أمل هباني ....يابا مع السلامة ....ياكالنخل قامة ما (بتركب السرجين) .....و(ماك) زولا شين اليك يا حبيبنا .....الحب والسلام والتحية

محجوب شريف….الشاعر الذي وهب الحياة كل جميل …..كيف نكتب عن ترجله المفجع ….وتوقف نبض شعره وانسانيته ونضاله وثوريته؟ …..مثل محجوب  لا يمكن أن تنعاه الا مرددا لكلماته فمثل كلامه ونضمه لا يجاريه احد ….ليس لأنه شاعر مجيد للشعر بل لأنه مخلوق من النضال المتواصل من أجل الانسانية والوطنية والانتماء لهذا المجتمع بكل قيمه النبيلة ….لذا هو ينظم انسانية وانتماء للحياة وانحيازا لكل قيمها النبيلة من المحبة والعدالة والتسامح والتسامي والنضال المتواصل بلاهوادة من أجل هذه القيم  …ومحجوب هو..هو .. قصيدته وهو حزبه وفكره السياسي وموقفه ومبدأه….في افعاله وحركاته وونسته …. وهو مثل الذهب الصافي لم يتغير ولم يتلون ولم يلن ولم  يصدأ طوال عمره وتاريخه في زمان سقط فيه الكثيرون وهانوا ولانوا …وفي لقاء قصير به كنت اتحاور معه  عن مقاطعته للاعلام وضرر ذلك على حركة الوعي في السودان ….فأجابني بأن قصائده مبادئه ولا يمكن أن يقبل أن (تسنسر) و(تقطع) وتصبح تحت رحمة الاستبداد والجلاد  …وبأنه لا يملك من كل هذه الدنيا غير هذه المبادئ وهذا الالتزام ،لذلك سيكون مرتاحا حينما يخرج من هذه الحياة  ناصعا  نظيفا بممتلكاته تلك …. وهاهو يفعل وهي لعمري ممتلكات …يضرب المستبدون والطغاة والفاسدون  والسفلة دونها الرقاب ولا يطالوها ولا يصلوها ….

فالمعلم محجوب شريف  الذي امتهن التدريس عاش طول عمره معلما مبهرا للشعب مستمدا قيمه من محبته لهذا الشعب وقيم هذا المجتمع حتى لقب بشاعر الشعب  والانسانية ….ومحجوب كانت حياته قصيدة  لم ينحز عن ايقاعها ولا عن قافيتها ،فحينما تزوج من رفيقة دربه  الاستاذة أميرة الجزولي كانت الشيلة عبارة عن كتب ومجلات ثقافية وسياسية …في زمن كان التراجع عن هذه العادات الاجتماعية يكلف كثيرا من الحصار والغضب الاجتماعي ….. وحينما اعتقل محجوب شريف في زمن نميري   كتب قصيدة خالدة لوالدته ازكت روح النضال والثورية عند كل المعتقلين وكافة شرائح الشعب السوداني المتطلعة للحرية والخلاص ويقول في مطلعها :

ياوالده يامريم .. ياعامره حنيه ..
أنا عندي زيك كم .. ياطيبة النية ..
مشتاق ومابندم .. إتصبري شوية ..
ياوالده يامريم ..
ماني الوليد العاق .. لاخنته لاسراق ..
والعسكري الفراق .. بين قليبك الساساق ..
وبيني هو البندم .. والدايره مابنتم ..
ياوالد ة يا مريم ….

    ولمحجوب شريف بنتين هما مريم ومي مجد من خلالهما المرأة السودانية وغير كثيرا من المفاهيم الاجتماعية المنحازة لانجاب الذكور فلم يكن( وجهه مسودا وهو كظيم ) حينمابشر يابنته الصغرى مي   فكتب  حين ميلادها قصيدته الشهيرة التي تغنت بها فرقة عقد الجلاد

 في اللحظة ديك والتو لحظة الميلاد
كنت نقطة ضؤ
فرهدت بيك فرهيد
وانتشيت بالريدأنا
وطرت بيك الجو
**1**
قالو ايضا بت
قلت مالو ولو
بختي بختي .. انت بتي ..
امي اختي.. همي شيلي ..
شيلي ..شيلي
شيلي مني.. مني ختي

كما كتب قصيدة نحمل عنوان مريم ومي (ابنتيه)  والتي يقول فيها :

 

