11/5 التحديات التعليمية والعلمية للخدمات العلمية جانبان مهمان هما التعليم والبحوث: التعليم لقد تدهورت المؤسسات التعليمية في كل مراحل التعليم بسبب المناهج العقيمة التي لا تلبي احتياجات سوق العمل فحسب بل ولا تؤهل الشباب للولوج في مجتمع المعرفة .*(39)

 

(39): ( مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، تقرير المعرفة العربي للعام 2010-2011- اعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة في العالم العربي، دبي 2011)

هذا وقد أفرغ التوجه التجاري للقائمين على مؤسسات التعليم الخاص والحكومي، الا من رحم ربي، هذه المؤسسات من المحتوى العلمي العميق فلم يعد التعليم ومخرجاته يمهد للارتقاء الى مصاف الدول المتقدمة. ان القدرات المعرفية والقوة المعرفية صارت هي المدخل للنصر في معركة العولمة الشرسة والمنافسة في أسواق العمل الداخلية والخارجية، فالمناهج  الحالية لا تلبي مطلوبات سوق العمل ولا تلبي طموحات الشباب للانفتاح على ثقافات العالم الانسانية ويؤكد ذلك الفقر اللغوي لدى الشباب (04)*

البحوث

لقد انهارت مؤسسات البحوث تماما وقد خلا الانفاق العام في الأعوام الأخيرة من أي صرف على البحوث والمكتبات. والمعروف أن البحوث والاصدارات الوطنية هي قاطرة المعرفة والمحرك المعرفي لعجلة الاقتصاد والاصلاح الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

لقد عرف الباحثون والعلماء السودانيون بمستوياتهم العالية على المستوى الاقليمي والعالمي في العلوم الزراعية والبيطرية كما عرفوا بالتزامهم بقضايا الشعب واخلاصهم له تدعمهم في ذلك منظماتهم ومجالسهم المهنية. ومازال مجتمع البحوث يزخر بهذه الصفات حتى بعد أن ألمت به الملمات. لذلك لابد من احياء هذه التقاليد الضرورية لبناء بحوث دولة الرعاية الاجتماعية التي ترفع من الانتاج وتعظم الفائض الاقنصادي والتي تساعد دولة الرعاية وكل المجتمع للقيام بمسئولياته الاجتماعية. لقد غلب على الباحثين في السنين الأخيرة التفكير التجاري بسبب ضيق ذات اليد وتدهور دخولهم، لذا لابد من احداث اصلاح جذري في مجتمع البحوث والعلوم لبناء البحوث العلمية التي تدعم بناء دولة الرعاية. وترفد الجامعات في مؤسسات التعليم الأخرى بالمخرجات المطلوبة لذلك.

11/6 التحديات الثقافية

للتحديات الثقافية جانبان: الآحادية الفكرية والثقافية من جانب والجهوية والقبلية والعنصرية من الجانب الآخر.

(40) Dr. Mohamed ElAmin Ahmed El Tom, Higher Education In Sudan Towards A New Vision For A New Era, Fredrich Ebwrt Foundation, June 2006

ان الآحادية الثقافية التي ترفض الانفتاح الفكري على الآخر وتغتال الحرية الفكرية بالعنف وغيره ولا تعترف بالتنوع الثقافي والتعددية الثقافية، ترمي بالوطن في أحضان المجموعات الاستبدادية التي تدعي لنفسها الحكمة المطلقة وتأخذ القانون بيدها لتفرض هذه “الحكمة المطلقة” على الآخرين بالقوة وهذا يؤدي حتما الى اشتعال الحروب والصراعات الهادفة لتحقيق الحرية والمساواة.

ان الجهوية والقبلية تفضي الى تسييد العنصرية والاستعلاء العنصري وتدمير النسيج الاجتماعي وتفكيك التماسك الاجتماعي وتقويض رأس المال الاجتماعي الذي يقوم على الثقة المتبادلة والتكافل وقبول الآخر ونبذ العنف والحوار للوصول للتوافق الوطني حول القضايا القومية.

من أخطر التحديات الثقافية تداعيات عطالة الشباب الذي يقتله الفراغ الفكري والثقافي فيلجأ الى توظيف طاقاته الهائلة في مسارب أخرى كالجريمة والانحراف بدلا من العمل والتعلم وخدمة المجتمع والتطوع في قنوات العمل العام، يحدث كل ذلك في ظل تدهور مخرجات التعليم التي لا صلة لها بعالم  العمل والعلم الحديث والفكر الابداعي وقيم الثقافة الانسانية.

