التغيير: الخرطوم اعتبرت حركة" التغيير الآن" دعوة الحوار التي اطلقها حزب المؤتمر الوطني بقيادة عمر البشير تكتيكا يهدف لإطالة عمر النظام، واستعرضت بالتفصيل  في وثيقة تلقت صحيفة التغيير الإلكترونية نسخة منها "العوامل التي دفعت المؤتمر الوطني للحوار"،

إلى ذلك دعت الحركة قوى المعارضة الى مغادرة ما أسمته(خانة رد الفعل) مطالبة إياها  ب”تفعيل العمل النقابي والفئوي، ودعم مطالبه العادلة في سياق الخدمة المدنية، الي ساحات العمل القضائي في قضايا الحقوق والحريات انتهاءاً بالعمل الاحتجاجي المباشر بأشكاله المختلفة من تظاهرات ووقفات واعتصامات”

وفيما يلي النص الكامل للوثيقة:

تحليل سياسي
موقف حركة التغيير الان من الوضع السياسي العام وتكتيكات النظام

                مارس 2014

 

                 (يعمل النظام ايضاً للخروج من مأزقه بابتدار دعوات للحوار والتفاوض، وللقوى السياسية السودانية ذاكرة ممتلئة بمواثيق النظام الكاذبة وحواراته الدائرية التي لا هدف لها سوى تفريغ حالة الاحتقان ومنحه المزيد من الزمن لإعادة سيطرته على زمام الامور، ان اي استجابة لهذه الدعوات في ظل هذا الواقع الذي نعيشه اليوم ما هي الا دعم لنظام فاقد الاهلية بمسببات البقاء وهي حوارات فوقية لا تعبر عن الشارع ومرحلته الثورية التي يعيشها الان)

فقرة من التحليل السياسي لحركة التغيير الان الصادر في 16 نوفمبر2013

 

مقدمة:

بادر نظام المؤتمر الوطني الحاكم مدفوعاً بعوامل شتى -في الوضع السياسي والاقتصادي الحرج الذي ظل يترنح فيه منذ انقسام السودان الي دولتين-الي طرح عبثي لدعوة لحوار وطني لحل المشكلة السودانية على لسان رئيسه البشير في أواخر يناير 2014 فيما اُصطلح على تسميته بخطاب الوثبة.

جاء هذا الخطاب والطرح في سياق معادلة شاملة لإطالة عمر النظام الحاكم يسعى عبرها المؤتمر الوطني لخلق تسوية فوقية شكلانية لا تخاطب مشاكل المواطنين الحقيقية ولا توفر حلولاً عملية لقضايا الوطن. حركة التغيير الان تسرد فيما يلي رؤيتها للعوامل التي قادت الي هذه الخطوة من قبل النظام وما نستند عليه في موقف الحركة من هذه الدعوة.

العوامل التي دفعت المؤتمر الوطني باتجاه هذه الخطوة:

أ‌.      الانهيار الاقتصادي للنظام:

إثر انقسام السودان، فقد النظام أغلب الإيرادات الاقتصادية التي ظل يعتمد عليها في سياسة (فرق تسد) بين مكونات الشعب السوداني، وفي ظل اهماله لأي تنمية اقتصادية حقيقية تقي الوطن خطر الاعتماد على مورد واحد (النفط)، وجد النظام نفسه مواجهاً بتكاليف اقتصادية كبيرة للصرف على المليشيات القبلية والمسلحة التي ظل يعتمد عليها لتثبيت اوتاد حكمه، بالإضافة الي المطلوبات الاقتصادية لإدارة دولة بحجم السودان. وارتبط ذلك ايضاً بسياسة التمكين الجهوي وعدم التوازن في أوجه صرف الدولة التي تذهب جل إيراداتها الي الصرف على الأسلحة الأمنية والتسليح. إزاء كل هذا لم يجد النظام مخرجاً سوى التوجه للمجتمع الدولي لطلب مزيد من الديون – مع ملاحظة ان الدين الخارجي للسودان ارتفع من 9 مليار دولار في عام 1989 الي 46 مليار دولار هذا العام فيما بلغت فوائد الديون المتراكم وحدها قرابة المليار دولار في العام الماضي فحسب-بينما استمر النظام في تحميل كلفة فساده وفشله وسوء ادارته للمواطنين من خلال حزمة إجراءات التقشف الاقتصادية. لا يفوتنا هنا التنبيه الي طبيعة النظام الاقتصادية كنظام سياسي يعتمد على منهج الاقتصاد الريعي الذي يهدف لتحقيق الربح السريع دون اهتمام بتحقيق وخلق أدوات ووسائل تنمية حقيقية، الأمر الذي يجعله غير مهتم ولا مهموم باستراتيجيات حقيقية طويلة الأمد تؤدي الي حل مشكلة الوطن الاقتصادية مقابل اهتمامه بتحقيق أكبر قدر من الربح السريع.

