رشا عوض (السودان بلد تغيرت خارطته الجغرافية بانفصال ثلثه عنه، وربما تتغير الخارطة الحالية قريبا بذهاب احد او كل الأقاليم التي تشتعل فيها الحرب الآن، ورغم ذلك القاسم المشترك الأعظم بين الأحزاب السياسية السودانية في الحكم والمعارضة هو حرمة الحديث عن تغيير القيادات!

إذا كانت خارطة الوطن تغيرت! أليس هذا سببا كافيا لاعتزال القيادات السياسية السودانية للعمل السياسي من تلقاء نفسها ودون ان يطالبها احد بذلك؟ ماذا ينتظرون وقد تسرب الوطن من بين أيديهم؟)

طرحت العبارات أعلاه للنقاش في صفحتي على (الفيس بوك) ومن ذلك النقاش تولد السؤال الذي جعلته عنوانا لهذه المقالة.

عندما أثير موضوع تكلس حياتنا السياسية وأتساءل لماذا لم تظهر قيادات جديدة برؤى وأفكار ومناهج جديدة رغم الحاجة الملحة لهذا التجديد،فإنني أقصد بطرح هذا التساؤل دعوة جادة جدا لنقد واقعنا السياسي بصورة شاملة لا تغفل أيا من مكونات هذا الواقع -حتى أنا رغم محدودية تأثيري وخفة او انعدام  وزني السياسي لست استثناء من النقد_ وبالتالي فإن أبناء وبنات جيلي وأبناء وبنات الجيل الأصغر الذين يتصدون لقضايا الشأن العام وعلى رأسها السياسة عليهم ان يجتهدوا في تقييم أنفسهم وما يقومون به من أدوار في الحياة العامة بعقلية نقدية لا تقل صرامة عن تلك التي ينتقدون بها المهدي او الترابي او الميرغني او قيادة الحزب الشيوعي أو الحركة الشعبية، قناعتي الشخصية التي عبرت عنها بوضوح في مقالات مفصلة هي ان جميع قيادات السودان السياسية وبلا استثناء ارتكبت من الأخطاء الاستراتيجية ما يكفي لأن يجعلها تتنحى عن القيادة السياسية، اما قيادات الإنقاذ وعلى رأسها الترابي والبشير فقد ارتكبت في حق هذا الشعب جرااائم وليس مجرد أخطاء ولذلك فهم الأولى ليس بالتنحي بل بان يتواروا خجلا من اعين السودانيين ما تبقى من عمرهم لا ان يتطلعوا  لدور في قيادة السودان نحو المستقبل!

نقد القديم مشروع بل واجب تمهيدا لتجاوزه تجاوزا واعيا، ولكن على الشباب والشابات ان لا يعتقدوا/يعتقدن انهم / انهن بالإسهاب في الحديث عن أخطاء وإخفاقات الكبار قد أنجزوا 90% من مشروعهم النضالي! عليهم ان ينكبوا على إنجاز مشاريعهم البديلة وتجويدها لتفرض نفسها فرضا على الواقع نتيجة قبول المجتمع لها والتفافه حولها انطلاقا من قناعتة بجدواها! عليهم ان يكفوا عن ترديد عبارة(أفسحوا المجال للشباب) و(أعطو الشباب فرصة)ويقتحموا الساحة السياسية بأفكارهم وأقوالهم وأفعالهم الناضجة والمميزة التي تجعلهم أهلا للقيادة في نظر الشعب وليس في نظر أنفسهم! عليهم ان يحسنوا اقتناص الفرص لرفع قدراتهم وتأهيل أنفسهم بعلوم وفنون ومهارات العمل العام لأن الفئة العمرية وحدها لا تصلح ان تكون جواز مرور إلى القيادة!

