عبدالغني كرم الله        من تعزي؟        ولمن ترفع الفاتحة؟        أي شي أمامك، قربك، أتكئ عليه وأبكي، أنه اقرب إليك من حبل الوريد، أرفع الفاتحة لشجرة النخيل قرب داره، أو ليافطة روضة زرقاء، أو لفتاة مبللة بالعرق والدموع،

كلهن حزينات مثلك، الشاعر العظيم ينفخ الروح والمدد في الأشياء والاحياء، له معهن جميعا، صلة رحم وقرابة وعشق، كلهن بالأمس في حزن فراق روح بشرية عظيمة، هومت في الحياة والبلاد، كملاك أمل ونفع، وبركة، وصبر وعفة يد وقلب
 
        يا أكرم الرجال..
       يا أشجع الرجال..

       يديك كانت “كالجذور”، تندس في التراب، وتهب في الخفاء، والستر، أسر، وأرامل، وأطفال حياة أخرى، تمد جذور روحك، المتعددة كالنجوم، في صمت، وحياء نبيل، قلم لهذا، ولون لذاك، وحبة بندول لهذه…وبطانية لتلك، بلا من ولا سلوى، بل في طيبه وخفاء “الجذور”، التي تسهر في ظلمة الطين، من أجل غصون وورد، ترفرف في النسيم، وهي بين طوايا الطين، راضية بقدرها “في العطاء، والعطاء، والعطاء”، حتى الأطفال ودعوك ياشريف المحيا والاسم..

       يا أطيب الرجال، يا أعذب الرجال، يا أشرف الرجال..

       فراش وطن، لراحل غريب “ولا رحيل سوى المجاز”،  كان الأب، والام، والطفل والنخلة، والنيل محجوب، مججوب الشاعر الذي كتب يا والده يامريم، والذي عاش في  ظلمة، الزنزانة، وحبسها، سنوات طوال، من اجلنا جميعا، حتى سحاب بلدي يعرفه، فهو مثله، حلوب للري، ونصير للخضرة في الأحشاء والأحلام..

       هل ستجد مريم؟ أو مي؟ أو حتى “أميرة”. في هذا الزحم؟
       كي تعزيهم؟ هل عاش لهما؟ ومعهما فقط؟ وما أعظم حزنهم

       طفل صغير، أصر أن يأخذ بوستر له، ونحن في طريقنا لمقابر أحمد شرفي، لا يعرفه الطفل، ولكن عجبته صورته، والشيب كاللبن يتوج عقل عظيم، وقلب أعظم، أمه تمسك الطفل وتقطع به الشارع وتغرق في حي الثورة.

       تتأمل داره قربك، لا شئ يغري العين، دار بسيطة، لا متاع دنيا فيها، نصف بيت، كان يسكنه الشاعر الأغنى، أغنى ثروة في تخوم المجرات، ثروة الحب للبلاد والعباد، حديقة صغيرة قرب الدار، تزن حدائق الدنيا، تشربت أوراقها شمس بلادي، وأنفاسه الكريمة، ففاحت في الفسحة شمال داره، حرية، وعمق، وحياء، زخرف طبيعة النفس الصادقة، دار تحسها عش، وقلب، أكثر من بيت طين عادي، تبرق حيطه سكينة، كان قلب الشاعر مصدر رزقها، وموطن هدوئها الفطري، أي تلك السكينة الوطئية، التي تنبع من حسن الظن بالحياة والقدر والوجود.

       في الطريق لعرس دفنه، مسنات، في حج طويييييييييييييييييييييييييييييل، للمقابر، عبرن الحارات الطويلة، مشيا على الأقدام، ظهورهن متعرقة، وأرجلهن محننة بتراب الوطن، لعرس محجوب، وهو يزف للأبدية كرجل طيب، ومواطن صالح بشهادة نخيل بلادي، وزرعه، وأطفاله، ورجاله، وبناته، وبيوته، وظلاله

       شعب كامل في الشارع،(الشارع الفاتح في قلوب)، شارع الثورة بالنصف، يحمل على ظهره آلاف من النساء والاطفال والارامل والمفكرين والشعراء، يحمل الشعب، وعلى رؤوسهم كانت (روحك المبتسمة داخل الكفن الابيض، وملون بألوان الوطن العظيم)، كانت تحي من وقف في صمت وهيبة لك، وأنت تمر في وداع الأخير “مجازا”، وهل ترحل أنت؟ كانت البقالات حزينة، وهي تهب الناس الماء والعصير، والشباب يجري هنا، وهناك بين الناس والسيارات يسقي هذا، ويسرج تلك من وعثاء المشي، من أجل غرس كحلم وطني، في تراب احمد شرفي ..