ومن التحديات الثقافية أيضا، انتشار التصحر الثقافي وأهم تمظهراته هي غياب المكتبات العامة والمتاحف والمسارح في المدن والقرى وفي الأحياء الشعبية وأخطر ما في هذا الجانب هو غياب المكتبات في المدارس والجامعات.

ان الرسوم الجمركية العالية والضرائب المختلفة المفروضة على الكتب والمجلات والمطبوعات وورق الطباعة وغيرها من مدخلات صناعة الكتاب تشكل عائقا كبيرا امام نشر المعرفة من ما يساعد على التسطيح والتصحر الثقافي.

ان دولة الرعاية لابد أن تقوم بالتحفيز الفكري للمواطن فهي الحاضنة لثقافة التنوير والفكر الذي يقود الى عوالم المعرفة والفن الذي يساعد على التواصل بين المجموعات المختلفة في الداخل والخارج.

11/7 التحدي البيئي

ان أهم جوانب التحدي البيئي هو التدهور البيئي بفعل الانسان. وأهم مظاهره التصحر وانحسار الغطاء النباتي ومهددات الأمن الغذائي والمجاعات.

ان البيئة الطبيعية والبيئة المنشأة بعمل الانسان هي الحاضنة لنشاط الانسان بشكل عام وللنشاط الاقتصادي بشكل خاص، خصوصا في الريف الذي يعتمد على الموارد الطبيعية بالكامل. وفي المدن يكمن الخطر البيئي في التكدس البشري وتدهور صحة البيئة في الأحياء والأسواق خاصة في الخريف بالاضافة لتلوث المياه وانتشار الانشاءات العمرانية العشوائية والتعدي على الأراضي العامة وغياب استراتيجيات استغلال الأراضي والانتفاع بها كمورد عام.

تهتم دولة الرعاية بالبيئة الطبيعية والبيئية المنشأة لأنها من نعم الحياة وأساس العمل والترويح، لذلك لابد من وقف التدهور البيئي في الريف والمدن وذلك يتم بالتخطيط السليم  ووضع استراتيجية لاستعمال الأراضي تقوم على احترام حقوق الانسان وخاصة الحق في الحياة وتوقف الاستيلاء على الأراضي من قبل مؤسسات الدولة والأفراد خاصة الميادين والحدائق العامة في الأحياء السكنية. كما تجب مراجعة السياسات التنموية خاصة تلك السياسات المتعلقة بالسدود والطرق.

ستجد دولة الرعاية نفسها في مواجهة الأخطار الجسيمة للتنمية العمرانية العشوائية في المدن والتي تخضع لمصالح الفئات الحاكمة والاستحواذ الجائر على الأراضي من قبل النخب السياسية الحاكمة.

12 الفرص المتاحة أمام تأسيس دولة الرعاية في السودان

إن التحديات السابقة يمكن أن تتحول الى فرص لاقامة دولة الرعاية اذا وجدت الوسائل المناسبة لمواجهتها. ولكن الفرص المباشرة عديدة  ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

12/1 البيئة المجتمعية القيمية

إن الكثير من القيم والمبادئ  الايجابية ما زالت قوية  في المجتمع السوداني بالرغم من التغيير السلبي الذي ألم بها ويجب احياءها وتحريكها لتكون هي القيم والمبادئ الهادية لحركة المجتمع ولتأسيس دولة الرعاية ولهذه القيم والمبادئ جانبان هما:

الجانب الديني.

 الموروثات القيمية من المجتمع التقليدي.

الجانب الديني

إن قيم الدين الاسلامي والدين المسيحي قيم جماعية ترسخ مبادئ انكار الذات والايثار والتفاني في الجماعة وخدمتها، هذا بجانب أن هذه القيم تلزم الحكام والدولة بالمسئولية الاجتماعية نحو مواطنيها ويتضح  هذا في كثير من الآيات والأحاديث وآثار الصحابة. ومن الأمثلة على ذلك قول سيدنا عمر رضي الله عنه: ” ولَّانا الله على هذه الأمة لنسد لهم جوعتهم ونؤمن لهم حرفتهم، فان عجزنا عن ذلك اعتزلناهم”

وقوله: ” لو تعثرت بغلة في العراق لسئلت لِمَ لَمْ أسوِّ لها الطريق”

