د. محمد جلال أحمد هاشم* دور التّرابي في نسف الدّيموقراطيّة (1985م ــــ 1989م) ..االقانون الجنائي ومادّة الرّدّة (1988م) لعب تنظيم الجبهة القوميّة الإسلاميّة (1985م ـــــ 1989م) تحت قيادة جسن التّرابي دوراً كبيراً في نسف الدّيموقراطيّة الثّالثة (1985م ــــ 1989م)،

وليس أدلّ على ذلك من تدبير التّرابي لانقلاب 30 يونيو 1989م الذي لجّوا ثمّ لجّوا في نكران دورهم في تدبيره حتّى اختلفوا فأقرّوا بما كان يعلمه القاصي والدّاني. في عام 1988م دخلت الجبهة القوميّة الإسلاميّة مع حزب الأمّة (تحت قيادة الصّادق المهدي) والاتّحادي الدّيموقراطي (تحت قيادة محمّد عثمان الميرغني) في الحكومة الائتلافيّة التي أُطلق عليها مسمّى «حكومة الوفاق». ما إن دخلت الجبهة الإسلاميّة تلك الحكومة حتّى ارتفعت أصواتهم الإعلاميّة تتحدّث عن الخارجين عن إجماع الأمّة، يقصدون بهم قوى المعارضة، تمهيداً لوصمهم بالكفر. وكما هو معروف، لم تفشل تلك الحكومة بقيادة الصّادق المهدي فحسب، بل سقطت سقوطاً مريعاً بسبب التّظاهرات العارمة التي ملأت شوارع الخرطوم والعديد من المدن بطول البلاد، وهو ما سنأتي إليه أدناه.

ما إن دخلت الجبهة القوميّة الإسلاميّة إلى تشكيلة الحكومة وأصبح حسن التّرابي أحد الوزراء، حتّى جدّ منها العزم والعمل التعبوي لتطبيق قوانين إسلاميّة في ظلّ زخم ابتزازي لكلّ من يقف في طريق تلك الدّعوة. انكسر حزب الأمّة تحت قيادة الصّادق المهدي لتلك الموجة الملتاثة من الابتزاز والإرهاب، بينما وقف الاتّحادي الدّيموقراطي غير مكترثٍ تشفّياً منه في حزب الأمّة الذي قلّص من سلطاته المنصبيّة حكومةً وسيادةً عبر إشراك الجبهة القوميّة الإسلاميّة. كان التّرابي وقتها هو النّائب العام ووزير العدل، فاضطلع بمهمّة صياغة تلك القوانين. لم يكن يهمّ الجبهة القوميّة الإسلاميّة شيء كما كان يهمّهم القانون الجنائي لما يشمل من عقوبات في داخلها كانوا يريدون تضمين الموادّ العقابيّة المعروفة في الشّريعة الإسلاميّة. بالنّسبة لهم، لم يكن يهمّهم شيء أكثر من جلد شاربي الخمر والزّناة (من غير المحصنين إذ كانوا يتجنّبون عقوبة الرّجم الخاصّة بالزّاني المحصن) وبالفعل، أعلن التّرابي في فترة وجيزة عن صياغة القانون الجنائي الذي لم يتجاوز المائة وثمانين مادّةً ما يدلّ على الاستعجال وعامل «الكلفتة». فقد كانت قوانين سبتمبر 1983م التي سنّها جعفر نميري (الرّئيس المعزول) بوصفها قوانين الشّريعة (وأيّدها بضراوة التّرابي وتنظيمه) قد تمّ تجميدها تحت الضّغط الشّعبي.