 مريم ومى بنياتي
وحشتنى ولعبتن بى تحياتى
تصحووا امامى اشواقاّ تهز النبض وتتاقى
عميقاُ من شعاب النور الاقى الذكرى بتاتى
سلاماً يا حماماتى اسكنن فى مسامتى
سلاماً يا غماماتى البتدني ابتساماتى
مريم ومى بنياتي وحشتنى ولعبتن بى..
يسافر قلبى صوتي يرن يسابق الريح
قلب (الوالد) انت صحيح
تحن وتهم حذاراك من الجواك

 

هذا الشعب هو رئة محجوب شريف التي يتنفس بها لم يكفر به يوما ولم يزدريه كتب من أجله وفيه وعنه ومن هذه القصائد  قصيدته ياشعبنا

يا شعبنا
يا والداً أحبنا
يا من وهبت قلبنا
ثباتك الأصيلا
إليك هذه الرسالة القصيرة الطويلة
إليك من زنزانة تخاصم الفصولا
إليك رغم أنف كل بندقية
وطعنة شقية
وحقد بريرية
إليك الحب والسلام والتحية
إليك يا حبيبنا وبعد
أدبتنا
أحسنت يا أبي
فلم نتابع الهوى
لكنما قابيل ما أرعوى
كالذئب في حظيرة عوى
وكم غوى
وتابع الهوى
وتاه في الأنا

كم أن نفس محجوب التي احبت كل البسطاءوانحازت للطبقات المكافحة ومستضعفة التقطت ظاهرة (ست الشاي ) قبل سنوات وحولها الى قصيدة متضامنة وممساندة حيث قال :

تسعة والوالد توفي
ووالدة بين كانون ومصفي
بس ياريت الشاي يصفي
والزباين تلقي وصفة
شاي مظبوط حالا يشفي
والقروش تُحسب كتيرة
وللعيال تنفكا حيرة
وللمؤجِر والمديرة
والقسط تدفع أميرة
والدكيكين يلقي خيرا
وتلغي صفحة وتبدا غيرا
والديون قاسية وعسيرة

*********

الوالدة واصلت المسيرة
صابرة مؤمنة ياحليلا
للجمرة والكانون زميلة
الحاجة للاولاد كفيلة
ماهرة سِت شاي وقديرة
والسُلوك راقي وأصيلا
ما بتفكر في جريرة
وما بتهين شرف القبيلة

…….

أبان مرضه الذي امتد لسنوات انشاء محجوب شريف مع آخرين منظمة رد الجميل وهي مبادرة يعكس فيها حبه وامتنانه لهذا الشعب الذي وقف معه واحاطه بالمحبة والرعاية في فترة مرضه ….وتقوم الفكرة على جمع كل الاشياء المهملة والمركونة في البيوت والدولايب لمساعدةآخرين يحتاجونها ….ويصيغها نظما بقوله :

الكبرت علي والفاض عن الحاجة
المنسي في الدولاب والجوه تلاجة
إلفي الزقاق مركون فردا وازواجا
الكرسي في الحمام البمبر المكسور
أو باقي دراجة
والبي الهموم مسكون والأرض وإزعاجا
ما كان غدا حايكون للصابر الممكون
يسدو كم فرقة ويسدو كم حاجة
الناس اذا بالناس ما تقيفوا فراجة
خوفي المدن تنداس لو دونما احساس
اتعلت ابراجا
كم من ولد لا أم لا بيت ولا حاجة
ياحليلو مابحلم مدرستوا مافتحت
قداموا ادراجا
لابحس بالعيد لو مر او ما جاء
بتوسد الطرقات والحمي سهراجه
لمن يراهو الجوع واللقمة محجاجة
هوج الرياح في الليل ساكيهو كرباجا
الجمرة تحت العين مابكرة نتفأجا
الغبن ذو الحدين والفتنة مذواجة
الواحد يبقي اتنين والستة افواجا
طقس التسامح ذين والشمس وهاجه
كل العشم ياريت تتفتح الاديان بيناتنا نفاجا
نتدفئ بالحسنى وبالسلم نتناجى
مايبقي زول محتاج ماتبقي محتاجة

وكذلك علمنا المعلم كيف يحتفي بزوجنه وحبيبته ورفيقة دربه السيدة أميرة الجزولي  وهي في الستين وتصل سن المعاش ….فتنظم لها احتفائية في مركز طيبة للتدريب الاعلامي وينسج محجوب وكدأبه مشروعا انسانيا متكاملا يصلح أن يدرس ف الممدارس والجامعات  في قصيدته لها :


