تقرير: جاكوب جوزيف ما أصعب الحياة في مثل هذه الأيام، ففي ليلة واحدة تتبدل الحياة من أحسنها عيشة إلى أسوئها ،عند شخص يملك أبسط مقومات الحياة التى تحفظه مع أسرته الصغيرة ،

في مكان سمه كما تشاء منزلاً أو غرفة أو قطية ، “حوش” بلا غرف، بيت بلا حوش، مهما يكن فهو مكان يحفظ ويصون فيه أسرته، هي حياة بسيطة ولكنها كريمة وببساطتها تلك ملائمة للأسرة ، ولو تتغير هذه البساطة إلى فقر مدقع، أصعب ما يمكن تحمله، جوع وعطش ، كر وفر ، حرب وحر، تشرد وموت ، حياة لا يمكن تخيلها إلا عند معايشتها على الأرصفة والطرقات ، تستشعر الآلام والجراحات وبؤس المعايشة مع أوجاعهم ومعاناتهم، وتبدو حالة المعاناة تلك عالقة في ذهن من رأوها ومن يملك في نفسه ذرة من إنسانية فانها تؤرقه.

هو وصف تبسيطي لحياة يعيشها هذه الأيام مواطنو مدينة ملكال الذين نزحوا (جراء الحرب) إلى شمال أعالي النيل بل إلى أقصى منطقة حدودية “وانطو” أو جودة الشمالية، وقد تعكس أسوأ مأساة لدرجة لا توصف عبر حكاوي هؤلاء التي تؤكد هذه المعأناة.

أوقفتها على الطريق وهي قادمة من الحدود الشمالية للدولتين ” ماريا جون ” التى بانت على وجهها أثار الأرهاق ومشقات التعب، وباحترام الأم الجنوبية وقفت ومدت يدها لتصافحنا وقلبها يحدثها عن أسئلة كثيرة، من هم هؤلاء ” أصحاب الكاميرات ” أيتبعون لمنظمة ربما تعولنا وربما وربما ؟ كانت تلك شاكلة الاسئلة التى خطرت على ذهنها ربما ! وعندما علمت من نحن قالت : لدي ما يقارب ثلاثة أسابيع هنا بعد فرارنا من ملكال، وأحمد ربي أن أطفالي ما زالوا على قيد الحياة، وصمتت قليلاً …. ولكن لا أعرف مصير أخي الآن، ميتاً أم مازالت دقات قلبه تنبض وتؤكد بقاءه حياً.

تقول ” ماريا ” وهي أم لثلاثة أطفال أنها خرجت منذ الصباح من ” راكوبتها ” التى تطل عليها ” الشمس ” من كل ناحية عند شروقها وغروبها ، خرجت منها متجهة إلى ” وانطو – جودة الشمالية” بمسمى الجارة السودانية، لماذا؟ لتقف مثل الأخريات الواقفات في صفوف البحث عن ” الملاذ الآمن “، بطاقة صغيرة ” ممغنطة ” بوصفها!، لا تجد ” ذات الاحترام ” للممغنطات ” الأخريات ” تكتب عليها التفاصيل الأولية من اسم إلى آخرها لاجئ ، بطاقة تؤكد حاجة ” حامله ” للخروج من دولته ” طوعاً ” وبمحض إرداته عبر ” وانطو” شرعاً.

عبرت ” ماريا ” عن لطفها وإن بنتيها اللتان تظلان داخل ” الراكوبة ” طوال اليوم مظهرة حسرتها على إضاعة عام دراسي بأكمله قائلة: ” هسي في حاجة تاني اسموا مدرسة ما خلاص ضاعوا ” ، وعن ولدها تقول ” الأولاد جنهم كورة ” فهم يشغلون أنفسهم ليتناسوا أصوات البنادق والرصاصات، التى ربما تذكروها أو قد يتذكروها ليكتبوا عنها ذات يومٍ، وأشارت بيدها إلى ميدان الكورة الذي لم أميز بينه وبين “مكب الأوساخ ” على كل حال هو “ميدان”.