اشتملت تلك القوانين على جملة موادّ تتعارض بصورة صارخة مع مبادئ حقوق الإنسان وفق المواثيق الدّوليّة المصادق عليها من قبل الأمم المتّحدة (كما كان السّودان مصادقاً عليها). ومن الطّبيعي أن تكون الموادّ العقابيّة المأخوذة من الشّريعة الإسلاميّة (حدوداً أو تعذيراً) على رأس تلك المواد المتناقضة مع مبادئ وموادّ حقوق الإنسان. إلاّ أنّ أكثر ما أقلق قطاعات الشّعب ومثقّفيه ورود المادّة 129 من القانون الجنائي التي قامت بتعريف الرّدّة ومن ثمّ قامت بتحدّيد العقوبة المناسبة للمرتدّ وفق الشّريعة الإسلاميّة، ألا وهي القتل. حدث هذا بعد ثلاثة سنوات ونصف فقط من تنفيذ حكم الإعدام في حقّ شهيد الفكر الأستاذ محمود محمّد طه وهو قد تجاوز السّبعين من عمره. هذا وقد خلا ذلك القانون من أيِّ مادّة عقابيّة لفعل اللواط، بينما تشدّد في عقوبة الزّنا. عندما ناقش مجلس الوزراء تلك القوانين بغية إجازتها وإدراجها في جدول مناقشات الجمعيّة التّأسيسيّة، كان حسن التّرابي هو الذي يرأس اجتماع المجلس بحكم أن الصّادق المهدي (رئيس الوزراء) لم يكن بالبلاد. لدى سؤاله من بعض الوزراء عن سبب إسقاط أيّ عقوبة لفعل اللواط، جاء ردّ التّرابي (فيما رواه شهود عيان): «الزّنا يذهب بالأنساب، بينما اللواط ليس سوى تلاعب بالجسد».

ذلك كان آخر ما يتوقّعه الشّعب السّوداني من زمرة المتعلّمين الذين يُناط بهم أمر الفكر والثّقافة. فقد كانت الجبهة القوميّة الإسلاميّة قد فازت بجميع مقاعد الخرّيجين. عليه، فقد برزوا بوصفهم ممثّلي الصّفوة والطّبقة المتعلّمة. كان الشّعب السّوداني وقتها يمنّي النّفس بديموقراطيّة تغسل عنه سنوات ديكتاتوريّة مايو العجاف. كما كان يمنّي النّس بحياة سياسيّة يعمّها السّلام وتقف فيه تروس الحرب الأهليّة عن الدّوران. فقد امّ انتخاب الجمعيّة التّأسيسيّة في 1986م دون أن تجري الانتخابات في أيٍّ من الدّوائر الجغرافيّة بجنوب السّودان. بالرّغم من كلّ هذا، وفي جوٍّ مشحون بالتّوتّر والإرهاب السّياسي والابتزاز الدّيني، طُرحت تلك القوانين للجمعيّة التّأسيسيّة.

 

مناقشة الجمعيّة التّأسيسيّة للقانون الجنائي المعيب

في يوم 20 سبتمبر 1988م شرعت الجمعيّة التّأسيسيّة في مناقشة ذلك القانون المعيب كيفما استقبلته. وقد رفضت نقابة المحامين ذلك القانون، واصفةً له بأنّه يتناقض مع جميع المواثيق الدّوليّة الخاصّة بحقوق الإنسان وحقوق المواطنة، محذّرةً من أنّه سيعمل على تديين الدّولة وبالتّالي سيهدّد الوحدة الوطنيّة التي كانت بالفعل في مهبّ الرّيح. ومع كلّ هذا، شرعت الجمعيّة التّأسيسيّة في مناقشة القانون، هذا بالرّغم من انسحاب جميع النّوّاب الجنوبيّين من الجلسة ومقاطعتهم (جريدة الخرطوم، 21/9/1988م). بعد ذلك بأيّام، جدّدت نقابة المحامين رفضها لذلك القانون عبر مذكّرة ضافية (جريدة الخرطوم، 26/9/1988م). برغم كلّ هذا، قامت الجبهة القوميّة الإسلاميّة تحت قيادة حسن التّرابي بترفيع وتيرة حملتهم المسعورة لإجازة ذلك القانون بوصفه القانون الذي يمثّل عدالة السّماء في الأرض، ممارسين أثناء ذلك حملة يندى لها الجبين ولا تنتمي للقرن العشرين، فيها ابتزّوا النّاس وزايدوهم في الدّين، وبالتّالي خلقوا جوّاً من الإرهاب الفكري والسّياسي. وبالفعل، أجاز البرلمان ــــ في ظلّ غياب النّوّاب الجنوبيّين ــــ السّمات العامّة لذلك القانون (جريدة الخرطوم، 5/10/1988م).

تصاعدت الحملات المضادّة لذلك القانون المشين. فقد تكوّنت هيئة شعبيّة ونقابيّة بقيادة نقابة المحامين لمقاومة إجازة ذلك القانون، كما هدّد النّوّاب الجنوبيّون بالاستقالة من الجمعيّة التّأسيسيّة في حال مضت قُدُماً في مناقشة، وبالتّالي إجازة القانون (جريدة الخرطوم، 7/10/1988م). كما كانت هناك حملات قام بها أفراد مرموقون في مجالات الثّقافة والفكر والمؤسّسات الأكاديميّة. من بين هذه الحملات، يمكن الإشارة إلى ما قام به عبدالله علي إبراهيم في مناشدته النّاخبين الخرّيجين في العاصمة القوميّة، ودعوته لمقاومة مادّة الرّدّة في ذلك القانون الجنائي‏.