ادى فشل حزمة الإجراءات الاقتصادية التي ضاعف النظام كلفتها عدة مرات منذ يونيو 2012 الي زيادة السخط الجماهيري على النظام جراء الارتفاع الكبير في كلفة المعيشة واساسياتها كنتيجة لها، بالإضافة الي ارتفاع كلفة المغامرات العسكرية التي ناوش بها دولة الجنوب و الحروب التي اشعلها في اطراف السودان المختلفة -و التي بلغت تكلفتها اليومية 4 مليون دولار حسب تقرير البنك الدولي الأخير – الذي زاد من الأزمة الاقتصادية وفاقم السخط الجماهيري على النظام في اطراف البلاد المختلفة. وكذلك فشل النظام في الإيفاء بمطلوبات روشتة الجهات الدولية –صندوق النقد والبنك الدولي -نتيجة لزيادة عزلته الخارجية، وفشل بالتالي في الحصول على قروض وتسهيلات اقتصادية جديدة. كل ذلك قاد به للبحث عن حل شكلاني لمشكلته الداخلية بينما الحقيقة ان الازمة الاقتصادية في حقيقتها هي انعكاس لازمة النظام السياسي نفسه.

 

 

ب‌.    العزلة الدولية والإقليمية للنظام:

ضاعفت انتفاضة سبتمبر الباسلة من العزلة الإقليمية والدولية للنظام بعد الوحشية المفرطة التي واجه بها النظام المتظاهرين السلميين في الشارع والتي نتج عنها مقتل قرابة 212 شهيد من أبناء شعبنا الباسل بالرصاص الحي في شوارع مدن السودان المختلفة. أدت هذه الوحشية الي اصدار دول في المحيط الإقليمي ذات علاقات متوازنة نسبياً مع النظام السوداني – مثل الامارات والسعودية – لبيانات ادانة صريحة للنظام، بالإضافة للإدانة وبيانات التنديد الواضحة الصادرة من قبل عدة أطراف في المجتمع الدولي. كل ذلك ساهم مرة أخرى في فشل جهود النظام في الحصول على إعفاءات للديون المتراكمة عليه وفشله في الحصول على ديون جديدة والتي اشترطت اعفاء الدين بإجراء إصلاحات سياسية في البلاد. وكذلك فشلت الجولة الأوروبية لرموز النظام في الحصول على أي وعود بالمساعدة في رفع العقوبات مالم يكن ذلك مربوطاً بإجراء اصلاح سياسي من خلال حوار سياسي شامل مع كل القوى (طرح الاتحاد الأوربي). فاقم من ذلك، الفشل المتكرر لجولات التفاوض المفروض بقرار من مجلس الأمن بين النظام والحركة الشعبية في اديس ابابا إثر تمسك الأخيرة بالحل الشامل ورفضها للحلول الثنائية المنفردة. وبالرغم من ان المجتمع الدولي ظل يدعم بقاء النظام في السلطة كضمان وحيد ضد الفوضى وانتشار العنف، إلا ان انتفاضة سبتمبر خللت ركائز هذا التحليل واضعفت دعائمه بتوضيح أن بقاء النظام هو الطريق الي الفوضى والعنف في البلاد.

كذلك أدى الوضع الإقليمي في مصر وتونس وليبيا واليمن والتي فشل فيهم مشروع الاخوان المسلمين في تحقيق أي استقرار نسبي او حتى المحافظة على السلطة بشكل ديموقراطي في مصر مما ادي لإشعال صراع إقليمي حول دعم مشروع الاخوان المسلمين بين قطر من جهة وبقية دول الخليج من جهة أخرى. الأمر الذي حد من قدرة الداعم الأساسي للنظام في قطر على مواصلة الدعم المفتوح للنظام نسبة لانشغالها بصراعها الخليجي مع بقية دول الإقليم. كما أضعف من قدرة النظام القطري على التأثير على الدول الخليجية الأخرى واللاعبين الدوليين ودفعهم للتساهل مع النظام الحاكم في السودان.

