د. ناهد محمد الحسن  يمر السودان هذه الايام بمنعرجات خطيرة وغير مسبوقة،  وسيكون أثرها على فكر الناس ومواقفهم ونمط حياتهم أكبر من مجرّد تغيير في الخارطة السياسية بغض النظر عن مآلات المعارك التي تدور في المنتجعات وساحات الوغى وفي قلوب البسطاء والزاهدين من الشعب السوداني.

وفي هذا وذاك ظللنا نرقب تمظهرات الازمة الفكرية والقيادية التي تبحث لنفسها عن متنفس في خضم الخيارات التي ادلهمت في الافق.

واحدى تمظهرات الازمة حمّى التغيير التي اصابت الجميع حكومة ومعارضة والتي امسكت بتلابيب افكارنا ومشاريعنا وصارت عنوانا لكل شيء حتى وان كان فارغا وبلا معنى.  فالحكومة تغير الوجوه والوزراء، والمعارضة تطالبها بتغيير المواقف والسياسات، والمفكرون يطالبونها بتغيير مشاريعها الفكرية. هنالك مجموعات شبابية تسمي نفسها “التغيير الآن” و”شباب من اجل التغيير” و”مشروع قراءة من اجل التغيير” كما لدينا صحيفتان سودانيتان باسم التغيير مع اختلاف توجهاتهما . وهذه الحاجة النفسية والعاطفية والانسانية الملحّة للتغيير، لا تنبع فقط من أزمة عميقة في الفشل فقط في التنمية والاستقرار والرفاه ونظم الحكم ..والخ. لكن من مكان اكثر ايلاما حيث تصدعت الذات السودانية وفقدت وعيها بذاتها وهويتها ومعناها. فمعنى رجل سوداني وامرأة سودانية لم يعد يحمل ذات الدلالات الماضية. فإذا كانت الرجولة في السابق تعرّف بالكرم والشجاعة والمروءة والايثار والنخوة فإن القوانين القاهرة والاقتصاد المنهار والفقر المستشري قد جرّد القيم الرجولية من سمات اساسية كالكرم، فالديوان في السودان قد تحول بفعل الضائقة الاقتصادية  للايجار للمساعدة في المعيشة اليومية. يذكّرني هذا بمجموعة من الهنود الحمر كان الزعيم فيها اكثر الرجال مهارة في استخدام الاسلحة البيضاء وقدرة على الصيد حيث تعرّف الرجولة بالشجاعة والمهارة في الصيد وحين جفت المراعي وهربت الحيوانات البرية وندر الصيد وتدخل الرجل الابيض بأسلحته الحديثة، لم يعد الهنود قادرين على مجابهة الرجل الابيض فانهزمت قيم المجتمع وغرق الرجال في الكآبة واقبلوا على ادمان المخدرات وتفكك المجتمع واستمر كذلك حتى برز وسطهم من يوظف عقائدهم الدينية باتجاه قيم جديدة ممثلة في حركة اصلاح ديني كانت ترغب في ان يتوجه الهنود نحو الزراعة التي لم تكن يوما احدى اهتماماتهم او مصدر فخرهم وتراثهم وتحول المجتمع نحو الزراعة وتبني قيم جديدة تعرّف الرجولة وازنت المجتمع واشعرت الانسان بجدواه ومعنى وجوده في الانتاج والعمل والانفاق. رغم انّ التفكك المجتمعي او بروز الازمة هو دائما اقوى محركات التغيير الا ان المجتمعات في غياب الخطاب الحقيقي والقيادة الحقيقية قد تظل في طور التحلل والتفكك لمئات السنين. ان تغيير المواقف وتغيير الاتجاهات من اصعب التجارب على البشر الذين لديهم نزعة نحو القديم والمحافظة. فالقديم الذي ظهر وترسخ في فترة سابقة يحمل قدراً من الشعور بالتكيف عليه والامان معه حتى ولو كان امانا زائفا او كان اسوأ الخيارات. ومن ذلك ان سلوكيات الناخب الامريكي الذي اجريت عليه دراسات كثيرة كانت تميل الى انتخاب الرئيس الموجود اصلا في الحكم بحكم العادة حتى ولو كان الرئيس يستحق لقب الكارثة الطبيعية عن جدارة. في قصته المعروفة بـ”سادن كنيسة القدّيس بطرس” عالج سومرست موم النزوع نحو المحافظة وتهيب الجديد وأمان القديم. فالقصّة تحكي عن رجل أفنى عمره يعمل كسادن لكنيسة القديس بطرس حتى حلّ يوم تقاعده، وبقلمه المميز حكى سومرست موم انفعالاته ومخاوفه والحجم الذي سيفتقد به مهنته وزيّه المميز وفي