بابكر فيصل بابكر أصدر حزب المؤتمر الشعبي في الرابع عشر من هذا الشهر ورقة بعنوان (قراءة المؤتمر الشعبي للحوار الوطني) يُحلل فيها الأوضاع الداخلية والإقليمية,

و يُعدِّد الأسباب التي دفعته لقبول الإنخراط في دعوة الحوار التي أطلقها الرئيس البشير في يناير الماضي والأهداف التي يسعى لتحقيقها عبر مشاركته في ذلك الحوار.

قالت الورقة إنَّ المؤتمر الشعبي كان في وقت سابق قد درس واقع البلاد المأزوم, وحصر إحتمالات التغيير في ثلاث سيناريوهات تتمثل في أولاً : أن يستجيب النظام للضغط السياسي ويعدل من سيره فيسعى من جراء وعيه إلى حل الأزمة ، والجلوس مع القوى السياسية من أجل الدخول في حوارات مفتوحة تضمن للسودان حفظ كيانه وعافية مجتمعه, ثانياً : أن يقع النظام في أتون الإنقلاب العسكري والصراع الداخلي, ثالثاً : أن تقوم علي النظام القائمة بالثورة الشعبية.

وقد رأى المؤتمر الشعبي “إستبعاد وليس نفي” إمكانية أن يُعدِّل النظام من مساره ، وأنه إذا حدث إنقلاب من داخله فمن المستبعد كذلك أن يقوم ذلك الإنقلاب بإصلاح الحالة السياسية ويسعى عملاً نحو وضع إنتقالي متوافق عليه ، فلا يوجد سبيل أقوم في هذا الوضع من” دعم إحتمال قيام ثورة شعبية” ، لاسيما وأنها مجربة في إقتلاع الأنظمة الشمولية في تاريخ السودان الحديث ، وعلى ذلك رتب المؤتمر الشعبي خياراته في التعامل مع النظام القائم.

و من ثم – تقول الورقة –  ( جاءت بادرة لين في القول من النظام وإلقاء لبادرات إعتراف بالأزمات كلها في مسلك نادر الحدوث من ذوي السلطان ، نم عن أزمة بالغة أستُشعِرت وطوفان وشيك العموم ، فغلب رأياً إحتمال الدخول في حوار مع النظام لصالح البلاد إذا مد يده جاداً ، على أن يمضي هذا الخيار مع الخيار السابق في الإسقاط جنباً إلى جنب ). إنتهى

ليست بادرة اللين التي جاءت من الحكومة هى السبب الوحيد الذي دفع المؤتمر الشعبي لقبول الدخول في الحوار ولكن ما يدور في محيط السودان العالمي كان له دورٌ كذلك حيث ( إضطربت مجتمعات ملاصقة له ودخلت في صدام دموي ، فوجد السودان نفسه مضطرباً في محيط مضطرب ، والمد الإسلامي الذي كان ضافياً متواصلاً وجهت له الضربات ، بل وانقسم أهله مذاهباً واصطرعوا ، وتدخلت الدول المستكبرة صانعة وداعمة لفراعين جدد لا يجمع بينهم سوى المعاداة لكل ما هو إسلامي ). إنتهى

ويقطع المؤتمر الشعبي بأنَّ ( لا عودة للتآمرات الإقصائية أو التهميش والاستخفاف بالتعددية في الرأي، فليس هذا الانتقال إتفاق ثنائي بين المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني بغية الاستئثار بالسلطة أو هزيمة المنافسين السياسيين، وليس الغرض منه تسوية صراع ثنائي بعيد عن قضايا الوطن الجامع ومتطلبات نهضته ، وليس عودة لتاريخ الانقسام الحاد بين الأطروحات الفكرية على غير سبيل التعاون والتداول، إنما يسعى المؤتمر الشعبي لبناء سودان توافقي يتساوى فيه الجميع وتتحقق فيه قيم العدالة السياسية والاجتماعية لكافة السودانيين وتُعَبد في ساحات المنافسة السياسية الشريفة الصحيحة على أسس متوافق عليها ). إنتهى

غير أنَّ خطوة الشعبي قوبلت بالتشكيك من جهة القوى السياسية المعارضة التي ما زال جدارعدم الثقة بينها وبين أهل الحركة الإسلامية حكاماً ومعارضين قائماً منذ أيام ( أذهبُ انا للسجن حبيساً وتذهبُ أنت للقصر رئيساً ), حيث اعتبرها البعض مجرَّد إكمال لخطوط “تمثيلية” المفاصلة التي وقعت في صفوف الحركة عام 1999.