ت‌.    صراعات مراكز القوى والتفكك الداخلي للنظام:

تفاقمت منذ مؤتمر الحركة الإسلامية الأخير عدة صراعات داخلية بين اقطاب النظام المختلفة، تراوحت بين المحاولة الانقلابية التي اُتهم فيها بعض الرموز العسكرية ذات الشعبية مثل ود إبراهيم وبعض اركان الجهاز الأمني مثل صلاح قوش، الي التصريحات الناقمة لبعض القادة السياسيين للمؤتمر الوطني مثل غازي صلاح الدين والتي وصلت ذروتها في مذكرة الإسلاميين خلال انتفاضة سبتمبر، والتي أدت لفصل غازي صلاح الدين واخرين من المؤتمر الوطني وخروجهم لاحقاً بتكوين ما سمي ب (حركة الإصلاح الان). كذلك خرجت مجموعة من الرموز التاريخية للإسلاميين عن المؤتمر الوطني بتكوين الجبهة الوطنية للتغيير. كل ذلك أدى بالبشير في لمحاولة استعادة بعض من الوحدة الداخلية للنظام وخلق تحالف سياسي جديد بمغازلة المؤتمر الشعبي عبر الاطاحة برموز انقسام المفاصلة: (علي عثمان طه ونافع علي نافع) باعتبارهم مراكز القوة الأكثر تشدداً وتناحراً داخل المؤتمر الوطني. ومحاولة أخرى لاستعادة شعبيته داخل الجيش، بتعيين بكري حسن صالح نائباً له. بينما استمر تصفية مراكز تأثير علي عثمان ونافع علي نافع يخلق إشكالات جديدة في ظل سيطرتهم شبه الكاملة لقرابة ال 15 سنة على مفاصل العمل الأمني للنظام فشهدنا الإطاحة بقرابة الستين ضابط من جهاز الامن دفعة واحدة.

كذلك أدت الضائقة الاقتصادية لعجز النظام في الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه المليشيات القبلية مما نتج عنه خروجها عن السيطرة وتمرد بعضها علناً على النظام، في إطار سعي بعض المليشيات لخلق نشاط اقتصادي خاص (مثل التنقيب عن الذهب) الذي اصطدم مع المصالح الاقتصادية لبعض الولاة والولايات (موسى هلال في صراعه مع الوالي كبر مثالاً).

 بينما عجز النظام عن الإبقاء على المليشيات الأقل عدداً وتسليحاً مثل (مليشيات حميدتي) تحت السلطة الشكلية للقانون، يشهد على ذلك اصطدامها العلني بسلطة الوالي احمد هارون في شمال كردفان في إطار نهبها وتحرشها بالمواطنين في الولاية، بالرغم من الرتب الرسمية التي مُنحت لها وتسميتها بقوات التدخل السريع بعد ضمها لطاقم جهاز الأمن.

هذا يلخص وضع تفكك نظام المؤتمر الوطني وتخلخل موقعه السياسي كاللاعب الاساسي والوحيد في إدارة العملية السياسية بالبلاد. بل ونجزم بانه مقبل علي مزيد من التصدعات الداخلية التي بدأت تطال حتى جهاز الامن والجيش في ململة واضحة من تعدد مراكز القرار وتضارب السياسات والمصالح بين هذه المراكز.

ث‌.    انتفاضة سبتمبر المجيدة:

كما أسلفنا فقد اثرت انتفاضة سبتمبر على الصورة التي ظل النظام يحاول عكسها للمجتمع الإقليمي والدولي باعتباره يحظى بتأييد نسبي من الطبقة الوسطى في مدن شمال ووسط السودان، وانه يسيطر بقبضته الأمنية وبالتأييد النسبي له كحكومة أمر واقع على صمام امان الاستقرار في البلاد. بينما أدت درجة العنف التي واجه بها الامن ومليشيات المؤتمر الوطني المتظاهرين السلميين الي فقدانه لأي بقية تأييد شعبي او جماهيري من المواطنين.

وبالرغم من ان النظام ظل على مدار السنوات العشرة الأخيرة يرتكب أبشع الجرائم في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، فان انتفاضة سبتمبر اسقطت عنه اخر ورقة توت يتغطى بها واثبتت لجماهير المدن المختلفة في المركز بأن العنف الذي ظل المؤتمر الوطني يمارسه في أطراف البلاد ظل يزحف اليها على مدار السنوات الماضية حتى وصل اليها واضحا ودموياً في سبتمبر الماضي.

