د.زهير السراج * لم يسيطر النظام الفاسد بالخرطوم على الصحف فقط، بل تعداها الى الاجهزة الاعلامية الأخرى، بل وبعض المواقع السودانية الإلكترونية حتى تلك التى تصدر خارج السودان مع اختلاف الاسلوب حيث تلعب الرشاوى المالية الضخمة الدور الابرز فى هذا الجانب.

* المثال الواضح على ذلك قناة (الجزيرة) القطرية التى ظلت تنحاز لسياسات الحكومة السودانية بالكامل منذ وقت ليس بالقصير .. وبالتحديد منذ عام 2008 الذى بثت فيه القناة برنامج (عين على السودان) على مدى أسبوع كامل بعد ان انتقلت بعدد كبير من كبار مذيعيها وأطقمها الفنية من الدوحة الى الخرطوم لتنقل الكثير من الأحداث وتنبش فى الذكريات وتجرى العديد من الحوارات واللقاءات مع عدد كبير من السودانيين تم اختيارهم بعناية بواسطة السلطة بالتعاون مع مكتب (الجزيرة) فى الخرطوم ..

 

* لم يكن انتاج وبث ذلك البرنامج، كما اعتقد الكثيرون، حبا من القناة لسواد عيون السودان وأهله، وانما كان اعلانا مدفوع القيمة باموال ضخمة مساهمة من حكومة الخرطوم فى تمويل القناة خاصة مع المقاطعة الكاملة المفروضة عليها من شركات الاعلان الخليجية الكبرى والصغرى، بالاضافة الى كونها محاولة من الحكومة السودانية لإظهار الجميل للقناة للخدمة الاعلامية المنحازة التى تقدمها لها، أما الأهم فهو شراء القناة لضمان انحيازها الكامل للنظام الفاسد وعدم بث ما يعكر صفو حكومة الخرطوم، ولقد أفلحت حكومة الخرطوم فى تحقيق هذا الهدف إذ انحازت القناة منذ ذلك الوقت بنسبة مائة فى المائة لسياسات وممارسات نظام الخرطوم، ولقد شهدنا جميعا كيف وبأى اسلوب وخبث تعاملت القناة مع كل أحداث الخرطوم بما فيها انتفاضة سبتمبر المجيدة فى العام الماضى التى انحازت فيها بشكل كامل لنظام الخرطوم القمعى وبياناته الاحادية بدون ابداء اى نوع من المهنية او حتى التعاطف بالشعب السودانى الذى كان يقتل فى الشوارع برصاص السلطة .. !!

 

* ويعلم الجميع أن معظم العاملين بمكتب (الجزيرة) بالخرطوم ــ ما عدا قلة صابرة تعمل تحت ظروف ضاغطة جدا ــ يدينون إما بالولاء للمؤتمر الوطنى أو يحظون برضاء السلطات السودانية وعلى رأسها جهاز الأمن، بل إن رضاء السلطات وموافقتها على الشخص هو أحد اهم شروط  حصوله على الوظيفة فى مكتب القناة بالخرطوم  ..!!

 

* وللحقيقة فـ(الجزيرة) ليست هى الإستثناء الوحيد فى هذا الجانب، بل حتى الاذاعات والمحطات الغربية الكبرى التى يظنها البعض مستقلة أو محايدة بالكامل مثل هيئة الاذاعة البريطانية (BBC ) فهى ليست كذلك، حيث تفرض عليها السلطات السودانية (جهاز الأمن) شروطا لاختيار موظفيها فى السودان مثل أن يكونوا حائزين على عضوية اتحاد الصحفيين السودانيين لمدة لا تقل عن اربع سنوات، وأن يحصلوا على الموافقة الأمنية  قبل تعيينهم بشكل رسمى، ولا شك أن هذا يؤثر قطعا على حيادهم وعلى حياد الجهة الاعلامية التى ينتمون إليها، غير أن (الجزيرة ) لها معاييرها الأخرى التى تختلف عن غيرها، إذ انها تسعى من تلقاء نفسها لاختيار اصحاب الإنتماء لفكر التيار الإسلام السياسى، خاصة فى الوظائف المهمة والمؤثرة والرئيسية مثل وظيفة مدير المكتب والمراسلين الرئيسيين..!!

 

* وإذا انتقلنا من مجال البث الاذاعى بمجاليه المرئى والمسموع الى الأسفير العريض نجد عجبا، وقد لا يصدق البعض ان بعض المواقع الإلكترونية السودانية التى تبدو فى انظار الكثيرين أشد عداءا للنظام من اى شخص أو جهة أخرى، لها ارتباطات كبيرة بالنظام وبينهما تعاون وثيق يتمثل فى نشر هذه المواقع للاخبار والموضوعات التى يريد النظام الترويج لها بشكل كبير خارج المنظومة الصحفية الورقية التى يسيطرعليها سط ما تنشره من اخبار وموضوعات عدائية له فتمنحها مصداقية بين القراء بينما تقبض هى الثمن، وسيكون لى حديث منفصل عن هذا الموضوع لاحقا باذن الله.  

 

* يبقى ان أختم هذه السلسلة من المقالات عن الصحافة السودانية بحديث قصير عن صحيفة (التيار) التى تناولتها بالحديث فى حلقات سابقة .. حيث إستبق الاخ عثمان قرار المحكمة الدستورية بعودة الصحيفة الى الصدور بمساومة بعض الشركاء الذين انكر شراكتهم فى السابق بالتخلى عن أسهمهم مقابل مائتى مليون جنيه (قديم) للسهم الواحد، مع انه كان قد عرض على بعضهم فى السابق أن يتخلى هو عن كل اسهمه وأسهم الاستاذة هويدا سر الختم شريكته فى شركة (فرى ويرد) التى تصدر الصحيفة مقابل (500 مليون جنيه) فقط .. جاء العرض الجديد بعد تدخل شخصية سياسية رفيعة فى خلافات الصحيفة، فما الذى حدث ليغير عثمان موقفه ومن أين سيأتى بالأموال الضخمة التى سيدفها للشركاء إذا قبلوا عرضه الجديد ..؟!