خالد فضل * أعيد اليوم نشر مقال كنت قد نشرته في جريدة الصحافة السودانية بتاريخ30 ينائر2003م بذات العنوان, وبدون أي تغيير, وبين ظهرانينا الذكرى الثانية لرحيل الأستاذ نقد له الرحمة ولأستاذتنا فاطمة أحمد ابراهيم الدعوات بالصحة والعافية .

     عندما وجه الصحفي الذي يعمل بجريدة البيان الأماراتية سؤالا للأستاذ محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني الذي يعيش في مخبئه الإختياري منذ أواسط التسعينيات من القرن الماضي , عن حاجته أو شعوره تجاه مسألة الدفء العائلي الذي يفتقده (بحسب تقديرات ذلك الصحفي) من كان في حالة الأستاذ نقد وطبيعة حياته السرية , كانت إجابة الأستاذ نقد رائعة وهي تحمل بين طياتها ما تكنه دواخله تجاه شعبه ووطنه دون رياء أو بهرجة ! قال نقد للصحافي “نحن في بلاد استوائية دافئة طبيعيا , لقد أفلتت منك الإجابة بإختيارك للفظ الخطأ إذ كانت إجابتي ستكون ممكنة في حالة سؤالك عن “دعاش العائلة”!

   ظل دعاش العائلة هذا يهجسني مذ أن قرأت هذا المصطلح في لقاء نقد ذاك , وظل السؤال يكبر وينداح في مخيلتي كل حين , فما أحوجنا فعلا لدعاش عائلي يطفئ لهب أيامنا ويرطب حرور مشاقنا وعنتنا الذي نحياه .. تكبر حاجتنا لدعاش العائلة , لرائحة (الجد) تلك المميزة والتي برع رمزنا السامق الطيب صالح في تصويرها في روايته الخالدة موسم الهجرة الى الشمال , رائحة لها خصوصيتها وعطرها النفاذ , تخترق مسام قلبك قبل أن تستنشقها مناخيرك إن سلمت من الزكام وزحمة الركام الوطني !

   دعاش العائلة بسيماء الحبوبة وهي تلهج بالدعاء بمأثور القول وبمسجوع التعابير صباح مساء , تشمل بدعواتها المقيمين والظاعنين و(المخبئين) من ابنائها وبناتها , أحفادها وحفيداتها وأقربائها وقريباتها وهي – أي الحبوبة – بذاكرتها النقية تعرف أماكن هجرة أولادها وتحس بلواعج غياهب منافي أحفادها في بلدان “طيرهاعجمي”, بل تعلم أن “الحيكومة” وسمها الفاير لابد ستصيب أحد منسوبيها إن كان في (الخرتوم ) وذا صلة بالشأن العام , فتراها تجبد في مسبحتها , وتتجه بالدعاء المخلص لله أن (يغطي فلان) من تصاريف الزمان , وهي في عبقريتها الطازجة تعرف أن تصاريف الزمان رهن بأناس الزمان , ولكأنها تبتدع علاقة مجاز مرسل جديدة بذكرها الزمان وتعني به  أناسه.

   دعاش العائلة بالأم الحنون والصدر الخافق وجيبا لا يهدأ , وبإنتباه دقيق لنشرات الأخبار وتسقط ما يتبادله الناس أو ما يتداولونه من (شمار) فنجدها تأسى لمصرع شخص في كولومبيا إن ورد في تفاصيل خبره أنه يعمل في مهنة يمتهنها أحد أولادها أو إحدى بناتها. تأسى لإصابات العمل ولإنهيار بناية تتوقع أن من يليها وبعيد عنها الآن ربما كان يقطن في واحدة مشابهة ! أو يعمل عملا نظيرا لما كان يفعل من ورد ذكره في الخبر , تشفق من حملات السلطات التي تقتاد بعض الناس ركلا الى سيارات تنطلق بهم مسرعة الى جهة ما غير معلومة كما يقول باقي الخبر وينخلع رتاج قلبها إن كان الخبر في ال (بي بي سي) عن عاصمة وطنها حيث يقيم ولدها الشقي.

