يحتفل العالم في هذا اليوم (21 مارس) من كل عام بعيد الأم، وبهذه المناسبة نتقدم بالتهنئة لكل أمهات السودان اللاتي أنجبن، واللاتي لم ينجبن ولكنهن أمهات بحكم قيامهن بواجبات الأمومة من تربية ورعاية وعناية،

وبحكم إشاعتهن للحنان الأنثوي المعطاء سواء في محيطهن الخاص داخل الأسرة، أو في محيطهن العام في المجتمع.

“الامومة ” قيمة إنسانية جديرة بالاحتفاء والتمجيد، ولكن صور هذا الاحتفاء يجب ان تختلف من مكان إلى آخر في هذا العالم تبعا لاختلاف السياق الثقافي والاجتماعي،

وتأسيسا على ذلك فإننا في المجتمع السوداني يجب ان يكون احتفاؤنا بعيد الأم مناسبة للتفكير الجاد  في كيفية نقل السودان من وطن “معاد للأمومة والأمهات” إلى وطن “صديق للأمومة وجدير بالأمهات”

في السودان تدور طاحونة الحرب الأهلية لعقود طويلة، والثمن الأكبر لهذه الحرب تدفعه”الأمهات” اللاتي يكابدن يوميا قسوة التهام طاحونة الحرب لفلذات أكبادهن أطفالا او شبابا أو رجالا، وفاجعة الموت وقعها على النساء جد مختلف! فالمرأة هي من تحتضن بذرة الحياة داخل جسدها، هي من تدفع ضريبة استمرار الحياة من لحمها  ودمها وأعصابها وحليب صدرها، ولذلك فإن الحرب وإن كانت عدوا للانسانية بشقيها، فإن عدوانها على “الأمهات” أغلظ وأكثر مرارة! فأول شرط يجب ان يستوفيه السودان كي يتحول الى وطن صديق للامومة هو السلام الشامل والعادل الذي يخرس قعقعة السلاح!

وفضلا عن الحرب، فإن السياسات الاقتصادية والاجتماعية في السودان معادية للامومة! فالسودان من أعلى دول العالم في نسب وفيات الأمهات بسبب مضاعفات الحمل والولادة! وكذلك نسب وفيات الأطفال! والسبب المباشر لذلك هو استشراء الفقر والأمية والتخلف المريع في مجال التنمية البشرية التي من أهم معاييرها( الرعاية الصحية الاولية، ورعاية الامومة والطفولة) ورغم تخلف السودان في هذا المجال  نجد الصحة والتعليم في ذيل اولويات الإنفاق الحكومي!

وهناك آفات اجتماعية في السودان تمثل “عدوانا” على الأمومة ومنها على سبيل المثال آفة”ختان الإناث” وما تسببه من مضاعفات صحية وصعوبات في الولادة، وآفة”الزواج المبكر” التي تحرم الفتيات من حقهن في ان يستمتعن بطفولتهن و يستكملن نموهن الجسدي والنفسي، ثم بعد ذلك يستمتعن بالأمومة “الآمنة والصحية” في الوقت المناسب الذي يخترنه، ولكن الزواج المبكر يصادر كل ذلك، وهو سبب من اسباب ارتفاع نسبة وفيات الامهات والاطفال،

وهناك ايضا آفة” التجاهل المريع لذوي الاحتياجات الخاصة” فلا توجد مراكز متخصصة لرعاية هذه الشريحة، وهي شريحة كبيرة، لان نسبة الإعاقات السمعية والبصرية والحركية والذهنية في السودان مرتفعة نظرا لظروف الفقر وسوء التغذية والامية، وضعف او انعدام ثقافة”الصحة الإنجابية” وتجاهل النظام الصحي المتخلف في البلاد لتدابير الحد من الإعاقة ابتداء من التحصين ومكافحة الامراض المستوطنة وصولا الى الفحوصات الوراثية قبل الزواج، ونتيجة لذلك تكون رعاية هذه الشريحة من الأطفال المعاقين عبء ثقيل على الأسرة ويتركز بشكل شبه كامل على الام التي لا تجد عونا او دعما مؤسسيا في هذه المهمة الشاقة والمكلفة!     

انطلاقا من كل هذه الحقائق، لا بد ان يكون في قلب أهداف التغيير الشامل في السودان هدف(تحويل السودان إلى وطن صديق للأمومة) وهو هدف مركب، اقتصادي وثقافي واجتماعي.

وكل عام والامهات في كل العالم بخير، وتهنئة خاصة لأمهات السودان في مناطق الحروب، ومعسكرات اللجوء والنزوح، وفي ميادين الكفاح اليومي في أرياف وقرى ومدن السودان.