دعا  الدكتور حيدر إبراهيم علي المثقفين السودانيين  الى ما أسماه(ثقافة الثقافة)  مستنكرا عدم اهتمام المثقفين السودانيين بالإصدارات الجديدة من الكتب، وذلك في سياق تعليقه على كتاب الدكتور عمرو محمد عباس محجوب(الرؤية السودانية)،

وهو كتاب صدر في جزأين الاول بعنوان(انتاج الفشل، لماذا نحن هنا) والثاني بعنوان(نحو إطار عام للرؤية: إلى أين نريد الذهاب وكيف)، وقد صدرت الطبعة الأولى من الكتاب عن دار عزة للنشر والتوزيع عام 2013 ، وقد حظرت السلطات السودانية دخوله الى السودان،

وفيما يلي نص مقالة الدكتور حيدر ابراهيم علي التي تناول فيها الكتاب المحظور:

قراءة في رؤية عمرو عباس   

أبي الطبيب (أو بالأصح الحكيم)عمرو محمد عباس،إلا أن يساهم في مكافحة
الشفاهة في الثقافة السودانية-كما ذكر في المقدمة-وألا يكتفي بمكافحة الملاريا فقط كما تستوجب مهنته الأصلية.فقد أصدر كتابا من جزئين عن(دار عزة)عام2013،عنوان الجزء الأول:الرؤية السودانية-إنتاج الفشل:لماذا نحن هنا؟ وهو في 477 صفحة.وعنوان الجزء الثاني:الرؤية السودانية-نحو إطار عام للرؤية:إلي أين نريد أن نذهب وكيف؟وجاء في429 صفحة.وقد استخدم(عمرو)منهج الحكيم فقد خصص الجزء لتشخيص العلة أو سبب إنتاج الفشل.وتابع تاريخ المرض بعد عرضه علي معامل السياسة والايديولوجيا.وقد استخدم مجهرا دقيقا مكنه من رصد الأحداث بدقة تصل في بعض الاحيان درجة الاسهاب.ولكنه عمل مطلوب من أجل التوثيق،إذ يمكن أن يكون الكتاب نفسه مصدرا أو غواية لمعالجة مواضيع جديدة أشار لها المؤلف.وقد طرح سؤالا كبيرا:لماذا نحن هنا؟فهذا سؤال يتطلب تتبع التاريخ والثقافة من مراحل بعيدة كونت هذا الإنسان العصى علي الفهم.ولايكفي أن نتابعه من المهدية.نحن هنا،لأن السوداني شخصية شديد التعقيد بسبب كثرة الثقافات التي شاركت في تكوينه.فهي تحتاج مع جهد الطبيب الي المنقبين بأنواعه.تاريخنا كان يعني أن نكون بالضرورة هنا في سلم التقدم والانجاز والحقيقة.وأظن أ الطبيب الحكيم حيرته الوصفة،لأن الجزء الثاني من الكتاب من المفروض أن يكون اجابات ولكن عنوان الجزء الثاني تحلي بسؤالين أكثر تعقيدا :الي أين؟وكيف؟ فهل خشي الحكيم أن يقول أنها حالة احتضار؟رغم أن كيف قد توحي بالعلاج ولكنها خيارات مفتوحة.

