د.ناهد محمد الحسن  ينسب للكاتب الصحفي المصري مصطفى أمين، الدعوة للاحتفال بعيد الأم في كتابه (اميركا الضاحكة) والذي تحول الى حقيقة في 21 مارس1956 وانتشر بعدها لكل الدول العربية.

والحكايات والقصص التي سبقت اعلان ايام كهذه للاحتفالات كثيرة . وعيد الام يحتفل به في كل العالم في تواقيت مختلفة من مارس الى يونيو وبأسباب مختلفة.

انّ الرغبة في الاحتفال وتحيّن المناسبات لذلك تنبع من روح حية وموقف ايجابي من الحياة. ان تاريخنا الاسلامي به كثير من الاحداث التي تصلح مناسبة للاحتفال والتأمل. وهنالك كثير من المسلمين لديهم موقف فقهي مثلا من الاحتفال بمولد الرسول (ص) ويعتبرونه بدعة. وهذا الاتجاه صبغ تعاطينا مع الدين بصبغة جافّة تتجاهل اثر العاطفة في الربط بين الاشياء وعمل الذاكرة. فمثلا بداية تدريب اطفالنا على الصلاة عادة تقليدية وبلا روح تجعل الاطفال في مواجهة روتين جديد يفرض عليهم القيام بالصلاة خمسة مرات والمواظبة عليها بطريقة آلية. بعض الناس يضعون حدث تدشين الطفل للصلاة في قالب احتفالي .يتحول فيه عيد مولده الى طقس مختلف ويحمل رائحة هدايا مختلفة من كل الاهل تحتوي على كل لوازم الصلاة بأشكال والوان جميلة لتربط العبادة لديه بشكل ايجابي بدلا عن الضرب والتهديد.

في عيد الام لهذا العام اريد ان اؤدي شكرا خاصا لله الذي منحنا الامهات والمحبة لنكون امهات. واريد ان اتوقف عند لحظة بعينها اود ان تكون هي اللحظة التي أراها مناسبة لنحتفل فيها بعيد الام وعيد النساء. تلك اللحظة التي وجدت فيها هاجر نفسها وحيدة في رمضاء بكّة وتلهث ووليدها من العطش حيث امتحن الله امومتها بتجربة قاسية من الظمأ جعلت وليدها يتلوى لساعات وهي تركض بين الصفا والمروة ترجو رحمة ربها. حتى سمع الله لهاثها ودموعها وفجّر لها زمزم رأفة بها وبوليدها.

ومن يومها هرول البشر ويهرولون في السعي استحضارا لتلك اللحظة التي جعلت الاعتراف بعظمة الامومة جزء من طقس الحج والعبادة. وكلما تأملت تلك اللحظة فكّرت، كان بوسع الله القدير ان يفجر زمزم دون مسألة ولا سعي وكان يمكن ان تكون احدى منحات الرب لابراهيم الذي دعا ان يكون البيت آمنا ونحو ذلك. لكنه سبحانه وتعالى أراد لهاجر تجربة دعاء خاصة بها ومناجاة وفعل اجابة. وجعل وقع اقدامها اللاهثة لسبع اشواط ذكرى  داوية لتلك اللحظة الخاصة في المناجاة بين الله وانثى من عباده. تلك الذكرى الحاضرة في كل عمرة وحج تؤكد انّ الانثى ليست موضوعة لتسلية الرجل كما تقول التوراة ولكنها كائن قائم بذاته وله الحق في خلق علاقة مع الله لاتمر بالضرورة بمقاعد الرجال.

فقصّة خلق المرأة من ضلع الرجل قالت الكثير الخطر. فالمثل الذي يقول((أعوذ بالله من الدجاجة العوعاية(التي تكثر الصياح) والفتاة الصلاية ( التي تكثر الصلاة). يقول انه يجب ان لا تكون لنا اي علاقة مع الدين كنساء وان نكتفي بدور الغواية والشيطان. وان شهادة حسن السير والسلوك بأيدي السادة الرجال.والعلاقة المباشرة مع الله بفضل هذا المثل غير ذات قيمة ومدعاة للاستعاذة منها. وأكثر من هذا فإن دلالات هذا المثل في الثقافة لا تشرح فقط لاجدوى الصلاة للفتاة ولكنها تعدل صياح الدجاجة بإكثارالصلاة. والصياح ومناداة انثى الدجاجة للذكر او الاصوات التي تطلقها عند اخراج البيض او حضن البيض كلها ذات دلالات جنسية. وبالتالي تؤسس الذهنية الذكورية للقول بأن صلاة المرأة هي فعل مزعج و فاضح. حكت لي احدى السيدات المستنيرات قصتها مع الهرولة بين الصفا والمروة في العمرة؛ حيث استدعى احد الرجال ابنها وطلب منه ان يمنعها من الهرولة اذ انها انثى وهذا لا يجوز فالهرولة تحرك جسدها وتثير الغرائز! ردّت عليه بنفسها وبمنتهى الغضب فيما معناه ان التي هرول لها الله سبحانه وتعالى البشرية الى قيام الساعة هي انثى مثلي وهذه الهرولة هي بمثابة تقدير وشكر وامتنان لعظمة الامومة التي سمع الله لهاثها وركضها واستجاب لشفقتها على وليدها ففجر لها زمزم بين قدمي سعيها المبارك. والذي يغفل عن جلال تلك اللحظة وعظمتها ويريد ان يربك مناجاة النساء لربهمن وحمدهن لعظمته التي جعلت السعي بين الصفا والمروة عيدا للامهات والنساء؛ عليه ان يعي انّ هرولتنا هي ذكرى واجبة واحتفال. وفي هذه اللحظة الخاصة من مناجاتنا للذات العلية لا مجال لفعل فاضح بقدر ما هنالك متسع لعقل وفكر فاضح. الحقيقة ان الذين يتأملون سجود النساء وركوعهم وهرولتهم بإحساس جنسي عليهم ان يغسلوا ادمغتهم من الجنابة قبل ان يستعدوا في هذه الحياة لاي صلاة. وعلينا كنساء ان نعي تلك العوائق في سعينا الروحي ونؤمن بأن الطريق سالك وليس بحاجة لتصاريح مرور. ولتكن هذه اللحظة في التاريخ عيد واشارة نغّمتها هاجر بوقع اقدامها اللاهثة في رمضاء الانسانية التي لا تقيم وزنا للنساء وتركتها هنالك في كل سعي للذين يحسنون الاصغاء ويعودون من تلك الاماكن بأكثر من هدايا وحكايات الحجيج.

محطة اخيرة:

(تصاعد أنفاسـي إليـك جـواب * وكـل إشاراتـى إلـيك خطـاب
فليـتك تحلو والحيـاة مـريرة * وليـتك ترضـى والأنـام غضـاب
وليـت الذي بيـني وبينـك عامر * وبـيني وبيـن العــالمين خـراب
إذاصـح منك الود فالكل هيـن * وكـل الذي فوق الـتراب تـراب
فياليـت شـربي من ورادك صافيا * وشـربي من مـاء الفرات سـراب
متـى لم يكن بيني وبينـك ريبـة * فكـل نعيـم صـد عنك عـذاب
فكيف توانى الخـلق عنك وقد بـدا * جـمال به قـد هـامت الألبـاب

أقـول لعـذالى مدى الدهر اقصروا * فكـل الذي يهوى سـواه يعـاب) رابعة العدوية