الأجراءات ” والله يا أولادي اسكتوا ساكت ” معقدة للغاية وكل يوم حاجة جديدة ” ! تقول ” ماريا ” كانت سهلة في أيامها الأولى ما عليك سوى سحب ” إستمارة ” ودفع مبلغ 200 جنيه وأخرى 50 جنيهاً وأضيف لها الآن شيئ جديد وهو ” الفحص الطبي “، الشرط الذي قد لا يجتازه الشخص لو كان مصاباً ” بالملاريا “، فحص طبي لنازح يخطو بجدية ليصبح لاجئاً فماذا تتوقع من نتيجة فحصه سوى الملاريا في أفضل الحالات، “توكلنا على لله بس” يا أولادي قالت ماريا.

ونحن نلقي نظرات متحسرين على هذه الحياة الكئيبة والأوجه اليائسة والبائسة من الكبار والصغار، الصبيان والفتيات، الأمهات والعجزة، الرجال والشبان ربما في صفوف القتال ” حكومة كانوا أو متمردين “، رأينا البعض ” ليسوا عمال ميكانيكا ” ولكن سعياً وهروباً من حرارة الشمس أختاروا الجلوس ” تحت العربات ” بحثاً عن الظل، المعدات كلها … أي معدات قليلة التى أنقذت من النهب مفروشة (مختوتة) على الأرصفة ووراء الحوائط والرواكيب والأماكن المهجورة التى صارت ” خرابة “، آخرون ربما توقفت عندهم بلا إرادة كل الحواس فبقوا حيث ما جلسوا وعرضوا أنفسهم ” لحرارة الشمس ” لعلها أرحم بكثير من الحرارة التى خرجوا منها بقدرة قادر “ربهم ” الحرارة التى لا ترحم الإنسان والحيوان وكل ما يدب على الأرض، وكان الطفل الذي وقف وسط مدرسة ” مهجورة ” سابقاً والمسكونة الآن فصولها أجمعها مليئة ومكتظة بطالبي الأمان حتى بخارجها.

 وقف الطفل صاحب ستة الأعوام تقريباً يتبول بالقرب من غرفتهم فوقفنا بالقرب منه حتى يكمل حاجته وحالته يُرسى لها!، وقف ليتبول مرتجفاً الجسم من أعلاه إلى آخره، وهو واقف في المكان الذي أفرغ فيه ” بوله “، نظر لنا باستغراب فعرفنا أنفسنا له، ولاحقته بسؤال ماذا بك : فإشار إلى ” رقبته ” ما إن نظرنا إلى حيث يشير حتى شاهدنا ” ورماً في منطقة أسفل فكيه” نظرنا في إشارة واضحة منه تقول لنا ما ألم به، وهو يسرد: لدى ثلاثة أيام هكذا ” وأمي قال ده لووز” سألته: ما مشيت المستشفى؟ قال “مافي مستشفى هنا ” ، ووقفت هي عن بعد لدقائق متابعة حوارنا مع ابنها، واختارت أخيراً أن تنضم لنا وأمسكت برأس أبنها كعادة الأمهات وقامت بتظيف أنفه وقالت : ” ماريا شول” والدة الطفل سأعود به إلى مدينة الرنك ليتلقى العلاج ، وأنها لن تجد الموافقة للخروج من هذا المكان إلى السودان مع الإجراءات المعقدة التى تعمل على تخطيها ، هذه هي الحالة التى نحن فيها وما علينا سوى تقبل تدابير الرب هكذا تقول ” ماريا شول “.

كانت ماشية على الطريق قادمة من الإتجاه الشرقي متجهة إلى الغربي نحو شاطئ ” البحر” اثنان من أولادها يتشبثون بها، أولهم من يدها والآخر من أطراف ” ثوبها ” ، الثالث وهو أكبرهم أحب مساعدة أمه مقتسماً معها حمل كيسٍ من ” كيسين” معهما، كيس البامية والبامبي وعدد قليل من فاكهة الموز وأشياء أخرى عند الأم ، البصل وبعض الملحقات المكملة ” للحلة ” عند الابن الأكبر ، الابتسامة تشرق على وجوههم الأربعة الأم وأبنائها الثلاثة رغم البؤس الذي يكسوا العامة من ” النازحين الآن واللاجئين لاحقاً ” ، بادلتنا السلام وبادلناها إياه، وتحدثت إلينا في ” ونسة ” أولى عادية وأخرى صحفية ، أبناؤها الثلاثة في مراحل الدراسة الابتدائية، الصف السادس أكبرهم والرابع الذي يليه والأول آخرهم،  تقول “رجينا يوم دينق ” أن أبناءها تضرروا من تغير التدريس إلى اللغة الإنجليزية من العربية لذا عملت على إعادتهم الفصول حتى يتفاهموا ويتعاملوا مع ” اللغة الجديدة ” ، مضيفة: لدى واحد وعشرون يوماً هنا يا ” أبنائي ” ذهبنا لليونميس في الأحداث الأولى والثالثة في ملكال وعند خروجنا مررنا بماكال و واو شلوك وغيرها إلى أن وصلنا بحكمة  ” الله ” إلى الرنك ومنها إلى هنا ” جودة الشمالية ” .