ومن اهم دروس الانتفاضة في سبتمبر انها أعلت من خيار الانتفاضة الشعبية، وجعلته عملياً في مقدمة الوسائل الممكنة لمواجهة النظام، واحدي السيناريوهات التي لها القدرة الحقيقية على هزيمة المؤتمر الوطني فعلياً. وسبتمبر نفسها جاءت في وقت أحس فيه النظام بضعفه الشديد نتيجة للعوامل السابقة وهو ما اثبتته الانتفاضة فعلياً، الشيء الذي يفسر العنف المفرط الذي استخدمه النظام في مواجهتها وفيما تلى ذلك من مواجهات جماهيرية معه.

ج‌.    المقاومة المسلحة في المناطق الثلاثة واتساع رقعة الحرب و فشل الحوار لايقاف الحرب:

العجز النفسي والهزيمة المعنوية وانهيار احتمالات تحقيق أي نصر عسكري للنظام نتيجة الاضعاف المتعمد الذي حدث للقوات المسلحة، وتضعضع ولاء وزيادة تكاليف المليشيات القبلية التي اعتمد النظام على تجييشها وتسليحها كدرع واقي لسلطته، فاقمت من ازمة النظام ودفعت به في طريق البحث عن حل سياسي شكلاني يحافظ به على سلطته. والشاهد أن كل تلك الوسائل العسكرية لا يمكن لها أن تفضي لأي حل سياسي بقدر ما فاقمت من حدة الازمة الوطنية والازمة الاقتصادية للنظام.

انتهاج النظام للخيار العسكري الذي يثبته تربع السودان على قائمة أكثر الدول استيراداً للأسلحة في افريقيا جنوب الصحراء حسب تقرير معهد إستكهولم للسلام الذي كشف ان السودان يستورد 17% من الأسلحة الواردة لافريقيا (http://www.sipri.org/media/pressreleases/2014/AT_march_2014)  زاد من وتيرة المقاومة المسلحة في المناطق الثلاثة، وادى الي اتساع دائرة الحرب و المقاومة المسلحة الي دوائر جديده في الجغرافيا السودانية. وفي ذات الحين اضحى فشل النظام في الالتزام ببنود معاهدة السلام الخاص بمنطقة (أبيي) وفشله في التوصل لحل تفاوضي حسب القرار الملزم، يشكل مهدداً كبيراً لانفجار الوضع في المنطقة خصوصاً بعد تكرار المناوشات القبلية بين المسيرية ودينكا أبيي بما يهدد باندلاع حرب جديدة مع دولة جنوب السودان.

فشل النظام في تحقيق أي انتصار عسكري،  وفشل في الوصول الي أي حل سياسي للازمة في المناطق الثلاثة نتيجة لتعنت مراكز القوى داخله وتنافسها التناحري – الأمثلة كثيرة من فشل الاتفاق الاطاري ( نافع عقار) في 8 يونيو 2011، عجز  عن  تقديم اي اطروحات حل عملية في مفاوضات اديس ابابا المفروضة عليه بنص القرار الاممي  2046الصادر في  2 مايو  2012  في مقابل الحل السياسي الشامل الذي تطرحه الحركة الشعبية شمال، ومواصلته لاتباع سياسة فرق تسد التي ظل يستخدمها النظام في مفاوضات دارفور في الدوحة..الخ –دفعه لمحاولة تبرئة نفسه امام الوسطاء والمجتمع الدولي بالظهور بمظهر الراغب في الحل السلمي والتفاوضي عبر طرح البشير دون ان يرفق ذلك بإجراءات عملية حقيقية.

في ذات الحين، اصبحت المليشيات القبلية (الجنجويد وقوات التدخل السريع وحرس الحدود) التي ظل المؤتمر الوطني يعتمد عليها لفترة طويلة في حماية سلطته في الأطراف، تشكل تهديداً حقيقياً للمؤتمر الوطني في مظاهر مشهودة مثل تمرد بعضها وخروجها العلني على سلطة المؤتمر الوطني وتشكيل سلطة بديلة (مليشيات موسى هلال)، والفوضى التي اثارتها قوات أخرى (مليشيات حميدتي: قوات التدخل السريع) في مناطق دارفور وجنوب وشمال كردفان مهددة باتساع رقعة العنف السياسي في البلاد وتهدد بظهور مقاومة مسلحة قد تطال اقاليم جديدة من الوطن.