 

مذكّرة عبد الله علي إبراهيم ضد مادّة الرّدّة

تقف المذكّرة التي رفعها عبدالله علي إبراهيم كوثيقة هامّة من حيث قوّة عارضتها من جانب وسلاسة لغتها من جانب آخر. كما تقف كمعلم هامّ في استعراضنا اللاحق لدور الرّجل نفسه عندما نناقش دوره الحارس للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بوصفه سادنها الأكبر.

يبدأ عبدالله علي إبراهيم مذكّرته الضّافية التي رفعها لممثّلي الخرّيجين بالخرطوم (السيدة سعاد الفاتح والسّيّدين محمد يوسف محمد وإبراهيم أحمد عمر) ‏ مطالباً فيها باقي الخريجين بالتّوقيع عليها ومن ثمّ رفعها إلى من يليهم من ممثّلين برلمانيّين. يُشير عبدالله علي إبراهيم إلى روح المباغتة في صياغة ذلك القانون ومن ثمّ إدراجه للجمعيّة التّأسيسيّة لمناقشته بغية إجازته. كما يشنّ بقلمه الرّشيق مشنّعاً بحكومة الوفاق التي كان يقودها الصّادق المهدي وحسن التّرابي، مشيراً إلى ما يتضمّنه مثل ذلك القانون من تهديد لقوام الوطن وروجه:

«لقد أسفنا كخرّيجين، لنا في المساهمة بالرّأي مزيج من الكبرياء والحسّ بالواجب، أن ‏يخيّل لواضعي المشروع أنّ بوسعهم أن يباغتونا بإجازة قانون أساسي كالقانون الجنائي في سباقهم ‏لتنفيذ خريف الوفاق السّياسي الحاكم. وظلت حكومة الوفاق تصمي آذانها عن تذكير أفراد ‏وجماعات جليلة الرّأي بفساد خطّتها في تطبيق قانون جنائي مسنود باجتهاد حزبي ضيّق وما ‏سيجرّه ذلك من كساد في قوام وروح الوطن كساداً يؤذن بذهاب ريحه‎.»

بعد هذا، يُدلف عبدالله علي إبراهيم إلى القاعدة الانتخابيّة التي ينتمي إليها والتي انطلق منها في حملته ضدّ ذلك القانون، ألا وهي قاعدة الخرّيجين. فهو يُشير إلى أنّ تضمين المادّة 129 (مادّة الرّدّة) ف مشروع ذلك القانون يشكّل «… استفزازاً كبيراً». ومن ثمّ يشرع في تفنيد الحجج التي دفع بها دعاة ذلك القانون (وعلى رأسهم التّرابي) بمادّة ردّته وبغيرها عندما ذهبوا إلى التّقليل من خطورة تلك المادّة، فيقول: «ونعدّ قول القائلين في باب الطّمأنة أنّ الرّدّة في مشروع القانون قد عرّفت ‏بأوسع تعريفات الفقه الإسلامي وإنّها محايدة في الصّراع السّياسي إساءةً غير متحفّظة لعقلنا ‏وخبرتنا ووجداننا، فلم يكن لتهمة الرّدّة هذا الحياد في واقع الخلاف بين المسلمين»، معدّداً حالات بعينها في التّاريخ استُخدمت فيها تهمة الرّدّة لتصفية الخصوم السّياسيّين والفكريّين. بعد هذا يناقش عبدالله علي إبراهيم في مذكّرته الاحتجاجيّة موضوع الرّدّة في التّجربة القضائيّة السّودانيّة وكيغ أنّها اتّصفت بالغوغائيّة. فيُلمّح إلى أنّ صاغة تهم الرّدّة منتصف ستّينات القرن العشرين دون أن يكون هناك قانون يسندها فقهيّاً هم أنفسهم صاغة القانون الحالي بمادّة ردّته: «ولم تكن تهمة الرّدّة محايدة سياسيّاً في واقعنا في السّودان منذ استحدثت بشكل غوغائي ‏في عام 1968م». ومن ثمّ يدخل عبدالله علي إبراهيم إلى لبّ المأساة في التّجربة القانونيّة السّودانيّة التي وُصمت بأُخرةً بشائنةٍ لم تسبقها إليها باقي تجارب الشّعوب من حولنا:

