بابكر فيصل بابكر كتب اللواء يونس محمود "الرائد يونس" الإسبوع الماضي مقالا تحت عنوان "إرهاب الإخوان المسلمين" بصحيفة اليوم التالي يستنكر فيه قرار الحكومة السعودية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية

ويتساءل عن الجهة صاحبة المصلحة الحقيقية وراء تلك الخطوة.

وعلى الرغم من إدعاء اللواء يونس أنه سيُعمِلُ “العقل والموضوعية” في النظر للموضوع إلا أنه أظهر تحيزاً مكشوفاً للجماعة بتغاضيه عن حقائق أولية متعلقة بأفكارها وتاريخها.

بعد أن أطال كاتب المقال في مدح جماعة الإخوان المسلمين قال ( أما إذا أعملنا العقل والموضوعية، فإن جماعة الإخوان المسلمين على مستوى انتشارها في العالم، لم تجنح للعنف ولا تعتمده أسلوب دعوة ). إنتهى

هذا القول يناقض أفكار الجماعة التي يقول مؤسسها بوضوح ( أيها الإخوان أدعوكم للجهاد العملى بعد الدعوة القولية، سندعو كل الهيئات إلى الإسلام، فإن أجابوا الدعوة آزرناهم، وإن لجأوا إلى المراوغة والدوران فنحن حرب عليهم ولا هوادة معهم حتى يفتح الله بيننا وبين قومنا بالحق وهو خير الفاتحين ). إنتهى

الهيئات المقصودة هنا هى التنظيمات و الأحزاب والجماعات السياسية , و”الجهاد العملي” يعني إستخدام العنف ضد من يختلفون مع الجماعة, وهو الأمر الذي تمَّت ترجمته عملياً في أنشطة “التنظيم الخاص” الذي نفذ عمليات إغتيال احمد ماهر والقاضي احمد الخازندار ومحمود فهمي النقراشي وغيرهم.

هذه جماعة حربية بإمتياز لا تتورع في استخدام العنف ضد كل من لا يتفق معها, العنف موجود في شعارها الذي يزينه سيفان و مكتوب عليه “واعدوا” وليس “وادعوا”, وهو كذلك عنصر أساسي في بيعتها التي تتم على المصحف و”المسدس”, ومخطىء من يظن أنَّ هذا العنف يوجه لأعداء الأمة, هو عنف موجه لكل من يختلف مع الجماعة.

أنظر لوالد البنا وهو يخاطب أفراد الجماعة : ( استعدوا يا جنود , وليأخذ كلٌ منكم أهبته و يعد سلاحه ولا يلتفت منكم أحد , وامضوا إلي حيث تؤمرون , خذوا هذه الأمة برفق وصفوا لها الدواء فكم علي ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل , فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد , وجرِّعوها الدواء بالقوة , وإن وجدتم في جسمها عضواً خبيثا فاقطعوه , أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه . فكثيرٌ من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقرٌ , وفي عيونهم عمى). إنتهى

ليس هذا فحسب بل إنَّ الجماعة هى التنظيم الذي رضع أبناؤه من ثدي أفكار سيد قطب حول العنف و جاهلية المجتمع وتكفير المختلفين, وهى الأفكار المبثوثة في كتابه “في ظلال القرآن” الذي إستل منه الكتيب الذي أضحي بمثابة المرجعية الأساسية للعنف وهو كتاب “معالم في الطريق”.

قال النائب الأول السابق لمرشد الجماعة بمصر الدكتور محمد حبيب أنَّ التنظيم الدولي كلف في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم الدكتور يوسف القرضاوي بتنقيح كتاب “في ظلال القران” من كل ما يتعلق بالعنف والتكفير وأعطاه مدة ثلاثة أشهر لإنجاز المهمة, ولكن المهلة الزمنية مرَّت دون أن يكمل القرضاوي عمله وعندما سأله عن سبب التأخير كان ردّه : ( انقح ماذا ؟ ده الظلال بيرشح تكفير ).

هذا غيضٌ من فيض الأفكار العنيفة التي قامت عليها الجماعة وتاريخها الملىء بعمليات التفجير والإغتيال ضد المخالفين, وهى بديهيات تعمَّد اللواء يونس تجاهلها رغم إدعاؤه النظر في القضية بعقل وموضوعية.

