نبيل أديب جاء في الأنباء أن ابو عيسى رئيس قوى الإجماع الوطني، قد إستقبل بمنزله طه النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية. وقد نفى طه، في تعميم صحفي، أن يكون اللقاء قد تطرق إلى تفكيك النظام، أو تكوين حكومة إنتقالية،

ولكنه أكد عزم الحكومة على القيام بإجراءات لتهيئة المناخ لإجراء الحوار. من الطبيعي أن لا يتطرق اللقاء لتفكيك النظام، ولا لتكوين حكومة إنتقالية، لأن ذلك قد يكون من نتائج الحوار، ولكن بالتأكيد ليس من متطلباته. الحوار مطلوب وضروري بالنسبة للبلد ككل، لتجاوز ما أفرزه الفشل في إدارة التنوع السياسي والثقافي والإثني من إنفصال، وحروب في الأطراف، وتدهور إقتصادي مريع، وهجمة شرسة على حريات التعبير والصحافة والتنظيم. لكي يفضي الحوار إلى ذلك يجب أن يكون شاملاً لجميع الفعاليات المؤثرة في المجتمع، والتي تشكل قوى الإجماع جزء هام منها. وحسنا فعل طه حين سعى لإشراكها في الحوار. لكي ينجح طه في مسعاه عليه التأثير على قرار الحكومة لتقوم بالإجراءات التي تثبت جديتها في إجرائه، حيث أن قوى الإجماع نأت بنفسها عن المشاركة في الحوار لأنها تشك في جدية الحكومة، بسبب تاريخ الحكومة الحافل في نقض العهود، ومن ضاق عضة الدبيب يخشى جرة الحبل. ليس أسهل على الحكومة من أن تثبت جديتها، فهي تستطيع ذلك فقط بأن تتخذ الإجراءات العملية التي تحقق ما أعلنه رئيس الجمهورية من ضرورة فصل أجهزة الدولة عن الحزب الحاكم. إن تحقيق ذلك كفيل بتوفير الثقة في جدية الحكومة، ليس فقط لأنه سيهيئ الأجواء للحوار، بل لأن حيادية أجهزة الدولة بالنسبة للصراعات الحزبية هي من أسس النظام الديمقراطي، التي لايمكن السكوت عن أي تجاوزات فيها. سيترتب على التمسك بذلك إبعاد كل ذوي اللون السياسي عن الوظيفة العمومية وعضوية أجهزة الدولة، و رفع يد جهاز الأمن، وهو من أجهزة الدولة، عن التدخل في الصراع السياسي الحزبي. حيادية الدولة تعني أن تحتفظ أجهزتها بمسافة واحدة تجاه كل الإحزاب، بما فيها الحزب الحاكم، مما يقتضي أن يرفع جهاز الأمن يده تماماً عن الصحافة، و أن يمتنع عن التدخل في حرية الإحزاب المختلفة في عقد الندوات، وتسيير المظاهرات، لأن ذلك ليس من شأنه، وعليه أن يعود لوظيفته الأساسية وهي حماية الدولة والوطن، وليس حماية الحكومة وحزبها. من الجهة الأخرى فكيف يمكن للأحزاب الدخول في حوار، بدون التواصل مع عضويتها، ومؤيديها، عن طريق الإجتماعات العامة والمناقشات العامة في الندوات و الصحف؟ 

قد يكون وقف الحرب وإحلال السلام نتيجة مرجوة للحوار، ولكن كيف التوصل لذلك دون أن تشارك الحركات الثورية المسلحة في الحوار؟ لذلك فإن التوصل لوقف إطلاق النار فوراً ثم وقف العدائيات، هو إجراء مطلوب للتهيئة للحوار. أضف لذلك أن الإتفاق على آلية الحوار،

وإدارته، والمشاركة فيه، مهم لأن الحوار يختلف عن المشاورات الحزبية. ففي النظم الديمقراطية يمكن للحزب الحاكم أن يدعو أحزاب معارضة للقاء للتعرف على وجهة نظرها في مسألة معينة، وله بعد ذلك أن يأخذ بها، أو يتجاهلها. ولكن الحوار هو مسألة مختلفة عن ذلك وهو يقوم على مناقشة لمسائل محددة بغرض الوصول الى إتفاق حولها، يتم التقيد به. وهذا يتطلب أن يتم تحت إشراف جهة محايدة. وأخيراً ولشمولية الحوار يجب إشراك المجتمع المدني فيه، كما ويجب أن يتم النقاش فيه على مسمع من جمهور الناخبين حتى يتم تكوين رأي عام حول المسائل التي يشملها الحوار