وبغض النظر عن موقف القوى المعارضة, وعن المواقف المعلنة من قبل الحكومة والمؤتمر الشعبي حيال قضية الحوار فمن الضروري البحث بموضوعية في جدوى أية صفقة ثنائية بين الأخير و الحزب الحاكم, وذلك من خلال معاينة الأهداف المحتملة التي يسعى كل طرف وراء تحقيقها عبر توقيع إتفاق ثنائي.

من الواضح أنَّ المؤتمر الوطني يأمل أن يلعب الشعبي دوراً في وقف النزاع الدائر في دارفور من خلال التأثير على موقف واحدة من أكبر الحركات الحاملة للسلاح والتي يعتبرها البعض بمثابة الذراع العسكري للحزب وهى حركة العدل والمساواة.

ولكن واقع الحال يقول أنَّ هذا الأمر بعيد المنال, فحقائق الأمور توضح أنه إذا كان للمؤتمر الشعبي تاثير على هذه الحركة عند إندلاع الصراع المسلح في دارفور فإنَّ هذا الوضع قد تغير بعد مرور أكثر من عشر سنوات وقعت فيها أحداثاً جسيمة زادت من ثقة الحركة بنفسها وفي إستقلاليتها  خصوصاً مع الوهن الشديد الذي أصاب المؤتمر الشعبي وأضعف مكانة و رمزية زعيمه الترابي, إضافة للإستقطاب الإثني الحاد الذي جعل أبناء دارفور ينظرون للحزب كواحد من الأحزاب التي تعبر عن جلابة “المركز” وليس “الإسلام” أو أهل الهامش.

هذا الواقع عبَّر عنه الدكتور جبريل إبراهيم بوضوح عندما قال أنَّ الحوار الذي يجري الآن بين الحكومة و بعض الأحزاب يهدف فقط لإستمرار سيطرة المركز على حكم البلاد, وأنهم لن يقبلوا “بالإستصحاب” في أية عملية حوار لا يكونوا فيها شركاء أصيلين وهو ما يعني بجلاء أنَّهم لن ينساقوا وراء الصفقات الثنائية حتى وإن جاءتهم الدعوة من شيخهم وزعيمهم السابق الترابي.

وهو نفس الشىء الذي أكدَّه الأمين السياسى لحركة العدل و المساواة الأستاذ سليمان صندل عندما قال إنَّ هرولة حزبى الأمة و الشعبى نحو حزب البشير ( تؤكد عجز و فشل النخبة السودانية فى بناء دولة سودانية تسع الجميع أساسها المواطنة المتساوية ).

كذلك أوردت الصحف أنباء عن تطلع الحكومة لأن يلعب الدكتور الترابي دوراً إقليمياً يُخفف من وطأة الحصار الإقتصادي الواقع عليها, خصوصاً مع السعودية ودول الخليج, وهنا أيضاً سيخسر رهان الحزب الحاكم لأنّ حبال الود بين الرَّجل وحكام تلك الدول قد إنقطع منذ أن إتخذ الأخير موقفاً مناوئياً لهم أبان غزو العراق للكويت, ليس هذا فحسب بل إنّ مكانتهُ بين الجماعات التي تحمل ذات أفكاره في تلك الدول قد تراجعت منذ ذلك الحين.

إضافة إلى ذلك فإنَّ تلك الدول تشهد تحولات كبيرة في علاقة حكوماتها بجماعة “الأخوان المسلمين” ليس أقلها تصنيف السعودية للجماعة كتنظيم إرهابي, وبالتالي لن يستطيع الترابي لعب أية دور تستفيد منه الحكومة في هذا الإطار, بل إنه قد يكون مطلوباً منها التباعد معهُ حتى تستقيم علاقتها مع تلك الحكومات.

أمَّا إذا كان هدف الحكومة من إبرام الصفقة الثنائية مع الشعبي هو جمع صف “الإسلاميين” حتى يعودوا كما كانوا في سابق عهدهم فهذا أيضاً حلمٌ بعيد المنال, ذلك لأنَّ الشعبي ما عاد يُمثل الجسم الوحيد أو الأكبر الذي يضم هؤلاء, وهو نفسه يُعاني من مشاكل داخلية كبيرة كشف عنها حديث الدكتور قطبي المهدي مؤخراً والذي قال فيه إنَّ استجابة الشعبي السريعة لدعوة الحوار سببها “الأزمة” الداخلية التي يعاني منها.

