رشا عوض كيف السبيل إلى إنقاذ شعوبنا من "طاحونة القتل والتعذيب والإرهاب والاستبداد والفساد والظلم" ، تلك "الطاحونة الشريرة" القديمة قدم الإنسان نفسه، والتي ما زالت تعمل بلا كلل او ملل، لا سيما في عوالمنا المتخلفة؟

من الحماقة بمكان ادعاء احد امتلاك الإجابة الكاملة على هذا السؤال المركب، الذي تتعدد محاولات الإجابة عليه وتختلف في مستويات تعقيدها وشمولها، وفي منطلقاتها التي تتضمن الدين والفلسفة والفكر وعلوم السياسة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك،

وفي سياق البحث عن إجابة لهذا السؤال في مجتمعاتنا تبرز قضية الإسلام السياسي، لا سيما في السودان الذي عاش تجربة حكم الإسلام السياسي لمدة ربع قرن، وشكل هذا الحكم وقودا ل”الطاحونة الشريرة” المشار اليها أعلاه، ونتج عن هذه التجربة المريرة بروز اتجاهات “إلحادية” تحمل الدين من حيث هو مسؤولية القتل والتعذيب والارهاب والفساد، وقد كنت طرفا في نقاشات إسفيرية، وأخرى مباشرة(وجها لوجه) حول هذه القضية،

ناقشت (ملحدين معتدلين) و(ملحدين متعصبين) الدين من وجهة نظرهم (منبع كل الشرور والآفات)! وهذا الاتجاه أثار مخاوفي، ليس من منطلق (الغيرة على الدين) حسب المفهوم السلفي، فأنا لا أعتقد أن الدين في حاجة الى غيرة من أحد، ومن حيث المبدأ انا منحازة لحق الإنسان في حرية الاعتقاد التي تشمل الحق في الإلحاد، ولكن سبب مخاوفي هو أن الشخص(الإلحادي) المتعصب، في منهج تعامله مع السؤال المطروح في صدر هذه المقالة لا يختلف عن الشخص(الإسلاموي) المتعصب، او (المتدين المتعصب) بشكل عام، فكلاهما أسير لنظرة آيدولوجية ضيقة، غير مجدية في تجفيف وقود”طاحونة القتل والتعذيب والارهاب والاستبداد والظلم”

فهذه الطاحونة وقودها الحقيقي الغرائز الوضيعة في النفس البشرية من طمع وجشع وعدوانية وعنصرية وسادية وتسلط وأنانية ..الخ ، وهذه الغرائز الوضيعة في نفوس البشر يمكن ان تلتمس لنفسها المشروعية من الفكر الديني وقد حدث ذلك كثيرا في التاريخ وما زال يحدث حتى الآن! ولكنها أيضا يمكن ان تلتمس المشروعية من الفكر “اللا ديني” وهذا أيضا حدث تاريخيا وما زال يحدث حتى الآن!   

  

البشر من وجهة نظري لا يجب تقسيمهم على أساس ثنائية (الإيمان والكفر) او (التدين والالحاد)، البشر ينقسمون الى (أخيار وأشرار)، معسكر الاخيار متعدد الاعراق والأديان، ومتعدد المذاهب داخل الدين الواحد، ومتعدد الاتجاهات الفلسفية والخيارات الفكرية والسياسية، ومعسكر الأشرار كذلك متعدد الاعراق والأديان،ومتعدد المذاهب داخل الدين الواحد، ومتعدد الاتجاهات الفلسفية والخيارات الفكرية والسياسية، إذا كان “الخير” هو غايتنا فلنقبل بفكرة التعددية هذه أولا، ونفسح المجال لكل إنسان ان ينطلق الى الخير من المنصة التي يختارها، ثم نحاكمه بثماره!

وهذا لا يعني تجاهل مناقشة الأفكار ونقدها ايا كانت، دينية او غير دينية، ولكن ولمصلحة السلم والحرية والتسامح يجب الحذر من “الوثوقيات اليقينية المطلقة” في شأن تنظيم الاجتماع البشري، لانها تقود الى تشغيل تلك”الطاحونة الشريرة” التي من مطلوبات إيقافها توطين”الأنسنة والاعتدال” في الفكر الديني، وفي الآيدولوجيات التي تشابه الفكر الديني المتعصب في استعدادها لإزهاق ملايين الأرواح في سبيل إثبات فرضية آيدولوجية،