       بكينا،  بكينا من القلب والحب والجمال..
       محجوب شريف كم أحبك، لأنك تهب روحك لنا، بلا من..

       كم أعرف بأن روحك بلا ضفاف، ومددك لا ينقطع. وبسمتك البشوشة وانت تستقبل في بيتك الضيوف فتشعر الجميع بأنهم موضح حبك وفرحك وبشاشتك الفطرية، تحتفي بالمواطن قبل الوطن المسروق.
..
في الشارع وأنت على رؤوس الشباب والنساء، وأنت تودع حتى في مماتك العظيم أناسك، وطرقك، التي تعرفها كما تعرف الأم الوليد، وقف الناس حزانى، أيموت الشاعر؟ لا ورب السماء، ولكنه المجاز، ففي الأمس أنت دخلت القلوب كلها، حيا، مبتسما، مريدا، وورثت ابنائك المثابرة، والحب والصبر، والجلد، أيها الشاعر العظيم..

رأيت أزهري يبكي كالأطفال
ومعاوية، ومعاوية، وسارة، وطفلة، وعجوز..

بكينا، بكاء الحب والمعرفة، لمعدن أصيل، دفن في احمد شرفي كي يزينها..

أطفال في المقابر، يحملون حبه، وصورته..

في سور المقابر وقف الشباب والاعلام، عرس دفنك كبذرة لشجرة ستنمو لا محال، وتثمر وتزهر وتسعد الشعب، فما قمت به من فعل وإحسان، من الاستحالة أن تدفنه الحياة، أن كان الضوء يدفن.

هتف لك، وقرأت الفاتحة، ودعوا لك، الجميع..

محجوب نحبك والله، حيا، وحيا..
أنت ملاذ
أنت طيب
أنت رسول
أنت نسيج وحدك
أنت الحياة الحرة، وقد شدت رحمها، فأنجبتك..

عربات واعلام وصبية يوزعون الماء والاعلام والصور، كنت عرسا، أعدت للشعب وحدة عضوية غابت..

رفرفت في محيا ودعاك أعلام السادة الصوفية، والختمية، والأمة، وجاء في االعزاء نفر كرام من كل طيف، فلم تكن دارك، وقلبك سوى قبة تدثر أفكار بلدي، وحلمها..

لكل شجرة في بلادي، شديد العزاء
لكل طفل لم يولد، وفيه شبه من محياك البشوش..

لكل شاب في جامعة
وطالبة في مختبر، عظيم العزاء في ابيكم، وشيخكم، ورسولكم العظيم..

ومحبتي لك، في ضريح قبرك الوارف الجمال والإشراك
وما أسعد رحاب الأبدية، وسماء الجمال، وأنت ترفل فيها، كالملك الاسمر العظيم، البسيط، الفقير..

لم تشبع، حين يجوع الناس
ولم تنام حين يخزل الناس
ولم تعبس حين تسجن وتعذب..

كنت أعظم الشعراء
وكنت أجمل الرجال
وكنت أرحم النساء بقلب نسج من الامومة والرجولة والفهم العظيم..

وكنت طفلا، صغيرا، متواضعا، أنيسا..

الكل يشيل الفاتحة للكل، لأنك أبن البيوت التي تفتح كلها على قلبك، الفاتح على الشارع والشعب…

طبت حيا في قبرك المعمور بالفكر والذكر والجمال..

عميق عزائي اخي محمد الجزولي، ولكل الأسرة الجليلة، افتقدتك، بالامس وانا ابكي قرب شجرة صديقة، بكيت وبكيت وبكيت وبكيت، ولكن شعرت بان روحك معنا، رغم انف المسافة وغول البعاد، شعيته معنا، ملكا للقبور..