تأليف: اندرو ناتسيوس ترجمة واستعراض وتحليل: د. زهير السراج  الفظائع التى ارتكبها الصادق المهدى ضد الجنوبيين لا تقل عن فظائع البشير ..!! كان الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان اول سودانى على الاطلاق يلتقى به ويتعرف عليه (اندرو ناتسيوس) المبعوث الأمريكى السابق للسودان، .

*  وذلك فى يونيو 1989 إبان حكم الصادق المهدى وقبل انقضاض الاسلاميين بقيادة العميد عمر البشير على السلطة باسابيع قليلةكان قرنق  فى زيارة الى واشنطن وطلب خلال زيارته أن يلتقى بناتسيوس الذى كان يشغل آنذاك وظيفة مدير ادارة المساعدات الانسانية الخارجية فى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (المعونة الأمريكية) وهى الادارة المختصة بتقديم المساعدات للمواطنين فى مناطق الكوارث خاصة المتعلقة بالحروب. كان السبب الذى جعل قرنق يطلب اللقاء هو بحث المعونات الانسانية الامريكية لجنوب السودان. 

* جنوب السودان كان يعانى فى ذلك الوقت من مجاعة طاحنة اودت بحياة ما لا يقل عن ربع مليون نفس فى أقل من عامين، وكانت الوكالة الامريكية للتنمية قد ابتدرت برنامج إغاثة لجنوب السودان فى بداية عام 1988 إبان رئاسة (جوليا تافت) لادارة المساعدات الانسانية الخارجية قبل تولى ناتسيوس للمنصب فى خلال فترة حكم الرئيس جورج بوش الأب ــ حسبما جاء على لسان أندرو ناتسيوس مؤلف كتاب (السودان، جنوب السودان ودارفور). 

* ويذكر ناتسيوس إن المجاعة والأمراض الوبائية (ضمن أعمال وحشية أخرى) كانا من التكتيكات التى تستخدمها الحكومة السودانية (خلال فترتى الصادق المهدى وعمر البشير) فى مكافحة التمرد بجنوب السودان وقتل المواطنين الجنوبيين بحرمانهم من الغذاء والدواء والعناصر الضرورية للحياة خلال (الحرب الأهلية الثانية)  كما أسماها الكتاب، والتى بدأت فى عام 1983، تمييزا لها عن الحرب الاولى التى بدأت عام 1955 وانتهت باتفاقية اديس ابابا فى عام 1972 إبان حكم العقيد جعفر نميرى للسودان (1969 – 1985 ).   

* “أراد قرنق”، يقول ناتسيوس، ” أن يشرح لى وجهة النظر الجنوبية، ويذكرنى بأهمية المساعدات الانسانية لمواطنى جنوب السودان، الذين ظلوا لفترة طويلة ضحايا للاعمال الوحشية التى ترتكبها حكومات الشمال”. ويضيف، ” لقد علمت فى ذلك اليوم الكثير مما يحدث فى السودان، وتعلمت الكثير من جون قرنق الذى صار أحد أصدقائى فيما بعد.” 

* كان ذلك اللقاء، كما يذكر الكتاب، فاتحة لعلاقة اندرو ناتسيوس بالسودان وزياراته المكوكية وصداقاته الكثيرة والمتعددة لسودانيين من مختلف النخب والطوائف علموه الكثير عن السودان، ولقد فضل الكاتب عدم ذكر أسمائهم لانه كما يقول، “يخشى عليهم من بطش نظام البشير”. ويضيف، ” لقد تميز جميع من عرفتهم بالتعليم الجيد والرقى وايمانهم بالديمقراطية وحقوق الانسان ومعارضتهم لمعظم سياسات وممارسات حكومة البشير. لقد تعلمت منهم الكثير عن حركة وسياسات المجتمع فى السودان الشمالى. 

* بعد ثلاثة أشهر من ذلك اللقاء ابتدر ناتسيوس اولى رحلاته للسودان الذى ارتبط به وبمواطنيه ارتباطا وثيقا فيما بعد خاصة بعد توليه منصب مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (2001 ــ 2006 )  فى عهد الرئيس جورج بوش الإبن، والتى اشرف من خلالها على جهود إعادة الاعمار فى جنوب السودان، وتقديم المساعدات الانسانية لإقليم دارفور خلال حرب دارفور التى قضت على حياة ثلاثمئة ألف مواطن، وارتُكبت خلالها الكثير من الفظائع ضد المواطنين المدنيين على نطاق واسع.   

