بقلم: عبدالغني كرم الله         أحسبني بالأمس، عثرت على سر ما،  من أسراره الكثر،  سر كان يؤرقني في سمت الشاعر الشعبي المحبوب، محمد الحسن سالم حميد، لم يشبه الماء؟ ويشبه الشمس؟ ويشبه الأم؟ ويشبه الأولياء، ويشبه السكينة؟.

كنت اتعجب من بساطته الفطرية، وحسه العالي، وتفقده الحنون للأشياء والأحياء في نواحي شعره،  من أي عدن قطف هذه السجايا، التي سولت له أن يتعامل بأخوة صادقة مع النجوم والدورب والقرى، وما سر صلة الرحم التي تربطه بالنيل، والضفة، والنساء، والحوامل، والغيم، والمساجين، والشمس، فلم تتألم نملة في “المقل”، أو عصفورة في الحجير، وألتي، أو نخلة في القرير، أو بقرة في الأنقسنا، وإلا اشتكى قلبه، وسهر بالأرق والحمى، حتى مطلع الفجر.

       أمثاله ومض من الزمان، رحمة بالعالمي، كأنه آت من الغد، سحابة حب، تغيم في جبة الحاضر، تفوح من صبره، حسه، ومثاليته، وزواجه الميمون من البلاد، والنساء والنخيل، كانت عاطفته السمحة، ترسل ضوئها، وكفيها لتواسي كل مريض وجائع، ومقهور، وكان صدره، ديوان كرم للبلاد والعباد، ينزل الكرام منزلتهم، يكرم اليد الخشنة بالحفر، والقلب الموجع بالحزن، والفتاة الجميلة المحيا، لا يشقى جليس ديوانه، وديوانه قلبه الأسمر النابض بين ضلوعه، والمشرق في بسمته الأصيلة، العذبة، الموحيه، بألف رمز وكناية للسكينة.

       بالأمس، (وقع لي الأمر)،  أدركت طرفا من سره، وبركاته علينا، جميعا، فقد حكى صديق عزيز له، حكايات تسر البصيرة، حكى عن طفل ويسوع وبطل، في زي رجل عادي، مدفوع المناكب لا يؤبه له، لبساطته الآسرة، حكى عن حميد، عن الإنسان حميد،  وفيما حكى، أنهما كانا في طريقهما للبيت من الحقل، وكانت الأغنام جائعة في بطن الحلة، وهي تصيح في الدروب (مييع، ميع، ميييييييييييييع)، فهمس لجاره، بصدق وحزن (أنها تقول لي حميييد، حمييييد، أنا جائعه)..

       أهناك شعر أنبل وأعظم من هذه الكلمة؟

       أهناك بيت شعر، أجمل من بيت هذا الحس الذي ينبض في قلبه، وإحساسه بمعزات جائعة، أحساس الأم والأب والرب، فقد تذوق قلبه جوعها، ومعدتها الخالية من لذيذ البرسيم، والسعدة، وعيونها الباكية، وذيلها الحزين، وهي يلوح كغريق في سماء القرية، فأرتجف قلبه ولسانه يلهج بالدعاء، وقدمه تسعى للحقل، وجز البرسيم لها، “هيت لك”، وفي العصرية، وقد أكلت معزاته السعيدة، وقد امتلأ ضرعها “للعتود والطفل”، هنا تتجلى موهبة الشعر، “أنها الشعور”، بالأشياء والاحياء، فكل الأنبياء شعراء فعل، وعمل، ومروءة.

 ذلكم هو حميد، بل جرى به الوصف والذكاء الوقاد، أن اختفى “الجاز”، في القرية، وخرج مع صاحبه، في حمار بالليل، مقبلين من الضفة، وتحتهم علف القطيع، فظهر لهم (أبو لمبة، وهو لمن لا يعرفونه اسطوره، أو حقيقة، يظهر رجل له لمبة يضلل الناس، أو يرعبهم)، فهوى الحمار والقش، وحميد وصاحبه، ولكنه قال، وهو معفر في التراب (لقى الجاز وين ياربي)..

       حتى في الأسطورة، مسكون بالبحث (عن الجاز)، لرتينة القلب وفانونس المحبة، لم يهمه أن يهوي وصديقه، ويفتت النجيل ويتناثر، ولكن همه الجاز للقرية الوديعة، المشتعلة بالمحبة والتسبيح، يبحث له عن “الوقود”، في قلب الأسطورة، أسطورة أبو لمبة، وأين عثرت على الجاز؟ لا شك أدرك سره، وعرف أين يعثر على الجاز في أزمنة الندرة، فلهذا الدرب خلق الشعراء، درب الاستحالة، والإيمان بالشمس في قلب العتمة، وهو لا يعلم أن شعره هو “جاز”، القلوب، التي توقده في أماسيها الحالمة، والحزينة، فيبدد الخوف أيدي سبأ، وأمه بلا شعر، وشعراء، أمه بلا قلب.

       ثم حكى، عن الملايا، ذلكم المريض الصديق له، فقد كان يتعب نفسه، بين الاندية، واركان الشعر، ومرابده في الجامعات، ولا يرفض طلبا، كعادته لطالبة، أو طالب، أو جميعة، حتى صارت الملاريا صديقه له، فسأله صديقه (مالك؟ عندك ملاريا ياحميد)، فرد ببساطته المحببة، وسخريته الناعمة:

(لا… الملاريا عندها حميد)..

       ثم حكى عن الزرزور، الذي لا يحمل “مخلاية”، ولا شوال على ظهره، ولكن يأكل قوته من الحقل ويمضي، فلم يصنع “الحاحاي”، كي يهرب؟ ومثل هذا العصفور، خرج حميد من الدينا، ولكن بجراب ملئ بالمحبة، وشوالات من العشق، وهو مضى بلا جيب، أو “خزنة”، سوى قلبه المترع، فقد خرج من الدنيا بلا ولد، أو “جنى”، أو زوجه، سوى الدهر كله، والامه بنيه، والنيل والارض والسماء زوجه، أنه شاعر، شاعر صادق، وشعره الاعظم كانت حياته التي افنانها من أجل البسطاء والفقراء والمحتاجين والعشاق والمتأملين والناسكين..

يتبع، في نواحي حميد الماهلة..