محمّد جلال أحمد هاشم* مقدّمة أدناه في هذا الفصل سوف نتناول شخصيّتين لعبتا ــــ ولا تزالان تلعبان ــــ دوراً خطيراً في تكريس الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بالسّودان ولو كان ذلك على حساب وحدته الوطنيّة وبقائه على خارطة العالم.

الشّخصيّة الأولى (حسن عبدالله التّرابي) برزت بوصفها القيادة التّاريخيّة لجماعة الإخوان المسلمين التي تقلّبت بها الأسماء بتقلّب الظّروف وهي تنادي بضرورة وحتميّة قيام الدّولة الإسلاميّة إلى أن انتهى بهم الأمر إلى تدبير انقلاب الإنقاذ الوطني (1989م إلى الآن) الذي أطاح بالدّيموقراطيّة الثّالثة (1985م ــــ 1898م). أمّا الشّخصيّة الثّانية (عبد الله علي إبراهيم) فقد برز في أوّل سنيّ حياته ماركسيّاً يقف على قيادة الحزب الشّيوعي السّوداني وانتهى به الأمر إلى الخروج من ذلك الحزب ومن ثمّ العمل بهمّة لا تعرف الكلل أو الملل في سبيل تكريس استعراب السّودان (وتبعاً لذلك أسلمته) ولو كان في ذلك انفضاض باقي المجموعات الثّقافيّة التي تستعصي على عمليّة إعادة الإنتاج هذه. في هذا الاستعراض نريد أن نبيّن الوجه الأيديولوجي غير الوطني للفقه الأصولي كونه ذرائعيّاً من جانب ووجه الالتباس الدّيني غير الوطني للأيدولوجيا العروبيّة من جانب آخر بصورة تنتهي بهما إلى أن يتماهى في بعضهما بعضاً من حيث إستراتيجيّة التّوجّه والتّكتيكات المتّبعة ليصبحا في خاتمة المطاف شيئاً واحداً بعد أن يمرّت بحالة انتقاليّة يبدوان فيها كما لو كانا متحالفين (انظر تحالف البعث مع نظام الإنقاذ حاليّاً).

 

حسن التّرابي والتّحايل الفقهي الإخواني

تكتنف شخصيّة حسن التّرابي الكثير من التّناقضات المتعلّقة بآرائه أو بآراء النّاس حوله. تتّصف آراؤه بالتّناثر والتّطاير في كلّ الاتّجاهات بحسب الظّروف. فهي ليست مبذولة للنّاس في بنيان فكري من شأنه أن ينماز به صاحبه؛ فهو يقول بالشّيء وقد يناقضه في يومه التّالي. من ذلك ما شاع عنه قوله إنّه لا يجوز رجم الزّناة المُحصنين؛ كما يجوز زواج المسلمة من الكتابي؛ كما يجوز الارتداد عن الإسلام طالما كان ذلك ردّةً فكريّة؛ لا عقوبة في الإسلام لشرب الخمر؛ أحكام السّنّة لا تنطبق على المجتمعات المسلمة اليوم؛ لا غضاضة من ناحية إسلاميّة في اختلاط الجنسين (عبد الوهاب الأفندي، 2006: 147)؛ أخيراً وليس آخراً، قال بجواز إمامة المرأة في الصّلاة. وهذه أقوال لا يمكن الزّعم بإحالتها له باعتبار أنّه قد اجترحها فكراً واجتهاداً؛ فهي ممّا صدع به بعض الفكّرين والفقهاء في فترات سابقة، وكلّ الذي يقوم به التّرابي هو تبنّي هذا الموقف أو ذاك حسب الظّرف.