ح‌.    اقتراب موعد الانتخابات الشكلية في 2015:

ظل النظام يغتنم فرصة الانتخابات ويزور نتائجها لتجديد شرعية صورية ينافح بها المجتمع الدولي الذي يخضع لهذا الابتزاز رغبة منه في حماية مصالحه، وفي خضم الوضع الحالي يدرك المؤتمر الوطني جيداً عجزه عن تمويل وإقامة العملية الانتخابية حتى ولو بشكل صوري يعزز به صوته كحكومة شرعية ويسمح بانتقال سلس للسلطة داخل المؤتمر الوطني يضمن بها سيطرته (او سيطرة الجيش) على مقاليد الأمور وعدم تجاوز الخطوط الحمراء (تسليم البشير للمحكمة الدولية او محاكمة) حتى وإن لم يترشح البشير نفسه مرة أخرى. يحاول النظام إطالة عمره للوصول لموعد هذه الانتخابات بأي شكل سعياً وراء شرعية صورية جديدة يحاول عبرها حل اشكالاته السابقة.

تمثل العوامل الستة السابقة، الخلفية التي دفعت بالنظام لهذا الطرح الصوري لخطاب وثبة البشير، الذي شهد جاء بشكل تجريدي عام وخطاب فوقي لا يلزم المؤتمر الوطني بأي شيء. كاشفاً عن حالة الرعب والتفكك التي تحيط بمراكز صنع القرار في المؤتمر الوطني.

 

 

 

موقف حركة التغيير الان:

 

ما نخلص اليه من استعراض العوامل السابقة، التي تكشف ضعف وترنح النظام بشدة وهي التي أدت بنظام المؤتمر الوطني الي الدعوة المفتوحة للحوار الوطني، أن هذه الدعوة لا تعدو سوى ان تكون محاولة شكلانية لإطالة عمر النظام نابعة من عوامل ذاتية متعلقة بالنظام نفسه وليس بإيجاد حل فعلي لمشكلة الوطن. وعليه فاننا في حركة كالتغيير الان لن نكون طرف في دعم او المشاركة في اي حوار او تفاوض في الوضع الحالي مع النظام بغية إطالة عمره واستمرار حكمه.

اننا في حركة التغيير الان نؤمن بان من حق القوي السياسية المدنية والعسكرية ادارة حوار سوداني عن قضايا الوطن عبر كفاءات سودانية وطنية بعيدا عن التدخل المأجور لبعض القوى الإقليمية والعالمية ذات المصالح المشتركة مع النظام والتي يسعي المؤتمر الوطني لزج الازمة السودانية في خضمها.

ورغم أننا نقرّ بان الحوار هو أساس العملية السياسية الصحيحة والصحية بين القوي السياسية المختلفة التي تؤمن حقيقة وفعلا بالممارسة الديمقراطية والحلول السلمية، ولكن الوصول لهذه العملية الطبيعية، يجب ان يكون عبر الوضع الطبيعي والصحي وان تكون البيئة المحيطة بها طبيعية ومتسقة مع دعوي الحوار لا يطرحه الطرف المستبد كألية للهروب من العقاب. فالحوار السياسي بين القوي الديمقراطية المدنية والعسكرية ليس منحة او عطية مزين يمنحها لنا نظام المؤتمر الوطني المجرم ولا يجب أن نسمح بان يكون طرحه مخرجاً لهذا النظام لتغطية جرائمه وفساده وفشله وسوء ادارته تحت ارتفاع احتماليات اسقاطه جماهيرياً بعد ضعفه البين الذي استعرضناه فيما سبق.ونكرر أن دعاوي المؤتمر الوطني الحالية للحوار هو مواصلة لعملية ابتزاز الشعب السوداني باستغلاله للازمة الوطنية والارهاق النفسي والمعيشي ببث الخوف من تكرار سيناريوهات سوريا والصومال وليبيا مطلقاً شعاره المريض اما نحن او الفوضى.