   ودعاش العائلة قطرات ندية تبلل جفاف ريق الحياة , وزوج حنون .. مرة دوغرية وغلباوية .. زي الزين ودحامد وواحد وعارفة المسؤولية ! ليش بتوصي علي … أو كما قال حميد على لسان فاطنه بت جبر الدار  , هنا للدعاش طعم الإنتماء , رائحة الجروف وبخور الروث , فرهدة البرسيم وتمايل الغصون .. حوض اللوبيا .. والحملان  والسخلان .. وغنماية كلتوم .. وكلب السرة .. والتومات جن يرطنن .. قالن نحنا الخواجات !!! هنا دعاش العائلة (خمره وسرتيه) وجدلة عرس بين الأيادي مرميه وزفة وهيصة وتلاته قدور محلبية ونسيبة (طماعة) قالت حرمان ما بدخلن علي … وإيه .. يحمل الدعاش بشارات المطر الهتون ودمع عيون السحاب المعطون في سماء النيل والغابة والصحراء.. ويستمر الدعاش العائلي ذاك الذي عناه نقد وهو يحاور الصحفي الخليجي المبهور بالدفء اصطلاح من بلدانهم (تموت من البرد حيتانها) فالدفء عندهم مفقود , لذلك يحتاجونه.. ويكنون به عن (دعاش العائلة) ونقد يصحح المصطلح .. يرمي بأفقه ومن وراء الأفق قلب ودود.. يلهج بإنسانية مفرطة تفتقد حقا (دعاش العائلة) .. عساه يبلل ريق تصاريف الزمن (الساقكم زندية) أو خبأكم جبريا .. سيان .. سيان … سيان!

   وينفتح (خرج التداعي ) تنبعج (شونة الخواطر) ودعاش يسبق المطرة  وريح من تالا الجنوب (هبوبك يا الله) محملة بروائح (المطر النبي) وليعذرنا صديقنا الصادق الرضي ونحن نستلهم بعض قريضه بتحوير , ولكنه دعاش عائلي .. حبيبات طل , هم الأطفال في شقاوة طفولتهم , أولاد حلوين وبنات زهرات (عديل) يتحلقون حول قلب أب رحيم قبل تحلقهم حول (جسده النحيل) لحظة عودته مهدود الحيل بعد كد يوم في العمل , يفتشون في الجيوب عن قطعة حلوى مخبأة ليظفر بها أحدهم ويبتز الآخرين بعناد طفولي … كإعلان عن مودة خاصة من الأب! وأسنان بيضاء كقطرات الحليب هي إبتسامة الرضا العريضة تنطلق بها الوجوه النضيرة لحظة (عدالة التوزيع للثروة ) وإقتسام (كدح الأب الرحيم).. والحكمة حاضرة (خنقتني ليك) أو للوجه الأكثر دقة وعدالة (الفقرا اقتسمو النبقة) ودعاش العائلة الرحيم يطفئ الظمأ قبل أن تتسابق الأيادي الصغيرة لتغرف من (بارد الزير) كوب الماء النمير !!

   يا الله ! ما بال نقد ينعش الخاطر هكذا , عبارة واحدة تفتح الأفق لوصل إنساني حميم إختار له اسم (دعاش العائلة) , وهو حقا دعاش يبلل ظمأ جدران القلب النازف في زمن التحاريق والتخاريف والتخويف!!!.

   ويمتد حبل الوصل المتين .. لأقرأ (لمريم) هكذا اختارت الاسم فقط مسبوقا بابنتك وهي تكتب عن عودة فاطمة أحمد ابراهيم … وتتساءل بإيحاء بليغ .. وهل يعود لنا الزمن الجميل ؟