لا ينفي كاتب هذه السطور أن تكون الحيثيات التي ذكرها المؤتمر الشعبي في سياق توضيح أبعاد قراره الخاص بالمشاركة في الحوار صحيحة, ولكنه يضيف إليها أنَّ هذا القرار ربما يكون كذلك قد شكل مخرجاً لقيادة الحزب من أزمة داخلية تتمثل في أنَّ طيفاً مُقدَّراً من عضويته يطمحُ للتصالح مع الحكومة مدفوعاً بعاطفة قديمة أو طموحاً لمراكز سلطوية وكان يضغط من أجل التقارب مع المؤتمر الوطني, وقد جاء قرار المشاركة في الحوار ليقول لهؤلاء : نحن لسنا ضدَّ التصالح و الحوار والتلاقي و الكرة الآن في ملعب الحكومة.  

إذا كانت الأجندة غير المعلنة خلف قبول المؤتمر الشعبي بدعوة الحوار نابعة من التحولات الإقليمية و تتضمن فقط السعي لتوحيد الحركة الإسلاميَّة حتى يتثنى لها التصدي “للمحنة” التي تواجهها جماعة “الاخوان المسلمين” في مصر والخليج العربي, فإنَّ ذلك سيُفاقم الأزمة الإقتصادية الخانقة التي تعاني منها الحكومة و سيزيد من عزلتها, ويصعِّد حالة العداء مع تلك الدول, ذلك لأنَّ مساحات التصالح بين تلك الحكومات والجماعة أصبحت شبه معدومة إن لم تكن قد إنعدمت بصورة كاملة.

لا يعتقد كاتب هذه السطور كذلك أنَّ كثيراً من الجوانب المذكورة أعلاه غائبة عن حزب المؤتمر الشعبي الذي يدرك أكثر من أية حزب آخر طبيعة الحكومة و حزبها, ومآلات الإتفاقيات الثنائية مع كثير من القوى السياسية, ولذا فإنَّ من المرجَّح وفقا لهذه المعطيات أن لا يقع الحزب في فخ الصفقات الثنائية. 

الحقيقة الأهم بعيداً عن المرامي الظاهرة والخفيَّة للحزب الحاكم والمؤتمر الشعبي تقول أنَّ الأزمة السودانية بلغت حداً لم تعد تجدي معهُ الصفقات الثنائية, فالإقتصاد ينهار, والحروب تتواصل, والأوضاع الأمنية تتدهور بسرعة شديدة, وطوق العزلة يشتد, ولذا فإنَّ الطريق الوحيد السالك للخروج من الأزمة يتمثل في الحوار الحقيقي الذي لا يستثني احداً ويسعى لتحقيق “حل سياسي” يُخاطب جذور المشاكل بصورة شاملة.

لا تستطيع جهة ما في الوقت الراهن إصدار حكم نهائي على موقف المؤتمر الشعبي, ولكن الأيام المقبلة كفيلة بتوضيح ذلك الموقف, وحتى ذلك الحين لا نملك سوى أن نصدِّق أنهُ وافق على قبول مبادرة الحكومة بهدف واضح حددته الورقة الحزبية على النحو التالي :

 ( أن نلتقي سواء بسواء دون ثنائية إنتهازية على طاولة حوار جامع لكل أطياف المعارضة المدنية منها والعسكرية ، للبحث المسؤول في أزمات الوطن تفصيلاً لا قولاً عاماً ، حتى بلوغ الإتفاق قواعد ومراحل محددة منضبطة لأَجَل النظام والفترة الإنتقالية وبسط الحريات ورد المظالم ومعالجة عاجل الأزمات الراهنة ، حتى يقوم الوطن ويتعافى ويتهيأ الشعب لمرحلة الإختيار الحر لممثليه تأسيساً لحكم راشد ، وعلى هذا الطريق يختبر المؤتمر الشعبي النظام وجديته في التعاطي مع الراهن ويتقدم معه خطوة بخطوة مع مشاركة كاملة لكل القوى السياسية جمعا للصف ). إنتهى