ونستند أكثر في رفضنا لطرح الحوار الحالي على الاتي:

1.     الطرح الحالي للحوار من اجل المصالحة والحكومة القومية والتسوية السياسية الشاملة لا يزال يدور في دائرة مخاطبة اهتمامات النخب والطبقة السياسية، دون ان يقوم بمخاطبة قضايا الناس اليومية وملامسة اهتماماتهم ومعاناتهم المعيشية التي تظل تتفاقم يوماً بعد يوم دون تقديم أي افاق لحلول مادية لها في سياق طرحه، ولم يقدم اي اجوبة لما هي آلياته أو مداه الزمنى او الطريقة التي يمكن ان يتم بها. مما يجعله مجرد عرض فوقي لتقاسم كعكة السلطة السياسية بين اطراف النادي السياسي القديم.

2.     للحوار السياسي متطلبات مسبقة او ما يسمي باجراءات بناء الثقة تتمثل في قرارات سياسية و قانونية، تحقيقها بيد النظام وحده مثل ايقاف العمل بالقوانين القمعية، و وتقييد صلاحيات الأجهزة التي تعمل فوق القانون مثل جهاز الأمن والمخابرات، وإطلاق الحريات الصحفية والسياسية، واعلان وقف العدائيات في مناطق الحرب وفتح الممرات الإنسانية وتوفير معينات الحياة لأهل تلك المناطق.  هذه المطلوبات ليست شروطاً مسبقة كما يحاول النظام وبعض الأطراف السياسية تصويرها، وليست بنوداً في اجندة الحوار لحل مشكلة الوطن، بل هي ضروريات سابقة لتهيئة البيئة السياسية لمناقشة المشكلات الجذرية الموجودة بالبلاد. وهذه الضروريات ليست مجرد تجريدات نظرية بل لها انعكاساتها المباشرة والمحسوسة على حياة المواطنين. وذلك ما عجز النظام عن تقديمه حتى اليوم.

3.     العدالة والمحاسبة ضد مرتكبي الجرائم في حق أبناء الشعب السوداني ليست أيضاً جنداً للحوار. هذه العدالة ينبغي الوصول اليها عبر نظام قضائي مستقل يضمن حق التقاضي والدفاع للجميع على قدم المساواة امام الجهاز القضائي. كما لا يمكن طرح مخرج او حل سياسي بينما تستمر هذه الجرائم والانتهاكات والأجواء والقوانين التي تسمح بها في ذات الحين. وهو مالم يحدث في ظل التسييس المستمر للجهاز العدلي والقضائي الحادث الان.

4.     سيطرة الحزب الحاكم على جهاز الدولة وأفضلية وصوله الي أجهزة الإعلام واستغلاله لجهاز الخدمة المدنية، والتي تجعله يأتي الي طاولة الحوار بكرت زائد على الاخرين. الأمر سيجعل الحوار معه عبثيا ومربوطاً بالوصول الي ما يريده هو فحسب.

5.     استمرار الحرب الاهلية في المناطق الثلاثة واستمرار النظام في العمليات العسكرية والتجييش الأهلي، واخرها حملة الصيف الساخن التي يواصل النظام حالياً شنها ضد مواطني دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق. والتي تكشف تماماً عدم جدية النظام في دعوته لأي حوار.

6.     التصريحات المتكررة لمسئولي النظام بعدم استعدادهم لتغيير أي شيء قبل البدء في عملية الحوار (الدرديري في انكاره لوجود أي معتقلين سياسيين، استمرار اغلاق ومصادرة الصحف وإيقاف الصحفيين من الكتابة، التأكيدات المتكررة على لسان البشير بإقامة الانتخابات في موعدها و نفيه لطرح أي حكومة قومية…الخ). كل ذلك يكشف عدم جدية النظام في طرحه للحوار.

7.     استمرار الانتهاكات والجرائم التي انتهجها النظام كمسلك للمحافظة على حكمه حتى اليوم، واغتيال الشهيد علي أبكر مؤسى وفتح الرصاص الحي على طلاب جامعة الخرطوم ومنع الأحزاب السياسية من ممارسة نشاطها الجماهيري (منع قيام ندوة قوى الاجماع بميدان الرابطة بشمبات 15 مارس 2014). كلها تقف شواهد على ان النظام غير جاد وغير صادق في دعواته الشكلانية للحوار.

