التغيير: الجزيرة نت تفاقمت آثار التدهور الاقتصادي في السودان على أجور العاملين في القطاعين العام والخاص وما صاحبه من ارتفاع مستمر في معدلات التضخم معاناة آلاف الأسر التي تعتمد في معاشها على الأجور الثابتة،

وفتحت الباب من جديد أمام مطالب برفع الأجور لتتناسب مع الحد الأدنى لاحتياجات الأسرة، في ظل جنوح للأسواق وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

عمر الماحي رب أسرة وموظف مستقر في وظيفته، لكن الاستقرار الذي يتمتع به لم ينج أسرته الصغيرة من دائرة المعاناة التي تكابدها معظم الأسر السودانية في تلبية احتياجاتها المعيشية، بسبب ضآلة الأجور والارتفاع المستمر للتضخم. ويقول عمر إن الراتب الذي يتقاضاه لا يكفي لتلبية 30% من طلبات الأسرة الأساسية، ما دفعه أسوة بكثيرين إلى البحث عن زيادة الدخل عبر أعمال أخرى خارج دوام العمل.

معاناة شريحة الموظفين -وفق عمر- ليست في ضآلة المرتبات فقط، بل في انفلات السوق وتزايد الأسعار كل يوم بلا ضابط أو رقيب، ويصطدم يوميا بزيادات غير مبررة في أسعار السلع الاستهلاكية، مما يضع راتبه في محك بالغ الصعوبة، ويجد عمر نفسه الآن أمام خيارين: الهجرة أو الإهمال في وظيفته، لكنه يرفض الخيار الأخير بشدة.

الحد الأدنى

وطالب عمر الماحي -في حديثه للجزيرة نت- الدولة برفع الحد الأدنى للأجور ليتناسب مع الحد الأدنى لتكاليف المعيشة، وضبط الفوضى في الأسواق، وتابع إن استمرار هذه الفوضى “سيلتهم أي زيادة قد تقرر على المرتبات، مهما كان حجمها”.

ويقول موظف آخر للجزيرة نت إن أسرته نجحت في مواجهة “غول السوق” عبر اعتماد موازنة لا تحتوي إلا على حد معقول من الضرورات، والاستغناء عن غيرها مع استقطاع نسبة من الراتب البالغ ثمانمائة جنيه (139 دولارا) لمواجهة الطوارئ مثل المرض.

ويتابع إسماعيل الطاهر أن مستويات الأسعار الحالية مخيفة لذوي الدخل الثابت، إذ بلغت عبوات اللبن المجفف (زنة 2250 غراما) 190 جنيها (33 دولارا) ولتر زيت الطعام 15 جنيهاً (2.6 دولار) وكيلو السكر ستة جنيهات (1.06 دولار) والدقيق خمسة جنيهات (87 سنتاً). وأما اللحوم الحمراء فلا أحد يسأل عنها على حد تعبيره.

وينتاب إسماعيل -الذي يقترب من سن المعاش- قلق من استنزاف كل مدخراته خلال الفترة الماضية، وعدم قدرته على ادخار أية مبالغ للمستقبل. ويبدو أن المعاناة التي تعيش فيها أكثر من 170 ألف أسرة تعتمد في دخلها على المرتبات الحكومية هي ما دفعت باقتصاديين وقيادات عمالية للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور من 450 جنيها (78 دولارا) إلى مبلغ يكافئ الحد الأدنى للمعيشة الذي قدرته دراسات بألفي جنيه (349 دولارا).

وقد دعا هؤلاء الاقتصاديون والقيادات العمالية -في ورشة أقيمت بالخرطوم حول سياسات ومفارقات الأجور- إلى استقلالية المجلس الأعلى للأجور من أجهزة الدولة، وتبعيته للرئيس مباشرة على أن تكون صلاحيته شاملة للقطاعين العام والخاص بهدف تنفيذ القرارات الصادرة بشأن هيكلة الأجور وحَدِها الأدنى.

تباين الآراء

لكن الورشة كشفت عن تباينات بشأن مطلب زيادة الأجور بين الحكومة وأصحاب العمل من جهة، والقيادات العمالية والاقتصاديين من الجهة الأخرى، حيث ربطت وزيرة التنمية البشرية والعمل إشراقة سيد محمود تحسين أجور موظفي الدولة بإصلاح الخدمة العامة وزيادة الإنتاج والإنتاجية.

في حين يرى الاقتصادي محمد إبراهيم كبج أن مطلب زيادة الأجور تقتضيه زيادة أعباء المعيشة على العاملين في القطاعين العام والخاص على حد سواء، بخاصة في ظل رفع الجهات الرسمية يدها عن الأسواق.

وأضاف كبج أن حجة عدم المقدرة على السداد التي تدفع بها وزارة المالية والقطاع الخاص غير مقبولة، منتقدا التعامل مع قضية إصلاح الأجور بمعزل عن إصلاح الخدمة المدنية. وأشار إلى أن الخدمة المدنية تشهد مفارقات في الأجور، إذ تتمتع بعض القطاعات بعلاوات وحوافز تصل 300% من المرتب الأساسي، في حين تقف العلاوات بقطاعات مثل الصحة والتعليم والزراعة عند نسبة 5% من المرتب.