رغم تبني أحدث دول العالم اللغة الإنجليزية في المداولات الرسمية والدستور لتصبح اللغة الرسمية فإن ذلك لم يمنع لغة الضاد من أن تنفرد بمساحة واسعة من الوجود الحي والفعال في خارطة الحياة اليومية بالنسبة لمواطني دولة جنوب السودان

، فقد ظهرت عدة صحف يومية ناطقة بالعربية مثل صحيفة “المصير” التي ظلت تواصل الصدور حتى الآن منذ أول صدور لها في فبراير/شباط عام 2011.

والآن تجد اللغة العربية اتساعا آخر بسبب ازدهار الكتابة الإبداعية من قصة ورواية وشعر وسط جيل الشباب، حيث سترفد جنوب السودان المكتبة العربية أثناء الأشهر القليلة القادمة بنحو ثلاث روايات جديدة ومجموعات قصصية وشعرية قال عنها كتابها إنها في طريقها للطباعة والنشر بعد الانتهاء من كتابتها.

وبحسب الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي في جنوب السودان، فإن تلك الكتابات الإبداعية بالعربية تمثل أحد المجالات الجيدة التي ستمكن من التعريف بجنوب السودان للعالم العربي بعد عقود من الحرب التي كانت مستعرة مع الخرطوم والتي أدت أيضا إلى تهميش ثقافي لمكونات الثقافة العامة في الجنوب، ويشير هؤلاء إلى أن مثل هذه الكتابات يمكن أن تحصد الجوائز القيمة في منصات التتويج العربي.

موسوعة أساسية
ويصف أتيم سايمون مبيور -وهو صحفي ومحرر الصفحة الثقافية بصحيفة “المصير” الصادرة بالعربية- الكتابة الإبداعية بالعربية في جنوب السودان بأنها موسوعة أساسية للتعريف بالدولة الوليدة، وتمثل قصب السبق الذي سيخترق منصات التتويج في العالم العربي ومن ثم في كل العالم بعد أن تجد طريقها للترجمة.

ويقول مبيور أثناء حديثه للجزيرة نت إن العربية أصبحت لغة جيل الشباب الجديد في جنوب السودان الذين تعلموا وأنهوا الدراسة الجامعية باللغة العربية في السودان وجمهورية مصر العربية التي وفرت منحا دراسية مجانية لهم طوال العقود السابقة. ويضيف أن الأدب العربي شكل حافزا كبيرا لهؤلاء الشباب للكتابة بالعربية، مما أدى إلى تحفيزهم وتطوير الملكة الإبداعية لديهم، وزاد بالقول: إنها كتابة توثق لحياة مجتمعات جنوب السودان عبر استخدام العربية لغة لإيصالها.

ويمثل كل من أستيلا قايتانو وآرثر غابريال ياك وبوي جون وألدو ديمو وقرنق توماس ضل ورجويس ستانسلاوس أبرز الوجوه الإبداعية التي اتخذت العربية لغة للكتابة الإبداعية، وأغلبهم لديه مجموعات وجدت طريقها للنشر مثل أستيلا قايتانو بمجموعتها القصصية “زهور ذابلة”، وآرثر غابريال بمجموعته “لا يهم فأنت من هناك”، إضافة إلى قرنق توماس صاحب المجموعة الشعرية التي حملت اسم “سفر المرايا”.

غياب الرعاية
ويعترف آرثر غابريال -وهو قاص وروائي- بأنه اتخذ الكتابة الإبداعية باللغة العربية لأنها لازمته طوال أيام دراسته من الخرطوم وإلى حين تخرجه في جامعة القاهرة بجمهورية مصر العربية، فضلا عن اطلاعه على كتابات أبرز وجوه الأدب العربي.

وكشف غابريال للجزيرة نت أن الشهرين المقبلين سيشهدان ميلاد أولى رواياته التي ستحمل اسم
“قيامة الزعيم” كإضافة ثانية إلى مجموعته القصصية الأولى “لا يهم فأنت من هناك” والتي نشرت قبل أكثر من خمسة أعوام.

من جهتها، تبدي القاصة أستيلا قايتانو تفاؤلها بشأن مستقبل الكتابة الإبداعية بالعربية في جنوب السودان، وتقول للجزيرة نت إنها أضافت كثيرا إلى الكتابة العربية لأنها تكتب عن حياتها المحلية، وكشفت في السياق ذاته عن قرب انتهائها من مجموعة قصصية ورواية تعد الأولى لها.

ورغم أن التفاؤل يظل حاضرا بشأن مستقبل الكتابة الإبداعية بالعربية فإن طريق صعودها وانتشارها قد تواجه بالعديد من الصعاب، فغياب الرعاية الرسمية والدعم المادي إضافة إلى قلة المنابر الإبداعية تظل عوامل مرئية تقف أمام انتشارها خارجيا رغم علامات ازدهارها داخليا.

ويعتبر الأمين العام لمركز النيل الثقافي في جوبا جيمس ماكور مدينق أن الجيل الثاني من المبدعين بجنوب السودان هم من ساهموا بصورة ملفتة لمحاولة اختراق العالم عبر الكتابة الإبداعية باللغة العربية.

ويضيف مدينق في حديثه للجزيرة نت أن بعض العوامل السياسية لعبت دورا بارزا في ازدهار مثل هذه الكتابات التي تسعى في حقيقة الأمر لتقديم الدولة الوليدة في قالب ظل مجهولا بالنسبة للعالم العربي الذي كان مهتما فقط بالمبدعين السودانيين قبل انفصال جنوب السودان.

وزاد مدينق بالقول “إذا وجدت تلك الكتابات الاهتمام والرعاية الكافيين فإن العرب سينبهرون بها