   كان هذا المسطور ضمن باب (يوميات العاصمة) بالزميلة الغراء “الأيام” 26/1/2003م وهي بعد – أي مريم – تعود بسطورها الى حضن العائلة , وينتثر فوق العش الدعاش , تعود مريم – السيدة الآن – طفلة تتعلق بثوب ماما فاطنة الأبيض النضيد .. وثوب فاطنة الممدود عرضه المليون ميل , وطوله قامة إنسان هذا الوطن النبيل , إذا فاطنة آيبة الى الدور الرحيبة  الى الدار الوسيعة التي يتردد فيها صدى الضحكات الفارهة المترفة للشاعر الأديب الأريب , كما كتبت مريم , وحبيبات الدعاش تتكثف في هذه اللحظات , يتساقط عليك المطر بردا وسلاما … وعشرون دستة من البشر ينعيهم صلاح بقلب إنساني مرهف الشعور , عشرون دستة  .. ما بللت شفاههم قطرة ماء … وعشرون عشرينات من الدست تداس بالجهل والفقر والمرض , ثالوث التخلف اللعين , ووحده ثوب فاطنة الأبيض الشفاف كقلب فاطنة الأبيض الشفاف يفرد أشرعة الرؤية ليفرهد الحلم الجماعي بالعدل إجتماعي … ومريم تعود صبية في شقاوة الصبا .. وأحمد يعود ذاك الطفل الغرير , ثمرة ذاك الزواج القصير قبل الرحيل الأليم للبعل صنو الهم الكبير !! وفاطنة تسكن البراري , وصلاح بضحكته المدوية وروحه العذبة يداعب في مريم وإحسان (المقدم مو موصل) , وحقا صدق الشاعر وصدق قائل الحكمة  , فهاهو الشفيع يقدمنا الى مطلع الشمس ها هم رفاق الشهداء خطوة خطوة أمام الحائرين الفقراء المساكين صوب بلوغ الغايات النبيلة , لكنهم يا للحسرة .. يا للهول .. تطوح أجسادهم فوق مشانق الغباء لنضل الطريق .. بعد أن غاب الدليل .. ويدلهم ليل الخطوب !! يا للحسرة .. ويغرغر الدم الناقع في الصدور النبيلة التي سطرت أروع ملحمة للفداء في سكة الغاية العظيمة (كرامة الإنسان)  ودعاش هذه العائلة الكبيرة بأرواح أسلافها وكريم معتقداتها , وأصوات آذانها وترانيم أجراسها وألحان أسبارها ورقصات أفراحها هو دعاش من اختار صدر شعبه ملاذا , وخفقان قلبه دربا ومسارا !!!

   آه .. آه.. ومريم تختار أن تضع قبل اسمها , ابنتك , وفاطنة أمنا جميعا, ليست أم أحمد فحسب , ليست أم مريم , ليست أم سامي وعادل .. ويا منايا حومي .. واصطفي.. فاطنة , .. وريح طيبة , وعمق غائر في تربة الوعي الناضج والفهم المستنير أم رؤوم , حانية على الفقيرات والفقراء , على الكادحين والكادحات الأميين والأميات , والمعذبين والمعذبات … ودعاش العائلة , يتحول الى بحر من دموع وليالي حداد طويلة مسهدة , وثوب زفاف تخضبه الدماء الطاهرة , لكنها لم تضع هدرا , طالما ظل البذر الصالح باق في الأرض تحت الترب مثل الحب ينمو يشق قشرة اليباب لتمتلئ الأرض بخضرة العدل بعد أن ملئت قحطا بفعل الظلم وشحوبه .

  دعاش العائلة المفقود سيعود , وأكواب الشاي ونعناع الحليفة وأحمر باهي زاهي يلفت انتباهي , هل سكر زيادة أم سكر خفيف ؟ دعاش العائلة الكبيرة ليوم العديلة وزفة الفرح الأكيدة ولو طال المخاض . ومريم تخط حروفا تفتح الخاطر على آلاف الخواطر , تتضافر الرؤى .. الأحلام … والأشواق.. وثوب فاطنة الجرجار الأبيض المنقوش يمتد بطول المليون ميل .. بسموق الأبنوسة ..وخضرة النخيل .. وجدلية العلاقة بين الأرض والانسان .. وطقس المحبة والاحسان , أهلا فاطنة .. أهلا الدعاش الممطر في بوادينا وحضرنا .. ودمت مريم .. دام ذاك الدعاش (نقد)! .