الموروثات القيمية من المجتمع التقليدي

بالرغم من أن القاعدة المادية للمجتمع التقليدي وأهمها الملكية الجماعية لوسائل الانتاج  وجماعية الانتاج والاستهلاك الجماعي بدأت تتفكك وتنحسر الا أن قيم الجماعية والمسئولية الاجتماعية ما زالت قوية في المجتمع السوداني واذا لم يتم استيعابها في مواعين ومؤسسات جماعية جديدة فانها زائلة لا محالة ولكن اذا تم استيعابها في مؤسسات جديدة تحكمها المؤسسية وحكم القانون والمحاسبية والمساءلة، فانها ستبقى وتتطور في أشكال مختلفة لتصير هي نظام الحماية الاجتماعية الحديثة والا فستكون هذه القيم الجماعية الموروثة حاضنة للقبلية والجهوية والزبائنية السياسية.

12/2 القاعدة الاجتماعية

لابد من قاعدة اجتماعية عريضة وقوية وصلبة لتأسيس دولة الرعاية الاجتماعية ونرى أن عناصر هذه القاعدة يمكن أن تتكون من العناصر والشرائح التالية:

القاعدة الاجتماعية العريضة في المدن وخاصة العاملين في القطاعين المنظم وغير المنظم  وبالطبع العاملين بأجر في القطاعين العام والخاص.

 قاعدة المزارعين والعمال في المشاريع المروية وهم منظمون والمزارعون في القطاع المطري التقليدي وهم غير منظمين بالاضافة الى الرعاة ومنهم الكبار المنظمون في اتحاد الرعاة وآخرون هم صغار الرعاة غير المنظمين والوصول اليهم صعب ولكنهم يشكلون جزءا مهما من القاعدة الاجتماعية المقصودة ثم هناك العمال الزراعيين الموسميين في الزراعة الحديثة المروية والآلية وهؤلاء غير منظمين ويمكن تنظيمهم عبر الخدمات التي يحتاجون اليها بشدة.

 قواعد الحزبين الكبيرين في المدن والريف الذين ابتعدوا من السياسة وربما من الحزبين وهم يرزحون تحت الضغوط الاقتصادية  والاجتماعية بسبب سياسات النظام الاقصائية والتمييزية وفي داخل هذه المجموعة يلعب الشباب والنساء دورا مهما ومؤثرا اذا تم تنظيمهم ومخاطبتهم بالوسائل المناسبة.

 مجموعات الشباب من الخريجين والخريجات التي تعاني من العطالة وشظف العيش وهي تحتاج لغذاء فكري وللشعور بالانتماء بسبب الضياع الفكري والاجتماعي.

 المجموعات الطرفية المسلحة وغير المسلحة وخاصة الشباب منهم والتي لابد من  تنظيمها في مجموعات سياسية فهي أهم المجموعات في الأطراف.

12/3 فشل نموذج الحكم الحالي

لقد فشل نظام الحكم الحالي خاصة في الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وبدأت الأصوات الناقدة  الرافضة لسياسات النخب الحاكمة ترتفع من ما سيؤدي الى التشظي في جبهة الحكم ويضعف القبضة الأمنية والاقصائية للنظام.

12/4 أجهزة الاعلام

هذه الأجهزة تزخر بالشباب من الجنسسين ذوي وعي سياسي واجتماعي عالٍ سيكون درعا قويا في الدفاع عن مبادئ وأهداف دولة الرعاية وصونا قويا ضد أي انحرافات وأخطاء في مرحلة التأسيس وبعدها.

12/5 الأحزاب السياسية

هناك عدد من الأحزاب السياسية الديمقراطية مرتبطة بقضايا الشعب ويغلب عليها العناصر الشبابية والنسائية التي تدفع هذه الأحزاب في اتجاه حركات اجتماعية تشارك في تأسيس دولة الرعاية.

126 المجتمع المدني

هناك مجتمع مدني حي ونشط بدأ يهتم بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية. هذا المجتمع المدني يشمل أيضا النقابات بالرغم من أنها مدجنة! الا أنه   ما تزال هناك تقاليد عريقة للحركة النقابية ذات التوجه الاجتماعي القوي كما أن الوجود القوي للشباب والمرأة في منظمات المجتمع المدني يعطي هذا الفكر الاجتماعي دفعة قوية.

12/7 التوجهات العالمية والبرادايم الجديد

إن التوجهات العالمية والبرادايم الجديد في السياسة الاجتماعية أدى، ضمن ما أدى اليه، الى حق المقاضاة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

128 القطاع الخاص

هناك قطاع خاص ذو حس اجتماعي عالي والتزام بالمسئولية الاجتماعية ومعايير العمل وحقوق الانسان.