الماش معاش ما طاش
يا خبرة الأيام و كذا البصيرة تمام
لو حتى شوفو طشاش
أوليس خيت في خيت
هذا القماش و الشاش

يا هيبة الستين
السترة أغلى معاش
أحفظ طميك يا نيل
لسه البراري عطاش

وكتب عبرها لكل النساء ……لينصر ويناصر النساءالعاملات في كافة المجالات من الطبيبة الى الفراشة

صباح الخير.. مساء النور..
يا ست البيت.. و ست المكتب..
الفاتح على الجمهور..
ختم الدوله جنبك هيبه..
قط لم تقبلي المصرور..
حلال وبلال عليك يا أم
مرتب بالتعب ممهور..
وساعه رضاعه..
أجمل من سياحه شهور..
النوم النوم نوم وتعال
النوم تعال.. سكت الجهال..
آخر من تنومى..
وتقومي دغشا بدرى..
قبل الشمس ما تترك سرير النوم..
ويغادر عشته العصفور..
تحرسيها اللبينه تفور..
تسوي الشاهي..
يا إلهي يا إلهي..
كم من سندوتش فطور..
للممتحنه.. والبهاتي..
جاري يحصل الطابور..
وبرضو وراك مستنيك..
هم دفتر غياب وحضور..
لفحنا العمه وخليناك..
بين الحلة.. والماسوره..
رتبتي القميص والطرحه..
حفظتي النشيد والسوره..
والتعب البخلي الصوره..
فى عينيك أجمل صوره..
ديك الحجله.. وداك البلي..
ياما تشري.. ياما تبلي..
ما بتكلي.. ما بتملي..
ما بنقص حنانك ملي..
هل هذا عمل مأجور..؟!
ممرضه سستره ودكتوره..
توب السهره أبيض..
ناصع بين العنابر نور..
مدرّسة حيث مدرستك
حنانك سور..
كراريس الصبا الباكر..
تذاكر نحو بكره مرور..
سلاما عمتي الفراشه..
المقشاشه جنبك..
كم بشوفها زهور..
بت الشده والورديه..
والمكنه التي ليلها ونهارها تدور..
تحت الشمس فى الحواشه..
بين الحبه والزرزور..
كليك كليك يا حلوه..
جمبك الكمبيوتر تكيه
صبح الشاشه ياخد من عيونك نور..
أم الكادحين وغلابه والعزابه..
ست الكسره..
أحب القرقريبه
القرقريبه.. القرقريبه قريبه..
فى إيدك فراشه تدور..
والهبابه والعرق البنقط داك..
زى قمريه تقوقي فوق السور..
تغازل فى الضحى النقاع..
عشه.. وميري..
مدرسة الحياه المعموره..
لا كراس.. ولا سبوره..
لا تقرير سمح رقاكي.. لا دبوره..
تحيي تعيشي لا مقهوره.. لا منهوره..
لا خاطر جناك مكسور..
بل مستوره..
يا ذات الضرا المستور..
سلاما يا غزالات العمل.. والبيت..
ملاياتك ضفاف النيل..
أحب واديك.. هذا الحوش..
أحب الشاي مع القرقوش..
احب المستك الفواح..
أهيم فى غمرة النعناع..
بن.. ومدق..
وجمره تسخن الإيقاع..
سلاما يا نساء الأرض قاطبة..
في كل مكان

 

هذا جزء من عطائه الشعري والثوري والذي يصلح لبناء أمة بأكملها …..تشارك هذا الابداع الانساني مع قامات الغناء السوداني فغنى له الفنان محمد وردي وغنى له أبوعركي البخيت والمرحوم مصطفى سيد أحمد وتتغنى  مجموعة عقد الجلاد بأكثرية أشعاره ..وفي السنوات الأخيرة غنى له عبد اللطيف عبد الغني ….وأن توقف (نفس الرحمن ) …فأن محجوب شريف خلد في هذه الأمة وهذا السودان بمشروعه الانساني الذي انساب شعرا يطرب ويعلم ويهذب ويشذب ويثور كل نفس تقرأه ….لأنه يجعلها(خاشعة متصدعة ) من خشية مبادئ لا يهال عليها التراب ولا تفنى وأن فنى صاحبها …..وهو يبتسم هناك عند الرفيق الأعلى …فقد صنع رسالته وعالمه في الأرض ككل اصحاب الرسالات الانسانية  ثم مضى اليه …راضيا مرضيا ….