د .زهير السراج * ذكرت فى حلقة سابقة ان حزب الؤتمر الوطنى لجأ الى إغراق السوق بالصحف لتشتيت ذهن القارئ وإضعاف تأثير الصحافة على الرأى العام، ونشر ما يريده من معلومات وأكاذيب،

واستندت خطته فى ذلك الى إعطاء أموال ضخمة لعدد من أعضائه لتأسيس وإصدار صحف جديدة بالمشاركة مع عدد من الكُتاب والصحفيين خاصة الذين يعملون فى الصحف التى تشكل الرأى العام وإغرائهم بالمال للانسلاخ منها لإضعافها، فكان أن إنسلخ عدد كبير من الصحفيين والكتاب من صحفهم القديمة ليشاركوا فى اصدار الصحف الجديدة التابعة للمؤتمر الوطنى بدون أن يلم القراء بحقيقة تبعيتها، وتضمنت الخطة أن يتاح لهذه الصحف قدر من الحرية لانتقاد بعض سياسات الحكومة بشكل عام بدون التعرض للاسماء (وهى نفس الخطة التى أستعيرت فيما بعد لبعض البرامج التى تبثها بعض المحطات الحكومية والخاصة التى إنشئت حديثا)، ونشر بعض ملفات الفساد التى تسمح الحكومة بنشرها أو تتعمد نشرها لضرب أكثر من عصفور بحجر واحد مثل الاغتيال المعنوى للخصوم داخل الحزب الحاكم أو صرف الأنظار عن قضية معينة ..إلخ،  بالاضافة الى إعطاء الصحيفة مصداقية لدى القارئ وإبعاد شبهة الانتماء للمؤتمر الوطنى عنها، ولقد أفرزت هذه الخطة العديد من الصحف التى توقف بعضها مثل (الحرة والعاصمة)، ولا يزال بعضها يصدر حتى اليوم مثل (الانتباهة). 

 * فضلا عن ذلك لجأ  الحزب الى وضع يده على الكثير من الصحف التى كانت تصدر، خاصة تلك التى كان لها تأثير على الرأى العام مستغلا إما خلافات تقع بين الشركاء مثل (الرأى العام) التى أُزيح عنها محجوب عروة بعد خلاف وقع بينه وبين شركائه ليس هذا مجال التطرق إلى أسبابه، ثم وضع الحزب يده عليها بشراء أسهم بقية الشركاء، أو تعرضها لظروف مالية سيئة مثل صحيفة (السودانى) التى دخلت فى مشاكل مالية كبيرة وديون باهظة رغم انها كانت الصحيفة الاكثر توزيعا والأكثر جذبا للاعلانات فاضطر أصحابها أو ــ أُرغموا تفاديا لدخول أحدهم السجن ــ لعرضها للبيع، وكانت تملك مطبعة وشركة توزيع وشركة اعلانات (أى كانت مؤسسة صحفية كاملة)، فاشتراها حزب المؤتمر الوطنى باسم (جمال الوالى) واجرى  تغييرا كاملا فى ادارتها وسياستها التحريرية، ومن هذه الفئة صحيفة (الخرطوم) التى صارت شراكة بين مؤسسها والمؤتمر الوطنى لاسباب مماثلة، أو بسبب تغير الشركاء أو عدد اسهم الشركاء ونجم عن ذلك وضع إدارى جديد لم يرض عنه بعضهم ففضلوا الانسحاب وبيع أسهمهم لشركائهم الذين قاموا  بدورهم ببيع الصحيفة الى المؤتمر الوطنى، والمثال الأبرز  لذلك صحيفة (الصحافة) . 