«ما كانت الرّدّة تهمة في القانون القائم عام 1968م، ولكنّ جماعة دينيّة، بعضهم ‏من أسلاف واضعي مشروع القانون الجنائي، أخذت القانون في يدها وحاكمت الأستاذ محمود محمّد ‏طه بالرّدّة لتصفية خلاف فكري وسياسي نشأ بينهما وبينه وهو خلاف ذو أصول في الظّاهرة ‏الإسلاميّة بشكل عام. ولم يمنع كون الرّدّة لم تكن مادة مضمّنة في قوانين سبتمبر 1983م أيضا ‏من أن يحاكم بجريرتها نفس الشّيخ، وتدقّ عنقُه، ويزرى بحواريه ويرغمون على التّنكّر لمعلّمهم ‏وعلى لحس عقائدهم المؤثّلة أمام الملأ. وهذا باب في التّعصّب والملاحقة والترّصّد في الدّرجة السّفلى ‏من السّياسة ذاتها. ولذا نرى في تخصيص مادّة للرّدّة في مشروع القانون الجنائي تدبيراً سياسيّاً ‏ينذر بأوخم العواقب على نطاح الآراء والإجهادات في بلدنا، وغاية ذلك التّدبير تعطيل التّسامح ‏الفكري ومنع تخصيب الآراء بعضها البعض في لقاح نيّر‎.»

بعد هذا يبلغ عبدالله علي إبراهيم درجة عليا في الشّفافيّة ومراجعة الذّات، وهي مراجعة نادرة بين صفوف المثقّفين السّودانيّين. فقد كان من واجبهم ألاّ يأخذوا قوانين سبتمبر مأخذاً هيّناً، متساهلاً. كما يقوم بتوجيه النّقد اللاذع لمن يريدون طمأنة المثقّفين بألاّ خطر في تضمين مادّة الرّدّة في ذلك القانون (وكلّ ذلك ممّا يلي حسن التّرابي بصورة مباشرة كونه قائد تلك الحركة، فضلاً عن كونه صائغ القانون وحادي ركبه):

«لقد حسبنا بحسن نيّة أنّ بشاعة تنفيذ حكم الرّدّة في الأستاذ محمود ممّا يعلّمنا جميعاً ‏بعدم جدوى البطش بالرّأي، وأمّلنا أن يراعي بعض الدّعاة الإسلاميّين حساسيّتنا لهذه المسألة ‏كأهل رأي يعتدّون بقيمة الفكر ومنزلته في نهضة الوطن، وأن لا يفجعونا باستعلائهم الفكري مرّة ‏بعد مرّة وبخاصّةٍ وأكثرنا ما تزال تؤرّقه غفلتُه حين لم نرتاب بالقدر الكافي في قوانين سبتمبر حتّى ‏خرجت علينا بثمار المشانق المرّة وأنوف الاستتابة الرّاغمة. ووددنا أن لا نُضطر إلى القول إن الذي ‏يريد طمأنتنا إلى قلّة خطر المادّة 129 عن الرّدّة في المشروع الجديد قد يتحوّل بالزّمن إلى معتاد إجرام فكري».

ثمّ يتصدّى علدالله علي إبراهيم للتّحدّث باسم المثقّفين ممثّلين في الخرّيجين الذين أنفقت الدّولة على تعليمهم وتأهيلهم، متبرّئاً من أن يكونوا من المباركين لسنّ قوانين الرّدّة أو حارقين لبخور دعواها:

«إنّنا لنربأ بأنفسنا أن يتوّسل متوّسل بالرّدّة ليكون وصيّاً على توقنا للحقيقة ومناهج ‏بحثنا عنها ونتائج ذلك البحث. لقد تأهّلنا، وعلى نفقة الدّولة السّودانية غالباً، في شتّى ضروب ‏المعرفة تأهيلاً يلزمنا بإسقاط كلّ معرفة قبليّة قبل بدء فحصنا وتحليلنا وتشريحنا للظّواهر ‏والعمليّات الطبيعيّة والاجتماعيّة لاكتشافها وبلوغ حقائقها وقوانينها. وليس هذا الإسقاط تحلّلاً، ‏فمناهج العلم والنّظر الإبداعي جيّدة التّأسيس على أقباس من خُلق النبوّة في الفطانة والأمانة ‏والتبليغ». ‎