والأهم من ذلك، علينا جميعا عندما نخوض في شأن النهوض بالسودان ونقد الممارسات السياسية التي أوصلته إلى حالته البائسة الماثلة أمامنا الآن علينا ان لا نقع في فخ التبسيط، فنبحث عن مشجب واحد لنعلق عليه كل الخيبات ونستريح من مشقة  البحث، ونهرب من تحمل ما يلينا من المسئوليات، مثلا، عندما اطرح في الفيس بوك  نقاشا حول قضية جزئية مثل عدم تداول القيادة في الأحزاب السياسية السودانية  أقرأ كثيرا من المداخلات التبسيطية من شاكلة (سبب نكبة السودان هو الطائفية) ، (ازمتنا هي السيدين) ، (الصادق والميرغني مكنكشين في السلطة) رغم ان عدم تداول القيادة بل وعدم مشروعية مجرد طرح هذه الفكرة ليس حكرا على الأحزاب التقليدية، فالأحزاب الحديثة  من الحزب الشيوعي وأحزاب البعث يسارا وحتى احزاب الاسلاميين(جبهة اسلامية ثم مؤتمر وطني ومؤتمر شعبي) يمينا شريكة للأحزاب التقليدية في هذه الخاصية، مما يعني ان المشكلة تحتاج لنقاش أعمق.

 النخبة السياسية السودانية تمر بحالة فشل جماعي، ويجب ان تقود هذه الحالة الى حالة تواضع جماعي واتفاق جماعي على ان ينصرف كل تيار الى استكشاف جذور اللا ديمقراطية فيه، واستكشاف اوجه القصور في رؤاه وبرامجه وآليات عمله، نحتاج الى اعتراف جماعي بالفشل الجماعي حتى نستجمع طاقاتنا للنهوض الحقيقي وليس الزائف او المتوهم، سقطت مشاريع السودان القديم عدة مرات ، وسقط مشروع السودان الجديد مرتين، الاولى عندما انفصل الجنوب، والثانية عندما اتضح بجلاء ان جمهورية جنوب السودان بقيادة الحركة الشعبية تمضي في ذات اتجاه السودان القديم فسادا واستبدادا واستخفافا بالتنمية وتبلدا تاما في الحس الانساني تجاه البشر الذين اندلعت الحروب باسم تحريرهم وإنهاء التهميش الواقع عليهم،

هذا لا يعني النظرة العدمية لكل مكونات الواقع السياسي في السودان، ولكن هذه الصرامة النقدية مطلوبة بإلحاح من الشباب المتطلعين لتوحيد ما تبقى من السودان على اساس نظام   ديمقراطي تعددي  فيدرالى عادل ومتطور اقتصاديا وتنمويا ، بناء سودان كهذا يتطلب بروز حركة فكرية و سياسية جديدة، بقيادات جديدة لا لتكون بديلا لكل ما هو موجود بل لتكون شريكا جديدا وكبيرا ومؤثرا في هندسة البناء الوطني، لتكون بنضالاتها المدنية السلمية وتضحياتها الكبيرة  المحسوسة الملموسة في سبيل التغيير  طرفا من أطراف توازن القوى في الساحة السياسية وجزءا من معادلة الحل السياسي في السودان، حركة تقدم للساحة السياسية النموذج المفقود فيها، حركة تجسد التنوع السوداني وتهدف الى توحيد السودان، وهذه مهمة في غاية الصعوبة لان السودان اليوم فقد الى حد كبير “ممسكات الوحدة الوطنية”، ولذلك يحتاج السودان الى حركة منظمة ترد الاعتبار لفكرة”وحدة التراب السوداني” بطريقة غير تقليدية، تبدأ ببناء جسور الثقة بين اجزاء السودان المتحاربة، وبناء مثل هذه الجسور يحتاج الى أفكار جديدة وسواعد جديدة ووجوه جديدة! يحتاج السودان الى حركة فكرية سياسية تجسد الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان  وفي ذات الوقت تمتلك البرامج  وآليات العمل لتحقيق إنجازات ملموسة في طريق التنمية والعدالة الاجتماعية.