لم تصمت ” يوم دينق ” بل ظلت تتحدث إلى أن غادرت وقالت: يتلقى زوجي التدريب العسكري في أحد المعسكرات التى لا أعلم بها  ” قالوا في جوبا ” ،  ولا نعرف عنه شيئاً حتى الآن ، ” أنتوا شايفين الناس بتعمل في إجراءاتها وأنا و أولاودي والحمد لله لينا 21 يوم وما عندنا أي حاجة عشان نعمل الإجراءات ” تتحدث وتبتسم ويبادلها أبناؤها ذات الأبتسامة!، مواصلة نسكن تحت تلك الأشجار التى تحاذى شاطىء البحر ، الحمد لله ” الليلة أتصل علي حماي من الرنك ” وأرسل لنا بعض النقود أشترينا بها هذا الخضار و ” كويس أنو خمسين جنيه جنوبي بيعمل مائة جنيه سوداني” .

هكذا تقول يوم: أريد أرسال رسالة واضحة للرئيس سلفا ولــــــــــــــ” دكتور رياك ” حاربنا طويلاً لنخرج من الظلم والقهر وقد تعبنا كثيراً نحن الأمهات في السجون في السودان. إذ هن يعملن في الأعمال الممنوعة وفق نظرة الحكومة السودانية، ” أمهاتنا  يبعن المريسة يا ولدي عشان نأكل ، واشتغلنا نفس الشغلة احنا برضو عشان نأكل أولادنا ” ، نجح السلام وانتظرنا اليوم الذي كنا ننتظره وهو يوم إستقلالنا ” هل إستقلينا عشان نقتل بعض ونرجع تاني للدولة الاحنا قلنا ما دايرين معهم الوحدة ” الكلام ده بجي ” يا سلفا ورياك ” ، أتينا بقلب واحد محبين لوطننا برغم التحديات والصعوبات التى واجهتنا صبرنا على دولتنا “، عندنا شهادات وما شغالين قلنا مافي مشكلة ، يعملوا لينا حرب كمان ويموت ويتشرد ابناؤنا دي بتجي دي يا أخوانا “.

سؤالي لسلفا ورياك ما ذنب هؤلاء الأطفال ” تصف أبناءها ” ما ذنبهم ليقتلوا في حرب لا يعرفون عنها شيئاً ” قتل الأطفال في ملكال بصورة بشعة لا يمكن وصفها ” لا رحمة في قلوب هؤلاء، لا رحمة في قلوبهم ” كانت تحكى بحرارة الحكى كانت وصوتها يعلو والدموع تنزل من وجهها تملأ خديها، لم نستطع قول شيئ سوى ” وطينا رؤوسنا ناظرين للأرض ” ولم يستطع زميلي ” سانتو بربر ” أن يحبس دموعه من حديثها المبكي ” فسقطت الدموع من وجه “، وهي تواصل حديثها ” أنا زعلانة جداً ، ياخي ما رحموا الأطفال ولا النسوان معقول الكلام ده”، عليهم أن يوقفوا هذه الحرب.

لا تستطيع تصديق هذا ” يوم دينق ” رغم بكائها على قتل الأطفال والنساء في ملكال ورغم الصعوبات التى تواجهها مع ابنائها لم يدعها حزنها إلا لتسب وتلعن ” الجنوب ” بل كانت تقول ” الجنوب هذا دولتنا ورغم ” عفانته ” سيبقى دولتنا، وأين ما ذهبنا سنعود له ، لانو بلدنا. والقت ابتسامة أخيرة علينا وقالت لأبنائها سلموا على عمامكم ” وأرحكاكم ” أي لنذهب وقالت لنا ” معليش يا أولادي لكن أحنا الأمهات عارفين الوجع” شكراً لكم وتصلوا  بالسلامة وذهبت : يوم دينق ” متجهة إلى البحر حيث تسكن هي وأبناؤها الثلاثة تحت ظل شجرة على الشاطئ.

