من حولكم..يقلل الاختناقات..ويفتح الممرات…ويوصلنا الى مقاصدنا بصورة اسرع…

محطة اخيرة

وَرَاءَ الضَّجَرِ وَالأَحْزَانِ الْكَبِيرَة
الَّتِي تَنُوءُ بِوَطْأَتِهَا عَلَى الْوُجُودِ الضَّبَابِي،
سَعِيدٌ مَنْ يَسْتَطِيعُ، بِجَنَاحٍ قَوِي،
الانْطِلاَقَ إِلَى الْحُقُولِ الْمُضِيئَةِ السَّاكِنَة!

مَنْ تَقُومُ أَفْكَارُه، مِثْلَ الْقُبَّرَات،
بِانْطِلاَقٍ حُرٍّ فِي الصَّبَاحِ إِلَى السَّمَاوَات،
مَنْ يُحَلِّقُ فَوْقَ الْحَيَاةِ، وَيَعِي بِلاَ عَنَاء
لُغَةَ الزُّهُورِ وَالأَشْيَاءِ الصَّامِتَة

(من قصيدة سمو لبودلير )