بناء مثل هذه الحركة يحتاج الى عمل منهجي، وتخطيط علمي، بعيد كل البعد عن ضوضاء الإعلام وأضواء المؤتمرات الصحفية، فالظهور الاعلامي والحشود الاحتفائية يجب ان تكون تتويجا لمسيرة “عقد كامل” على الأقل  من التفكير والتنظيم ووضع لبنات البنية المؤسسية،

وفي هذا السياق فأنا لا اتحدث عن حركة فكرية وسياسية يجب ان تتشكل اليوم، ثم تملأ الدنيا سؤالا وجوابا عن كل أزمات السودان، وتراود القائمين على أمرها أحلام الزعامة والنجومية المبكرة، بل اتحدث عن حلم نبيل ومشروع ومطلوب بإلحاح في واقعنا البائس، وهو بروز تيار جديد يتصدى باقتدار لتجديد الحياة السياسية في السودان، يبدأ برؤية نقدية “أمينة ومسؤولة ” للأداء السياسي في سودان ما بعد الأستقلال، لمعرفة جذور الأزمة الراهنة،  ومن ثم بلورة رؤية جديدة لتغيير بنيوي، وتغيير أدائي، وهذا يتطلب كدحا طويلا في التنظيم وبناء القدرات، وتكريس تقاليد المؤسسية والعمل الديمقراطي، وخلق المناخ الثقافي المضاد لنمو نزعات الاستبداد والفساد،

كما يتطلب ترسيخ ثقافة “إعلاء المصلحة العامة” وهذه الثقافة تقتضي ان يتقيد التنافس السياسي المشروع على السلطة السياسية بسقوف اخلاقية لا تسمح مطلقا لفصيل سياسي بالتخريب المتعمد لمشاريع سياسية او اقتصادية تحقق مصلحة “راجحة موضوعيا” للشعب بهدف تعويق المنافس السياسي! فالدول التي تعيش مراحل”الانتقال الديمقراطي” وتعاني من هشاشة واضمحلال بائن في كل مقومات الدولة كما هو الحال في السودان، تحتاج الى سياسيين متخلقين بأخلاق”بُناة الأمم” ، سياسيين محور فاعليتهم هو “خدمة مواطنيهم” وانتشالهم من واقع التخلف وحماية اوطانهم من التفكك والضياع!

ولا بأس ان يحلم السياسي بالنجومية، ولكن عليه ان يصنع سلم الصعود الى النجومية بانجازاته الحقيقية لصالح الوطن والمواطن، وان تأبى نفسه “النجومية” التي يكون ثمنها إهدار فرصة للسلام وحقن دماء الابرياء، او ضياع فرصة اقتصادية أو تنموية أو إهدار مصلحة وطنية استراتيجية . فأي تيار جديد يجب ان يكون جديدا في”أخلاقه” قبل كل شيء، فمن ضمن أمراض العمل العام في السودان سيادة”عبادة الذات” وتقاصر البصر والبصيرة عن رؤية المصلحة العامة وهذا، مبحث طويل، وقائم بذاته!

ان الدرك الذي وصل إليه حال السودان، يستوجب التفكير في المستقبل بطريقة غير تقليدية، وهذا لا يعني ان الحياة في السودان سوف تتجمد او تتوقف إلى حين إنبعاث مشاريع فكرية وسياسية جديدة بقيادات جديدة، بل يعني ان تضبط “بوصلة العمل الوطني في السودان” باتجاه مثل هذه المشاريع، وضبط البوصلة بهذا الاتجاه، سيكون له تأثيره على كيفية تفاعلنا مع إيقاع الأحداث الراهنة.

  سوف تدور عجلة السياسة السودانية بما هو متاح حاليا من آليات وتنظيمات”معطوبة”، وفي المدى القصير من الراجح ان تتجه الامور الى تسوية سياسية مع النظام”المعطوب ” القائم حاليا ،تنتج وضعا “معطوبا” جديدا – وهذا ما تناولته تفصيلا في مقالة بعنوان(هناك تسوية قادمة مع المؤتمر الوطني فما العمل) نشرت يوم 5/ مارس الجاري بصحيفة التغيير الالكترونية، – ويبقى السؤال ، ماذ أعدت القوى التي تنشد التغيير الجذري والشامل من خطط وبرامج للتعامل مع مختلف السيناريوهات المتوقعة في السودان ابتداء بسيناريو التسوية وصولا الى سيناريو الثورة؟