بيتر بنجامين ” شاب ” كان في طريقه من البحر الذي يبعد عدة أمتار بسيطة من مسكنه وهو يحمل على كتفه بعض ” الملابس ” التي غسلها، ولا زال شعره الـ “ملفلف ” يقترب إلى ” البوب ” ملئ بقطرات المياه ، تحدث بأريحية بعد أن تبادلت معه بضعة ” كلمات الشباب ” محيياً إياه ” كيف يا أصلي ” فقال لي ” زابط يا مان ” ووقفنا وقلت له أنا صحفي ” فهز رأسه ” كأنه أراد أن يقول ” أعلم ” ، وسألته عن رايه في الوضع بـــ ” وانطو ” وقال ” الوضع ما جايب حقو لكن أفضل من الكتمة يا عم “، مضيفاً كنت في ” الكتمة ” الأولى حتى الأخيرة وهربنا من ملكال إلى واو شلوك في الاتجاه الغربي كنا نسمع صوت الأسلحة بأنواع مختلفة وسقطت ملكال على يد ” المتمردين ” ودمرت المدينة ، ذهبنا إلى ” لوكيوس ” إلى أن وصلنا الرنك أنا وأخوتي ووالدتي ومن الرنك جئنا هنا ” جودة الشمالية ”  سألته ،هل بدأتم الإجراءات ؟؟” نعم وخارجت أخواتي مشوا السودان ، فضلت الحاجة (الأم) وهي تبقى مارقة قريب “، وأنت؟ ” يا زول أنا ما عندي أي حاجة للسودان مجكك في البلد ده ” ، أعمل الآن فقط على إنهاء إجراءات أمي وستذهب إلى السودان، أما أنا سأعود إلى مدينة ” الرنك “، السودان ده جرَّ هواء يا عم ، ثابتين في البلد ده يا مان ، تكتم ما تكتم احنا مجككين بس يا مان.

 لم أر على وجه ” بيتر ” أي خوف أو رعب بالرغم من ما شاهده في ملكال وقال: لقد أتيت إلى جنوب السودان في العام 2011 ورجعت إلى السودان وعدت إلى الجنوب مرة أخرى ولن أخرج منه، هذه الحرب ستنتهي قريباً وستعود الأوضاع كما كانت وهكذا الأمور ببساطة عند بيتر.

يتضح من الافادات تلك أن الأمر قد بلغ مرحلة ترتقى إلى وصفها بالسيئة وتسميتها بالوضع المأساوي المحرج الذي يثقل القلب بالحزن والأسف، أوضاعاً تبدو أرحم بالنسبة ” للنازحين ” من تلك التى هربوا ونجوا منها ، وبما أن الجميع يفترش الأرض تحت ماكينات العربات وشواطئ البحر والأماكن المهجورة بلا مأكل أو مشرب فمن الصعوبة وصف الوضع الإنساني الحقيقي بــ “وانطو ” ، حتى المياه الأكثر وفرة لمحازاة البحر لمخيمهم أمست مضرة لحياة النازحين نتيجة لتلوثها فهي ما زالت  مياها غير صالحة للشرب بسبب الاغتسال والغسيل والاستحمام كل ذلك مجتمعاً في ذات المكان.

لا وجود للمنظمات الإنسانية هنا؛ طبية كانت أو تمويلية ولا حتى لافتة تلفت النظر إليها ، وحكومة ” الرنك ” لا تملك شيئاً في يدها لتحرك ساكن الأمور الحالية بسبب تدفق النازحين الهاربين من جحيم الحرب المستعرة إلى نار الفاقة والجوع والعطش، الاتحادية منشغلة باستعادة السيطرة على المناطق ومطاردة ” المتمردين ” وربما بالوصول إلى اتفاق يوقف الحرب ويعيد السلام  المفقود، المواطنون بــــــــ ” جودة ” لا يشغلهم هذا ولا ذاك بل وجدوا أنفسهم في غفلة نازحين أخطأوا الطريق عبر بوابة ” وانطو “!!. بعد أن تحطمت آمالهم.. فهل من منقذ ؟؟!!.