يكمن التّناقض فيما يتبنّاه الترّابي في عدّة وجوه، أوّلها أنّ حسن التّرابي يقف على زعامة حركة إسلاميّة سلفيّة بالمعنى، هي حركة الإخوان المسلمين بالسّودان. فالمنطق والصّدق مع النّفس يقتضيان منه أن يفارق مثل هذه الجماعة ليقوم بتأسيس حركة فكريّة جديدة على أساس ما يؤمن به؛ ثانيها أنّه يصدع بهذه الآراء بطريقة متناثرة volatile، وليس ضمن مناقشة قائمة بذاتها فيها يقوم باستعراض الفهم التّقليدي الموروث، ومن ثمّ توضيح مناحي نقده لها، وأخيراً الصّدع بما يرى. فهو كمن يلقي بحجر في بركة ساكنة، إذ يختفي الحجر في داخلها بينما تبقى تأثيراته مستمرّة تنداح وتنداح إلى أن تنتهي بالتّلاشي. فقد درج بين فينةٍ وأخرى على أن يُلقي بمثل هذه الأقوال التي لا يمكن وصفها بالفتاوى، بل مجرّد آراء مرسلة وغير مقيّدة بتصوّر فقهي بعينه، ومن ثمّ يسكت عنها ردحاً من الزّمن ريثما يزول أثرُها. ثالثها، اتّباعه لتكتيك التّملّص من أقواله بالتّقليل من خطرها، من قبيل ما فعله عندما واجههه أحد رجال الدّين بالسّعوديّة (عبد العزيز بن باز) بآرائه تلك، فسعى إلى التّحجّج بأنّه لا يُذيعُها على الملأ تارّةً، وتارّةً أخرى متحجّجاً بأنّه صدع بها لحالات خاصّة، مثل حالة النّساء الأمريكيّات اللائي أسلمن في الوقت الذي لم يسلم فيها أزواجُهنّ. فبمنتهى الرّوح العمليّة pragmatism صدع برأيه القائل بجواز زواج المسلمة من الكتابي ــــ هذا مع كلّ ما يحتمل الموقف نفسه من التّناقض. فلو كانت هذه فتوى مفصّلة لحالة خاصّة، عندها وجب القول بتقييدها استثنائيّاً. تكمن المشكلة في أنّ التّرابي عادةً ما يُطلق هذه الأقوال شفاهةً، مرسلةَ غير مقيّدة بأيّ رؤية فقهيّة. وبالتّالي، متى ما واجهته حركة معارضة لأقواله من داخل صحن الفقه التّقليدي، قام بالتّملّص منها. رابعها أنّ التّرابي ليس مجرّد زعيم إسلامي على الصّعيد النّظريّ، فهو قد برز بوصفه زعيماً لحركة إسلاميّة تتعاطى السّياسة يوميّاً لما يزيد على النّصف قرن. وعليه، كلّ ما يؤمن به زعيم هذه الحركة ينبغي أن يظهر أثره على سلوك الجماعة التي يقودها. عُرف عن هذه الحركة عملها الدّؤوب تحت قيادة التّرابي لتطبيق الشّريعة الإسلاميّة القائمة على الفهم السّلفي، أي الفهم الذي يتناقض كلّيّاً مع أقوال التّرابي أعلاه. فضلاً عن هذا كلّه، فقد نجح التّرابي أخيراً في أن يقود جماعته للوصول إلى السّلطة عندما دبّر انقلاب ثورة الإنقاذ الوطني بالسّودان في عام 1989م. فماذا فعل عندها؟

كشف وصول التّرابي وجماعته للسّلطة عن جملة التّناقضات التي تنطوي عليها شخصيّته. لقد أثبت  على المحكّ العملي أنّه سلفي إلى أقصى حدّ، بل ومتطرّف، وغير حداثوي. فقد جُلد النّاس بمسلميهم ومسيحيّيهم لشربهم الخمر وتصنيعها؛ وقد أُلزمت المرأة على أن تغطّي جميع جسدها باعتباره عورة، ولم يُسمح لها بالزّواج من الكتابي وفق ما أجيز من قانون. بل رفع سيف الجهاد ضدّ أبناء الوطن الواحد، محوّلاً الحرب الأهليّة في السّودان إلى حرب دينيّة، الأمر الذي دفع بأهل الجنوب إلى تفضيل خيار الانفصال بعد ذلك بأكثر ممّا فعلت العوامل الأخرى التي أدّت إلى الحرب نفسها. وقد بلغ به العُته السّلفي مبلغه عندما شرع النّظام الذي يقوده في تصوير موتاه في تلك الحرب على أنّهم ليس فقط شهداء، بل حكى عن كيف كانت الملائكة تزفّهم إلى الجنّة ضمن مجموعة من الأكاذيب الخرافيّة التي يُعرف عن السّلفيّين القدرة العجيبة على تأليفها، ومن ثمّ تصديقها. ومن تناقضاته أنّه (أي التّرابي) ما إن خرج من السّلطة حتّى أعلن أنّ جميع أولئك القتلى لم يموتوا كشهداء، بل ماتوا موت الفطائس … إلخ ممّا يعرفه الجميع عن تجربة التّرابي ومن خلفه تجربة الإسلاميّين بالسّودان، وفجورهم في الخصومة (على غرار ﴿بأسُهم بينهم شديد تحسبُهم جميعاً وقلوبُهم شتّى﴾ [الحشر: 14]).