 

سيناريوهات متوقعة:

مما سبق يتضح جلياً ان هدف النظام هو كسب مزيد من الوقت لخلق تحالف مع بعض الأحزاب الطامعة في السلطة بأي شكل، يصل به لمرحلة الانتخابات في 2015 ويخرج به للمجتمع الدولي مؤشراً على شرط الإصلاحات السياسية للحصول على بعض المعونات الاقتصادية. ويضمن في ذات الحين استمرار المشروع السياسي للمؤتمر الوطني والمنتفعين منه وهروبهم من سيف المحاسبات الذي ينتظرهم إثر إسقاط النظام عبر أدوات العمل الجماهيري.

لكن الوضع الجديد الذي خلقه طرح النظام يجعل عدة سيناريوهات محتملة الحدوث:

•      ان يقوم النظام بالإيفاء بمتطلبات الحوار نتيجة الضغط دولي وإقليمي عليه، وهو احتمال مستبعد الحدوث، نسبة لعدم جدية النظام كما سبق استعراضه. ولكنه يتطلب وحدة قوى المعارضة ذات المصلحة الحقيقية في التغيير بمختلف مشاربها وتكتيكاتها تحت مظلة مطلبية واحدة مسنودة بسند جماهيري واسع. وهذا يتطلب من قوى المعارضة الحية رفع درجة ارتباطها بالجماهير وتحسس مطالبهم الحقيقية في مستقبل الوطن وبناء اطروحاتهم السياسية عليها.

•      نجاح النظام في خلق تحالف مرحلي مع بعض القوى الحزبية من النادي السياسي القديم وهو سيناريو لا يودي الا الي وضع تقاسم الفشل مع الآخرين (Loser / Loser balance) عبر تقاسم بعض من كعكة السلطة معها حتى انتخابات 2015. وهو احتمال أكثر من يسعى له النظام نفسه مسنوداً بتلهف بعض القيادات السياسية للسلطة بالرغم من ان الرفض الجماهيري النسبي من قبل عضوية الأحزاب السياسية يهدده بالفشل.

•      استمرار النظام في الدعاية الشكلية للحوار دون إجراءات حقيقية محسوسة كما هو حادث الان.  وهو الاحتمال الأرجح.

ورغم الرجوح النسبي للاحتمالين الاخرين الا ان النظام يظل الان في أضعف حالاته منذ مجيئه الي السلطة في انقلاب 1989. الأمر الذي يتطلب بالضرورة من قوى الشعب الحية الاستمرار في ضغطها الجماهيري ورفع نبرة راياتها الاحتجاجية للسلطة للوقوف ضد أي تسوية فوقية لا تخاطب قضايا الوطن الحقيقية بشكل مباشر وتفتح باب الوصول لحلول عملية لها. ذلك يضع مهام فورية على عاتق قوى التغيير تتلخص في عدم انتظار الحركة القادمة من المؤتمر الوطني بل التقدم لانتزاع سبق المبادرة السياسية الان.

 

مهام انتزاع المبادرة على عاتق قوى التغيير:

كل الاحتمالات السابقة، أياً كان الراجح منها فهي تفرض على القوى ذات المصلحة الحقيقية في التغيير في السودان، واجبات لا مناص عنها لانتزاع المبادرة السياسية من كف المؤتمر الوطني وإنتاج فعل سياسي يخاطب قضايا الجماهير ويلامس مطالبها المعيشية بالفعل. وبالرغم من ان التغيير الان لا تنطلق من موقف مسبق تجاه أي من القوى المعارضة بشقيها المدني والعسكري، وتنظر لاختلاف الوسائل في العمل السياسي كجزء من التلاقح الفكري الذي يخدم مصالح الوصول الي الهدف المشترك في اسقاط نظام المؤتمر الوطني الحاكم، إلا أن المرحلة القادمة تتطلب بالضرورة بناء جبهة معارضة فاعلة على أسس واضحة من القوى ذات المصلحة الحقيقية في التغيير بما يخدم صالح الوطن.

 وهذه الجبهة التي نطرحها لا تحتمل المماحكات السياسية الفوقية، وننظر لمكوناتها في كل قوي التغيير الجذري الحقيقي على اختلاف مشاربهم واطروحاتهم وتكتيكاتهم ما دام يجمعهم طريق وهدف اسقاط النظام بناء دولة مدنية ديموقراطية تخدم اهل السودان وترعى مصالحهم وتحفظ حقوقهم في العدالة والكرامة والعيش الكريم. نلخص فيما يلي من نقاط رؤيتنا للواجبات الملحة التي يجب ان تضطلع بها قوى التغيير الحقيقية في الفترة القادمة ومن أجل بناء هذه الجبهة:

–       وحدة قوى المعارضة: ظل شعار وحدة القوى المعارضة بشقيها المدني والعسكري مطروحاً بهذا الشكل التجريدي لزمن طويل في تاريخ الازمة السودانية المعاصرة، الا اننا نطرح الان هذه الوحدة لتكون بشكل أكثر تفصيلية وأكثر ملامسة لقضايا وواقع الشعب السوداني. هذه الوحدة لا يجب ان تبني على مفهوم ان عدو عدوي صديقي بل يجب ان تكون مبنية على تماثل والتقاء الرؤى والاطروحات السياسية في الوضع الحالي. اننا نطرح جبهة واسعة لرفض الوضع الحالي في السودان وتغييره باتجاه التحول المدني الديموقراطي بما يلامس قضايا الناس المعيشية ومطالبهم في الحرية والعدالة والعيش الكريم في المركز والاطراف. وننظر في سياق ذلك بعين الشك والريبة لبعض القيادات والمنظومات السياسية التي تتراوح في مواقعها ومواقفها من الوضع السياسي الحالي بين القبول المستسلم لأطروحات النظام برغم من رفض قواعدها الجماهيرية الي الضفة الأخرى في الرفض الشعاراتي المزايد -بدون اطروحات سياسية ووجود مادي حقيقي على مستوى صناعة الفعل-للوضع الحالي. اننا ندعو لجبهة فاعلة لرفض التسوية السياسية التي لا تنتج حلولاً عملية لمشاكل السودان وأهله، على ان تكون مبنية على مخاطبة هذه المشاكل بصورة عملية وحقيقية.

–       مخاطبة قضايا الجماهير المعيشية: الوحدة سالفة الذكر يجب ان تكون مبنية ومسنودة على المطالب الجماهيرية الحقيقية من تحقيق فعلي لشعار ايقاف الحرب وتحسين الوضع الاقتصادي واعادة النازحين من المعسكرات الي مناطقهم وضمان تعويضاتهم وتحقيق سبل العيش الكريم لهم وتوفير حد ادنى معقول من الخدمات الاجتماعية كمسئولية على عاتق الدولة.. الخ ، الأمر الذي يتطلب من القوى ذات المصلحة الحقيقية في التغيير زيادة الارتباط السياسي بالجماهير ومخاطبة قضاياها وهمومها الحقيقية وبناء طرحها السياسي بناء علي قراءتها له، وكلنا ثقة ان نقاط الالتقاء السياسي بين المنظومات السياسي تكثر وتتسع قاعدتها كلما هبطت المنظومات السياسية بطرحها السياسي لمخاطبة هذه القضايا المشتركة في كل انحاء السودان.

–       انتزاع المبادرة السياسية الجماهيرية بإنتاج الفعل السياسي الجماهيري: ظلت المعارضة السودانية بمختلف اطيافها أسيرة لفترة طويلة في خانة رد الفعل السياسي لما يتخذه المؤتمر الوطني من خطوات، ولكن الان نجد المؤتمر الوطني في أضعف حالاته السياسية والجماهيرية مما يفرض على عاتق قوى المعارضة الاتجاه لإنتاج الفعل السياسي المبني على تمثيل قاعدة عريضة من الجماهير في مختلف انحاء البلاد و عدم الاكتفاء بانتظار الخطوة القادمة من قبل المؤتمر الوطني للرد عليها. ميادين هذا الفعل السياسي متنوعة وكثيرة، منها ضرورة إعادة تفعيل العمل النقابي والفئوي ودعم مطالبه العادلة في سياق الخدمة المدنية، الي ساحات العمل القضائي في قضايا الحقوق والحريات انتهاءاً بالعمل الاحتجاجي المباشر بأشكاله المختلفة من تظاهرات ووقفات واعتصامات … الخ.

فيما سبق، طرحنا رؤيتنا للوضع السياسي الحالي وفي العوامل التي استندنا اليها في بناء موقفنا من اطروحات النظام المتكررة. ونحن نعيد التأكيد ان لا مخرج للسودان الا العمل الفعلي الحقيقي الصادق من اجل اسقاط هذا النظام باعجل ما يكون. فكلفة كل يوم يبقى فيه النظام على مقعد السلطة أكثر بكثير من أي تكاليف ندفعها من اجل اسقاطه.

 

 

التغيير الان … حق وواجب وضرورة

حركة التغيير الان

مارس 2014