أثار الكتاب لديّ تساؤلات ضرورية وهامة الي جانب المضمون والقضايا التي طرحها.أن يقوم شخص بهذا الجهد العظيم ولا يجد غير البرود والتجاهل في استقبال الكتاب.والمؤلف بالتأكيد اقتطع من وقته وجهده وصحته الكثير علي أمل أن يقدم للقارئ مساهمة فكرية تستحق التأمل والتقدير.وكان يتوقع الكثير من الحوار والمناقشة، والنقد، والدحض والقبول والاتفاق.ولكنني لم اجد عرضا واحدا لعمل بهذا الحجم.فالفكر السودني يحتاج لما يمكن تسميته”ثقافة الثقافة” وهي تعني أن الكتاب حين يصدر يحتفي به المثقفون، وفي بلاد غير السودان يفرح المثقفون حين يصدر زميل لهم كتابا، ويرسلون له التهانئ ويقيمون جلسات قراءة ،ويتم عرضه في الصفحات الثقافية.وهذه فريضة غائبة عند المثقفين السودانيين رغم تميزهم بالثرثرة واللغلغة.في الحقيقة من الاسئلة التي تحيرني كيف نطلق صفة مثقف علي من يكره الكتابة الجادة ومتابعة ما يكتب؟وتطور أي ثقافة مرتبط بالتراكم وهذا يعني الحوار والاضافة الرأسية وليس الافقية كما يحدث لدينا. فكتاباتنا متوازية تجلس جنب بعضها،دون أن ترتفع.ومن عجائب المثقفين السودانيين تعمدهم تجاهلالاشارة والرجوع الي كتابات زملائهم خشية أن يشتهروا ويعرفوا بانتاجهم!بالفعل هذه هي العقلية وراء تجاهل كاتب ما حقيقة أن زميلا له سبقه في هذا المجال.فالمثقف السوداني البائس يريد دائما أن يثبت أنه قد أتي بما لم تستطعه الاوائل!فقد كان كتاب(عمرو عباس)يحتاج لاهتمام أكبر وجدل حوله،ولكن لأن المجتمع المتخلف ينتج بالضرورة مثقفين يشبهونه في تخلفه،يصمت المثقفون السودانيون عن الكتابة عن كتب زملائهم مع الحرص علي التقاط أخص تفاصيل حيواتهم الخاصة غير ذات الصلة بكتبهم وفكرهم.

تزينت المداخل الكتابين بالأشعار، وهذه عادة في الكتابة السودانية تشي بقدر من الرومانسية المطلوبة عندما يكون الواقع بهذا القبح المتنامي يوميا.وفي الشعر فسحة الأمل،وفرصة للخيال أن يعوض هذا الواقع التعيس الذي يعاكس اتجاه الشعر دائما.وهذه فجوة أوانفصام في الحياة السودانية :شعرنا يُحلق في علاقة عكسية مع واقع يهبط وينحدر.لذلك نبحث عن البديل في الحلم والخيال:”حنبنيهو البي نحلم بيهو يوماتي”أو في ظروف كثيرة نتخيله في حالة أشبه ب:”وانا الصاحي أري في النور اشباح الظلام”.وللأسف قد تكون هذه صحوتنا في أحيان كثيرة. دلالات أن يكون الافتتاح أو المدخل، شعرا سابقا للفكر،قد تكون إشارة لتفاؤل ما.ولكن هذا صحيح حين لايعاكس الواقع الشعر في سيره،وإلا وقعنا في أحلام اليقظة.وكثرة الشعر في السودان هي محاولة لايجاد وطن مواز خارج الجغرافيا الملموسة والقاسية.هناك افتعال واصطناع للفرح والبهجة ،مزيف تماما.وحين اشاهد الرقص والعرضة في الحفلات بالتلفزيون اتسائل عن حافزهم للرقص والفرح،ألا يعيش هؤلاء الراقصون في بلد بها منطقة اسمها دارفور؟شكرا للأخ(عمرو) فقد أرا بهذه المقبلات أو الاقراص المكسوة بالسكر ،أن يمهد لنا قبول عملية “انتاج الفشل”-حسب عنوانه.

من الواضح أن الكتاب هو مبحث في الديمقراطية التي تمثل بؤرة الاهتمام بشكل التطور أو الفشل الذي ميّز التجربة السودانية.وبالتأكيد الكاتب كما يتضح من تحليله ديمقراطي أصيل.ولكنه كاد أن يهدم كامل بنائه باستخدام مفهوم شديد الخطورة وهدّام،وهو”جلد الذات”(ص13).وهو مصطلح مرضي يُتخذ مطية للتهرب من النقد والنقد الذاتي.فقد درج الكثيرون لاستخدام هذا المصطلح للتقليل من قيمة النقد، باطلاق هذه الصفة التي لا تنتمي بصلة للفكر أو السياسة، ومكانها عيادات المرض النفسي.ولو فرضنا جدلا قبول المصطلح،فإن ذات مثل الذات السودانية التي ارتكبت كل هذه الأخطاء ، لجديرة بالجلد.واتمني أن يتجنب كاتب قدم مثل هذا النقد الشامل ألا يقع في استخدام مثل هذه المصطلحات السهلة والمضللة.