اللحظة التي كان فيها غارقا في اليأس والكآبة وهو يغادر الكنيسة نهائيا شعر بحاجة لتدخين سيجارة ولم يجد بائعا واحدا على طول الطريق ففكر في محل صغير لبيع السجائر بمعاش تقاعده وتحول المحل الى عشرات المحلات الى ان صار من اغنى رجال الاعمال في المنطقة وفي حفل ساهر اقتربت منه صحفية وسألته لو لم تكن رجل الاعمال والثري المعروف ماذا كنت ستكون؟! فأجابها بسرعة: سادن كنيسة القديس بطرس. قال الله تعالى: “ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”..هذه الاية الكريمة تعبر عن جوهر نظرية (فستنقر) المسمّاه التناقض الادراكي، والتي تشرح كيف ان الفرد اذا كان يحمل فكرا مناقضا لموقفه وسلوكه فإن نزاعا كبيرا ينشأ عن ذلك وجب حلّه اما بالتخلي عن الفكرة او تغيير الموقف . وفي دراسة اجراها على طائفة او جماعة دينية بنيويورك كانت تحدثت عن الكارثة التي ستحل بالمدينة وتجعلها كالصريم في تاريخ محدد. وقد قامت تلك الجماعة بالتخلص من ممتلكاتها وقضاء الليل في الابتهال والصلاة وهم على يقين ان الصباح سيصبح على نيويورك ويتركها هشيما. وحين اصبح الصباح ونيويورك على حال ألقها وبهائها راقب (فستنقر) ردود الفعل لدى الجماعة ووفقا لنظريته كانت الحادثة مناسبة ليتخلص البعض من هذه الافكار الغريبة ويغيروا مواقفهم لكن ما حدث ان الجماعة ادخلت فكرة جديدة لتتوافق بين الفكرة القديمة والواقع الحالي مفادها ان افكارهم ومواقفهم الاولى كانت صحيحة تماما وهم لن يغيروها ابدا وكل ما حدث ان الله استجاب لصلاتهم. وهذه الطريقة في فض النزاع بين الفكر والموقف هي اكبر العقبات في اتجاه التغيير لأنها تهدّئ حالة النزاع الاولى بين الفكرة التي تناقض الموقف والسلوك وبالتالي تجرّد الناس من دافع التغيير. وبهكذا افكار وتبريرات عشعش الفصام الفكري على حالنا كشعوب. انّ المدافعين عن البيئة في اوروبا وامريكا لا يركبون السيارات ويلتزمون جانب السلوكيات المحبة والصديقة للبيئة. لكن في السودان يمكن لاحدهم ان يقدّم نفسه كديموقراطي وحقوقي وهو ينظر بتعالٍ للقضايا النسوية ويراها من الامور التافهة ولا يشعر بتناقض بين الفكر الذي يدعيه ومواقفه اليومية المعادية للنساء. اشخاص قليلون وجدتهم متسقين مع مبادئهم ومايحملون من فكر ومن هؤلاء الاستاذ محمود محمد طه الذي دفع كلفة التزامه بالدّم . على التغيير ان يبدأ من الذات ويتسق مع المواقف والمباديء بإتجاه تحقيق الوطن الحلم. وللشباب الذين يحلمون بتغيير السودان ان يستحضروا في كل لحظة (خاصة في كفاحهم اليومي) هدفهم السامي بعيد المدى. وان لايهزموا في طريق حلمهم قيمة يتمنونها في مستقبلهم . وعلى الديموقراطية وحقوق الانسان والشفافية والمحاسبية ان تكون رقابتنا الذاتية لانفسنا وللآخرين حتى لا نعيد انتاج الفشل.

محطّة أخيرة:

(ديوان المسائل) لاحمد مطر

 

إن كان الغرب هو الحامي

فلماذا نبتاع سلاحه؟

وإذا كان عدواً شرساً فلماذا ندخله الساحة؟

إن كان البترول رخيصا فلماذا نقعد في الظلمة؟

وإذا كان ثميناً جدا

 فلماذا لا نجد اللقمة؟

إن كان الحاكم مسئولا

فلماذا يرفض أن يسأل؟

وإذا كان سُمُوَّ إلهٍ

فلماذا يسمو للأسفل؟

إن كان لدولتنا وزن

فلماذا تهزمها نمله؟

وإذا كانت عـفطة عـنـز

 فلماذا ندعوها دولة؟

إن كان الثوري نظيفاً

 فلماذا تتسخ الثورة؟

وإذا كان وسيلة بول

 فلماذا نحترم العورة؟

 إن كان الليل له صبح

 فلماذا تبقى الظلمات؟

 وإذا كان يخلِّف ليلاً

 فلماذا يمحو الكلمات!

إن كان الشيطان رجيماً

 فلماذا نمنحه السلطة؟

 وإذا كان ملاكاً برا

فلماذا تحرسه الشرطة؟