لا يكتفي كاتب المقال بذلك بل يواصل في التمويه وتدليس الحقائق عندما يقول أنَّ القرار السعودي جاء ليخدم مصالح جهات بعينها, وكالعادة يقول : (  أم هو استجابة لأمر من وراء الحدود؟ خاصة الولايات المتحدة التي ترى الجماعات الإسلامية الخطر القادم على إسرائيل لأنها – أي (الجماعات الإسلامية) ومنها الإخوان المسلمون – تراها نداً عقائدياً في ديمومة الصراع بين أصحاب الحق والاحتلال الإسرائيلي ). إنتهى

يتجاهل الرائد يونس أنَّ تعاون الإخوان المسلمين مع الإستعمار و الدول الغربية ليس بالأمر الجديد, فهو امرٌ إرتبط بالجماعة منذ نشأتها وحتى اليوم, وأنَّ أوَّل تبرُّع مالي يبلغ قدره “خمسمائة جنيه” إستلمه البنا لتشييد دار الجماعة والمسجد الذي إنطلقت منه دعوتها في الإسماعيلية كان من الإدارة البريطانية لقناة السويس.

يقول البنا في مذكراته : ( وقبل أن يتم بناء المسجد بقليل، وقد أوشكت النقود المجموعة أن تنفد، وأمامنا بعد مشروع المسجد مشروع المدرسة والدار، وهي من تمامه، بل كلها مشروع واحد، تصادف أن مر البارون دي بنوا، مدير شركة القنال ومعه سكرتيره المسيو بلوم، فرأى البناء، فسأل عنه وأخذ عنه معلومات موجزة، وبينما أنا في المدرسة إذ جاءني أحد الموظفين يدعوني لمقابلة البارون بمكتبه بالشركة، فذهبت إليه فتحدث إليَّ عن طريق مترجم بأنه رأى البناء، وهو يود أن يساعدنا بتبرع مالي، وهو لهذا يطلب منا رسمًا ومذكرة للمشروع، فشكرت له ذلك وانصرفت، ووافيته بعد ذلك بما طلب ). إنتهى

قد إستخدمت أمريكا الإخوان المسلمين كأحد ادوات محاربة الإتحاد السوفيتي والشيوعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية, وكان “سعيد رمضان” زوج إبنة البنا هو مهندس تلك العلاقة , وهو من وطَّد أركان التنظيم الدولي في أوروبا التي إستقر بها بعد هروبه من مصر, واستمر التعاون بين الطرفين حتى يومنا الراهن, ويعلم الجميع الدور الذي لعبته امريكا في الصفقة التي تمت في اعقاب ثورة يناير بين المجلس العسكري في مصر والاخوان وهو الدور الذي مهَّد لإستلام الجماعة السلطة.

لا يكتفي الرائد يونس بتجاهل الحقيقة بل يقع في تناقض مكشوف عندما يُوحي بأنَّ سبب القرار السعودي هو : ( ردٌ على دولة قطر التي تدعم اتجاه الإخوان المسلمين في مصر باعتبارهم أصحاب حق أصيل مسلوب ؟ ومن وراء ذلك غيرة من النجاحات القطرية، وشغلها لكل مساحات العمل السياسي، والأمني، والخيري، والإنساني، في المنطقة بمبادراتها الذكية والشجاعة ). إنتهى

لا يجد الرائد يونس حرجاً في الإشادة بالنجاحات القطرية في الساحات السياسية والأمنيَّة, مع أنَّ قطر هى أحد أكبر حلفاء أمريكا في المنطقة, ففي أراضيها توجد قاعدة “السلية” وقاعدة “العديد” الجوية, والأخيرة يوجد فيها المقر الميداني للقيادة الأمريكية العسكرية المركزية للمنطقة الوسطى من العالم الممتدة من آسيا الوسطى للقرن الأفريقي.

إنَّ تجاهل هذه الحقائق يوضح الإنتقائية التي يتعامل بها الإخوان المسلمون مع القضايا السياسية ومحاولة إلباسها لبوس الدين, فالمرشد الروحي للجماعة الشيخ القرضاوي يسكن في نفس البلد الذي يضم هذه القواعد الأمريكية ومع ذلك لا ينتقدها بكلمة واحدة لأنَّ قطر تقدم كل الدعم للجماعة, وإذا تغيَّرت الأحوال في المستقبل ووقع خلاف بين الإخوان وقطر سيقول الرائد يونس وأمثاله إنَّ قطر ليست سوى إمارة أمريكية.