يواجه الكتاب في مواقع عديدة مشكلة تدقيق المفاهيم،لذلك تداخلت في أحيان كثيرة مفاهيم:الرؤية،الخطط ,الاستراتيجيات.وفي الحقيقة الفوارق ضئيلة ولكن التدقيق أفضل، وإلا لما وجدنا ثلاث كلمات مترادفات.واختلف مع المؤلف في رؤية المهدية،فهي رؤيا(بالألف)منامية وليست رؤية وضعية بشرية.ومن هنا كانت كل كوارث المهدية،لأن مصدر المعرفة كرؤيا غيبي ومطلق وبالتالي لا يمكن مناقشته أو معارضته.ودخل (النميري) مجال الرؤيا في الآخر بعد أن تخلي عن الخطط والاستراتيجيات.

هذا كتاب طموح ومغامر، وبالتالي ارتاد مناطق فكرية وعرة، وقد تجنبها العقل السوداني الكسول أو لم يكمل جهوده في سبرها.وهي التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية أو الخريطة الطبقية السودانية.ففي بداية الأمر يصعب وصف النظام في دولة الفونج بأنه اقطاعي.ومن الجدير بالذكر أن أدبيات الماركسيين والاشتراكيين السودانيين،روجت لمفهوم هجين هو”شبه الاقطاع”.وهو محاولة خروج آمن من التوصيف الدقيق.وليس من الدقة والعلمية إطلاق صفة الإقطاع علي التشكيلة التي سادت في عصر الفونج لغياب شروطو سمات النظام الاقطاعي من طبقة النبلاء، وطبقة الاقنان، ووجود اقطاعيات لها حدود مثل الدولة تدفع في حالة عبورها جمارك،القوانين الاقطاعية الاجتماعية مثل حق الليلة الاولي؛كل هذا لم يوجد في دولة الفونج.كذلك الحديث عن الرأسمالية فيه كثير من التعميم،فقد وصف(مكسيم رودنسون)هذا الوضع بالرأس مالية(نسبة للمال والنقود)وليس رأسمالية بعلاقات انتاج معينة وبورجوازية وبروليتاريا.وبالتالي،الحديث عن رأسمالية تجارية في المهدية غير دقيق.فهذه دولة جهادية حاملة للسلاح باستمرار فاهملت كل إنتاج حتي الزراعة فتتالت المجاعات.وتحتاج الرأسمالية للادخار والتوفير والاستثمار وهذا بدوره يستحيل بدون إستقرار وأمان كشروط بدهية.وفي النهاية،يمكن القول بأن الاقتصاد المعيشي التقليدي ظل يمثل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي،وظلت قوى الانتاج وعلاقاتها بدائية ومتخلفة.وهذا ما انعكس علي مجمل تطور البلاد.
اختلف مع الكاتب حول رؤية بعض القوي للقومية السودانية.فهو يقول بأن القومية السودانية صنيعة مهدية(ص72).وفي الحقيقة لم أعثر علي كلمة أو صفة سوداني أو سودانية في كل منشورات المهدي.فالمهدية حركة إصلاح ديني إسلامي لا تحدها حدود”الدولة الوطنية”والتي لم توجد أصلا.كذلك مؤتمر الخريجين لم يكن حركة قومية(ص46)وهو تنظيم صفوي يتضح ذلك من أسمه، فهو طليعة حركة وطنية.أين قوميته وهو لم يضم جنوبيا واحدا؟بل أولاد (عشري)رغم أنهم أكثر ثقافة ووطنية من غالبية الخريجين، لم يتسنموا مناصب قيادية لأنهم ليسوا عمراب أو محس!

يحتاج الجزء الثاني من الكتاب لمناقشة مختلفة، لأنه ركز علي إطار عام للرؤية وهو المهم في قضية النهضة.لذلك،آمل أن يبادر المؤلف في تأسيس كيان لعلم المستقبل وسوف توكن هذه مبادرة حقيقية.خاصة والمؤلف له خبرات طويلة وثرة في التخطيط ظهرت في المعلومات الواردة في المتن.كما أن الكاتب وعدناسوف نعتمد في تحليلنا علي الإتيان بالجديد الذي لم يقل،أو قيل في معرض مناقشة قضايا أخري”.اتمني أن يشتغل(عمرو عباس)علي المستقبل فقط
شكرا ومبروك وليكن اول الغيث