تقف تجربة حكم الإسلاميّين في السّودان كشاهد على أفكار التّرابي الحقيقيّة، وما عدا ذلك لا يُعتدّ به. وهي تجربة أثبتت لكلّ ذي بصيرة كيف أنّ التّرابي، ومن خلفه الإسلاميّون السّلفيّون، لا يزالون يبعدون بأكثر من ألف عام عن هذا العصر. فهو، مثلاً يذهب في كتاباته عن تجديد الفقه الإسلامي إلى أنّ الفقه الموروث لا يعبّر إلاّ عن الزّمن الذي صيغ فيه. هذا بينما تثبت تجربته في الحكم أنّه لا يعرف غير تلك الصّيغة لا يعدوها إلى أيّ صيغة أخرى واضحة، أللهمّ إلاّ تنصّله البراقماتي من إلزاميّة أيّ أسس فقهيّة تخلق له حرجاً، دونما تقعيد فقهي لها. فقد أثبتوا كفرهم بالدّيموقراطيّة وهي التي كان يمكن عبرها أن يصلوا إلى السّلطة. وأثبتوا بطلان مزاعمهم بأنّ الشّريعة الإسلاميّة هي نظام حكم متكامل؛ فقد وضح أنّها لا تعدو الأحكام الجزائيّة الواردة بخصوص الجنح والمخالفات الشّخصيّة، مثل شرب الخمر وباقي المعاصي المعروفة في الفقه السّلفي. ولكنّهم اشتطّوا فيها حتّى حوّلوها إلى سياط تُلهب ظهر الشّعب بغرض سوقه للاستكانة. كما فشلوا في فهم قيمة البيروقراطيّة التي تقوم عليها مؤسّسة الدّولة، فاتّبعوا أساليب في إدارة دولاب الدّولة انتهت بتدميرها. من ذلك أنّه يوجد أورنيك بعينه (أورنيك 15) لتوريد أيّ أموال لخزينة الدّولة، الغرض منه تجميع الإيرادات في خزينة وزارة المالية بطريقة مركزيّة لإعادة توزيعها فيما بعد من جانب، ومن الجانب الآخر لضبط التّصرّف في المال العام. قام الإسلاميّون في أولى أيّامهم بإلغاء هذا الإجراء بمنتهى الصّلف والغرور الذي يُعرف عن من يظنّون أنّهم يملكون الحقيقة المطلقة. وقد كان هذا الإجراء بمثابة الشّرخ الصّغير الذي ظلّ يتوسّع حتّى دمّر سدّ مأرب، فكان الفساد ونهب المال العامّ وأكل مال السُّحت الزّاخم الذي أزكم الأنوف وذهب بهيبة الدّولة والحاكمين كونهم مجرّد لصوص يُمسكون بتلابيب البلد. كما أقاموا جهاز أمن، رتّبوا له لعضويّته من منسوبي حركتهم من قبل أن يستلموا السّلطة، فجاء وهو لا خِلاق له من الدّين ومكارم الأخلاق، دع عنك القيم الحداثويّة من قبيل احترام حقوق الإنسان وخلافه. فقد باشروا المعارضة بأبشع ما واجهوه هم أنفسهم إبّان العهود الأخرى التي كانوا يقومون فيها بدور المعارضة، ففعلوا ما لم يفعله أحد قبلهم، مثل اغتصاب الرّجال والنّساء وهتك الأعراض، ثم قتل النّاس تعذيباً وشبهةً. كما فشل التّرابي، والإسلاميّون من خلفه، فشلاً ذريعاً في أن يُظهروا أيّ فهم للاقتصاد الوطني. فقد ظلّوا ينادون بضرورة أسلمة الاقتصاد طيلة سنيّ معارضتهم الطّويلة، بزعم أنّ وقف التّعامل بالرّبا واتّباع طرائق البيوع المعروفة عن العرب قبل الإسلام فأقرّها، سوف تُفضي بالمجتمع إلى آفاق الرّحابة والوفرة والكفاية الاقتصاديّة. ولكن التّجربة أثبتت أنّ الاقتصاد الإسلامي ليس سوى اقتصاد تجاري mercantile economy لا علاقة له بالتّنمية. فقد انهارت جميع مشاريع التّنمية الواحدة تلو الأخرى حتّى لم يعد واحد منها قائماً بعد عقدين من حكم الإسلاميّين. وقد انتهى الأمر بأن أصبح السّودان ثالث أفسد وثاني أفشل دولة على مستوى العالم. ولا غرو أن دخل السّودان مرحلة الصّوملة والتّفكّك الذي بدأ بانفصال الجنوب.

على هذه الخلفيّة ينبغي محاكمة أفكار التّرابي الإسلاميّة، هذا باعتماد جملة آرائه المتناثرة بوصفها تشكّل فهماً من باب التّأويل. أدناه سوف نعمد إلى بعض كتابات التّرابي لنرى الطّريقة اللولبيّة والمتقعّرة (كما وصفها منصور خالد، 1986) في تعابيره بحيث لا يمكن له الإفلات من تبعة أيّ موقف ينبني على ما يقوله. ونحن في هذا لا نريد أن نناقش أفكار التّرابي، بل نريد أن نكشف وجه الضّلالة التي قامت عليها حركة جاء أغلب قادتها وأتباعها من مؤسّسات التّعليم العالي، فوقعوا في شرك الأيديولوجيا التي غيّبت عقولهم لدرجة أن يصبحوا معاول هدم لوطنهم. وقد انفضّ الكثير من هؤلاء عن حركتهم وهربوا منها هرب الصّحيح من الأجرب، لكن بعد أن قاموا بدورهم كاملاً في تثبيت هذا الحكم الغاشم. كان في مقدور هؤلاء جميعاً أن يستنيروا بما توفّر لهم من علم أكاديمي وذكاء لولا غِيابة الأيديولوجيا. لقد نالوا الاستنارة بالطّريق الصّعب، بعد أن سلخوا زهرة شبابهم في ضلالة لا تبقي ولا تذر. وقد اكتشف أغلب هؤلاء بأُخرةٍ أنّ التّرابي ليس بمفكّر (راجع إفادة بهاء الدّين حنفي في عبد الرّحيم عمر محي الدّين، 2009).

*مجتزأ من الفصل السّابع من كتاب: الفقه الإسلامي الحداثوي