* باختصار شديد، صار المؤتمر الوطنى هو المالك الأكبر أو الأوحد للصحف فى الخرطوم، وما بقى من صحف بعيدا عن يده فهى إما تابعة له تحريريا بالتحكم فى تعيين رؤساء تحريرها وفرض  السياسة التحريرية التى يريدها مستغلا قانون الصحافة الذى يتيح للمجلس القومى للصحافة رفض أى رئيس تحرير يعينه صاحب أو أصحاب الصحيفة، ولقد رفض المجلس الكثير من رؤساء التحرير، بل حتى مدراء التحرير، فى الاعوام السابقة بايعاز من جهاز الأمن (اليد التى يستغلها الحزب لفرض إرادته) مما اضطر أصحاب الصحف الى تعيين رؤساء تحرير ترضى عنهم السلطة أو خاضعين لإرادتها .. أو هى صحف مستقلة بالفعل (لا يتجاوز عددها ثلاثة أو اربعة بعد السماح لصحيفة الميدان بالصدور مجددا) وهذه الصحف تجد ما تجد من مضايقات وصعوبات للصدور لا حصر لها ولا عد منها حجب الاعلانات الحكومية وغير الحكومية عنها بتعليمات من جهاز الأمن، و مصادرتها المتكررة بواسطة الجهاز بعد طباعتها وإيقاف كتابها المؤثرين عن الكتابة بتعليمات شفهية من جهاز الأمن بالاضافة الى فرض رقابة أمنية مباشرة عليها ..إلخ مما أدى لاضعافها ماليا وتحريريا ففقدت الكثير من تأثيرها على الرأى العام 

* لجأ المؤتمر الوطنى أيضا الى إغراق السوق بالصحف الرياضية والاجتماعية وأعطاها قدرا واسعا من الحرية  أو بالأحرى (الفوضى) فانتشرت فيها الشتائم والشائعات وأخبار الجرائم والفضائح والموضوعات المثيرة الأخرى التى تجتذب غالبية القراء وتثير التعصب والبلبلة فى المجتمع فانصرف عن القضايا الرئيسية وأصبح عجينة هشة فى يد الحزب الفاسد يشكلها كما يشاء ويوجهها الى الوجهة التى يريدها باستغلال الصحافة الصفراء ذات الانتشار الواسع ..!!     

* كما لجأ الى استبعاد كل الصحفيين والكتاب الصحفيين البارزين المناوئين للمؤتمر الوطنى أو الذين يشكل وجودهم فى الصحف مصدر قلق له ولأجهزته، أو حتى الذين لا ينتمون إليه أو للأحزاب والتيارات الحليفة له وذلك حتى تصبح الساحة الصحفية بالكامل حكرا لمن ينتمون إليه أو يتحالفون معه .. ومهما تجرأ هؤلاء عليه واحتدوا فى انتقاد سياساته وسياسات حكومته فلا بأس من ذلك لأنهم (أولاده) .. المهم ألا يأتى الانتقاد من أولاد الحرام (كما أسماهم أحد قادة للنظام) .. وهكذا أوقف جهاز الأمن عددا كبيرا من الصحفيين والكُتاب من ممارسة عملهم الصحفى حتى بلغ عددهم أكثر من ثلاثين  صحافيا وكاتبا منهم على سبيل المثال لا الحصر الحاج وراق، رشا عوض، فايز السليك، أمل هبانى، عثمان شبونة، د. حيدر ابراهيم، فيصل الباقر، د. محمد جلال الدين هاشم، د. محمد زين العابدين، محمد عبدالماجد وشخصى الضعيف وغيرهم ..!! 

* تلك كانت هى بعض، وليست كل الوسائل التى لجأ اليها النظام الفاسد للسيطرة على الصحف وتسخيرها لمصلحة أغراضه وسياساته الفاسدة، ورغم ذلك فان الصحفيين المحترمين والوطنيين الحقيقيين الرافضين لمفاسد المؤتمر الوطنى هم الغالبية فى صحف الخرطوم، ويجتهد معظمهم، رغم الرقابة الصارمة المفروضة عليهم وحملات التخويف والترهيب المستمرة عبر الاستدعاءات الامنية والتهديدات والبلاغات، لممارسة عملهم بمهنية عالية ومسؤولية كبيرة .. وأكبر دليل على ذلك المصادرات المستمرة للصحف وحملة الاعتقالات والمحاكم الكثيرة التى يواجهها الصحفيون والكتاب .. ولكن الى متى يظن النظام انه قادر على تقييد ثورة الشعب ؟!!