*   عام 2006، إختار الرئيس بوش ناتسيوس ليكون مبعوثه الشخصى فى دارفور، وذلك من أجل قيادة الجهود الدبلوماسية لانهاء الإقتتال وسفك الدماء فى الإقليم، بالاضافة الى المساعدة فى تطبيق اتفاقية السلام الشامل التى وقعت بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان فى يناير من العام 2005 “. 

* يقول ناتسيوس،” ان السودان حسب موقعه الجغرافى كخط فاصل او نقطة إلتقاء بين أفريقيا السوداء وأفريقيا العربية ظل مثل بقية دول الإقليم يواجه قضية إشراك الاسلام فى السياسة وهى من اهم القضايا التى لم تجد لها حلا حتى الان”. ويضيف،”ما عدا الحركة الشعبية لتحرير السودان (قبل الانفصال، المحرر) والحزب الشيوعى السودانى، فان كل الاحزاب والتجمعات السياسية الأخرى تستمد مشروعيتها وتعتمد فى توجهاتها على القرآن وتعاليم الدين الاسلامى، ولكنها تتنوع فى نظرتها للقضايا العامة فمنها المعتدل او الوسطى مثل الاخوان الجمهوريين وحزب الأمة الذى يرأسه  الصادق المهدى وهو شخص معتدل ولقد كان نصيرا للغرب ضد المعسكر الشيوعى خلال الحرب الباردة، ورغم ذلك فلقد ارتكبت حكومته الكثير من الفظائع ضد مواطنى جنوب السودان، بما يقارب او يعادل الفظائع التى ارتكبتها حكومة البشير فيما بعد خلال حقبة التسعينيات، كما سنرى لاحقا”.   

* من بين هذه الطوائف والملل، السلفيون الذين لا يعترفون الا بالقرآن والسنة النبوية وتعاليم الصحابة والتابعين لثلاثة أجيال فقط بعد وفاة الرسول، وويرفضون كل ما جاء بعد ذلك ومخالفا لما سبقه، ويعتبرونه بدعة (او فساد بلغة الكاتب). يقول ناتسيوس،” عند الحديث عن الاسلام يجب ان نميز بين كلمتين (ISLAMIC ) و (ISLAMIST  )، أو (اسلامى، واسلاموى، المحرر)، والاسلامويون السودانيون هم فصيل من الحركة السلفية او الفكر السلفى وتربطهم بجماعة (الاخوان المسلمين ) المصرية روابط تاريخية قديمة، رغم أن الكثير من الجماعات أو التيارات السلفية ترفض اشتغال الاخوان المسلمين بالسياسة داخل او خارج السودان. ويعتبر حسن الترابى أبرز الاسلامويين السودانيين خلال الخمسين سنة الاخيرة ولقد كان لآرائه وأعماله تأثير ضخم فى تاريخ السودان الحديث، كما سنعرف لاحقا”.

 * القضية الثانية التى لم تجد حلا حتى الان فى السياسة السودانية هى علاقة المركز بالأطراف، أو علاقة المثلث العربى بالأطراف، وهو الذى يقع فى وسط السودان وتحده من الشرق مدينة بورتسودان على البحر الأحمر ومن الشمال دنقلا على نهر النيل ومن الجنوب مدينة سنار على النيل الأزرق، وتتوسطه العاصمة المثلثة بمدنها الثلاث الخرطوم والخرطوم بحرى وام درمان. ولقد كانت السيادة والسيطرة على السودان الحديث (بعد دخول جيوش محمد باشا السودان فى عام 1821 م) لثلاث قبائل من هذا المثلث هى قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة، مما أدى لتهميش بقية قبائل وأقاليم السودان الأخرى وحرمانها من المشاركة فى السلطة والثروة، وأدى لبروز الكثير من النزاعات والصراعات والمشاكل المرتبطة بها، ولكن لا يعنى  هذا بأى حال من الأحوال رضاء كل أفراد هذه القبائل عن ما يحدث أو انهم مشاركون فى الظلم الذى يقع على الآخرين، بل إن كثيرين منهم نذروا انفسهم لمقاومة الظلم وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطبيق حقوق الانسان فى السودان وفقد كثيرون ارواحهم من جراء ذلك، غير أن ذلك لا يغير من الواقع بأن سيطرة القبائل الثلاث قادت لبروز الصراع وانتهاك حقوق الانسان فى البلاد على وتيرة متصاعدة، (وهو ما سنستعرضه ونناقشه بالتفصيل فى الحلقات القادمة ان شاء الله، المحرر) ..!!