يتعمَّد الرائد يونس تجاهل السبب الحقيقي وراء إتخاذ السعودية لقرار تصنيف الإخوان كمنظمة إرهابية, و السبب – في رأي كاتب هذه السطور – يتمثل في أنَّ المملكة تجمَّعت لديها معلومات مؤكدة عن أنشطة وأدوار معادية تقوم بها الجماعة , ولا أعتقد أنَّ هذا القرار قد أتخذ بين عشيَّة وضحاها فالمعروف عن السعودية أنها لا تتخذ القرارات الكبيرة إلا بعد تأن ودراسة.

خصوصاً وانها كانت أكبر دولة عربية دعمت و ساندت الإخوان المسلمين, منذ حياة الشيخ البنا, وحتى محنة الجماعة في مواجهتها مع النظام الناصري, وإلى وقتٍ قريب, حيث فتحت المملكة أراضيها لآلاف الإخوان الذين فروا من مصر, ووفرت لهم فرص العمل, وأعطتهم حرية الحركة والتنظيم وجمع الأموال.     

غير أنَّ الجماعة لا تسعى لشىء سوى تحقيق مصلحتها الخاصة الهادفة للسيطرة على الدول العربية والإسلامية بأية طريقة من أجل الوصول لهدفها النهائي الذي قال به الشيخ البنا وهو “أستاذية” العالم.

فالجماعة لا تعترف بحدود الدول, ولا تؤمن بمفهوم الوطنية, وأعضاؤها يلتزمون فقط “ببيعتهم” للمرشد وليس لرئيس الجمهورية أو رأس السلطة الحاكمة في البلد المعيَّن, وولاؤهم كاملٌ للتنظيم الدولي وليس للوطن الذي يعيشون فيه.

يقول الشيخ حسن البنا في توضيح الفارق بين فهم الجماعة للوطنية وفهم الآخرين لها : ( أما وجه الخلاف بيننا وبينهم فهو أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجعرافية ). إنتهى

ويقول سيِّد قطب : ( لا رابطة سوى العقيدة، ولا قبول لرابطة الجنس والأرض واللون والوطن والمصالح الأرضية والحدود الإقليمية إن هى إلا أصنامٌ تعبدُ من دون الله ). إنتهى

لا شك أنَّ المواطن السعودي الذي ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين و يؤمن بهذه الأفكار لن يجد حرجاً في مناصرة إخوانه في الجماعة في بلاد أخرى, أو في تنفيذ تعليمات مرشد الجماعة أو التنظيم الدولي حتى ولو كانت تلك التعليمات ضد المصلحة الوطنية كما تراها الدولة السعودية وهذا هو الأساس الذي يُفسِّر القرار السعودي.

من الواضح لكل مراقب للأوضاع السياسية أنَّ هناك تحولات كبيرة تجري وتحالفات إقليمية تتشكل في المنطقة, وفي هذا الإطار تشعر السعودية ودول الخليج بمخاطر ومهدداتٍ جدية لأمنها القومي. هذا التهديد يتمثل في تمدُّد النفوذ الإقليمي لإيران, وهو الأمر الذي بدأ يظهر بوضوح في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق.

هذه التغييرات هى التي دفعت السعودية للرمي بثقلها – على عكس رغبة أمريكا – في إتجاه مساندة التغيير الذي وقع في مصر وأزاح الإخوان من السلطة, وقد كان الدافع الحقيقي لهذه الخطوة السعودية هو قطع الطريق أمام سيطرة الإخوان على اكبر دولة عربية وتوجيه دفتها نحو خدمة المصالح الإيرانية في المنطقة.

وهنا تكمن مفارقة توضح المدى الذي يمكن أن تصل إليه تحولات “المصالح السياسية” في تغيير الأحلاف, ففي الماضي إلتقت مصالح السعودية مع الإخوان المسلمين في محاربة الدولة المصرية الناصرية, واليوم تلتقي مصلحتها مع الدولة المصرية في مواجهة الإخوان.

إذاً القرار السعودي هو قرار أملته “مصالح الدولة” بحسب رؤية قيادتها, ولن تجدي محاولة الإخوان تصوير الخطوة وكأنها إستهداف امريكي للجماعة, فالمتابع بدقة للعلاقة الامريكية السعودية في الوقت الراهن يدرك للوهلة الأولى أنها ليست في أفضل أحوالها.