إذا اتفقنا ان الغاية التي نسعى لتحقيقها في الحياة، هي ان يعيش الإنسان حرا مرفها وسعيدا في عالم مسالم ومتسامح وعادل و”خيّر” ينحسر او ينعدم فيه الشر، فان حقائق التاريخ وحقائق الواقع المعاش لا تعزز فرضية ان التخلص من الدين بشكل حاسم ونهائي واحلال العقل أو العلم محله كفيل بأن يحقق هذه الغاية، هذا تبسيط مخل، و”ارثوذوكسية إلحادية” ان جاز التعبير! لا اقول ذلك انطلاقا من الإيمان” ولكن انطلاقا من قراءة لحقائق التاريخ، إذا كان التعذيب والقتل وظلم الإنسان لأخيه الانسان بكل صوره وأشكاله  جرائم شريرة، فهل هذه الجرائم مارسها المتدينون فقط؟ هل مورست في ظل الدول الدينية فقط؟ هل الحرب وهي من اقبح صور الانحطاط الإنساني اندلعت باسم الدين فقط؟ الم تندلع أشرس الحروب في التاريخ البشري على الاطلاق في اوروبا القرن العشرين حيث انتصرت العقلانية انتصارا حاسما على الدين؟ كم كان عدد ضحايا الحرب العالمية الاولى والثانية؟و كم مليون من البشر أعدم استالين؟ وكم من البشر ماتوا او فقدوا عقولهم تحت وطأة التعذيب في الدول الشيوعية التي كانت تدرس “اللادين” بدلا من “الدين؟

وفي الدول التي جعلت شغلها الشاغل تدريس”الدين” أيضا مارست القتل والتعذيب وكل انواع الموبقات، ومن السخف ان ينبري لنا أحد ويقول لنا ان من مارسوا ذلك لم يطبقوا “الدين الصحيح”!

فالبشر في سياق بحثهم عن إطار للتعايش السلمي في هذه الدنيا غير مطالبين ان يتفقوا على ما هية “الدين الصحيح الكامل الذي يقبله الله” لأن الاتفاق على ذلك مستحيل حتى بين المؤمنين بالدين الواحد! ما هو الدين الصحيح؟ هذا السؤال في اعتقادي  لن نعثر له على الإجابة الكاملة إلا يوم القيامة، يوم يفصل الله بين الناس فيما هم فيه مختلفون! ولكننا كبشر في هذه الدنيا علينا ان نسعى بجدية للاتفاق على صيغة عادلة ومرضية لتنظيم العيش المشترك بيننا بسلام وبصورة تحفظ كرامتنا الانسانية جميعا، وتكفل الحرية لكل منا في ان يعتقد ما يشاء دونما إكراه أو خوف! وفي هذا السياق ليس مطلوبا على الاطلاق إعلان الحرب على الدين من حيث هو! ولكن المطلوب بإلحاح هو النضال من أجل “علمانية وديمقراطية الدولة” ، وحرية البحث العلمي والفكر والإبداع، وحرية الضمير، وهذا بالتأكيد سيقودنا الى صراعات فكرية مضنية مع المتدينين المتعصبين، ولكن إذا كان هناك متدينون مستعدون للنضال من أجل “علمانية وديمقراطية الدولة” فلا يمكن ان نقول لهم لا مكان لكم بيننا لمجرد أنكم متدينون!

ان الذي يجعل “الدين” شريكا في إنتاج الشرور والمظالم والفتن، ومنبعا من منابع العنف والإرهاب ، وأداة من أدوات المجازر الجماعية وتكريس الاستبداد هو إخراجه من دائرة “اشتغاله الأساسية” اي من كونه صلة بين الإنسان المتدين وخالقه تنبع من الضمير، ومن كونه مصدرا لاستلهام القيم والاخلاق ، ومصدرا لاستخلاص الإجابات على التساؤلات الوجودية حول البداية والنهاية ومغزى الحياة وغايتها، إلى دائرة “الصراع السياسي حول السلطة والثروة والمصالح الدنيوية”، أي استدعاء الدين من عالم “المطلق” والزج به بصورة مباشرة وفجة في صراعات “نسبية” ومن ثم تنقلب وظيفة الدين رأسا على عقب! فبدلا من ان يكون متعاليا مترفعا على دنيا الغرائز والأطماع يصبح مجرد”آلية” من آليات إشباع هذه الغرائز والأطماع، فيتماهى الخطاب الديني في مصالح الانتهازيين الذين أقحموه عنوة في هذه الدائرة تعظيما لمكاسبهم السياسية الدنيوية، ونظرا لان الدين لم يقدم وصفة لكيفية ممارسة السياسة، لأن هذا ليس من شأنه، فإن الانتهازيين الذين يرفعون شعارات مثل(إسلام السياسة للدين) و(تطبيق شرع الله) في الواقع العملي يمارسون السياسة وفق معارفهم”الإنسانية” ووفق معطيات زمانهم ومكانهم، أي انهم يمارسون فعلا بشريا محضا لا سبيل للادعاء بأنه تجسيد لإرادة “إالهية” ولكنهم رغم ذلك يرفعون مثل هذه الشعارات المضللة التي تخدع المتدينين البسطاء وتجعلهم يعتقدون ان في عالم السياسة هناك سياسيون يتحدثون باسم الله هم “جماعات الإسلام السياسي” في مقابل سياسيين يتحدثون باسم الشيطان! او باسم أنفسهم على أحسن الفروض! وبهذا تنال جماعات الإسلام السياسي “مكاسب سياسية” كبيرة ممثلة في التأييد غير المشروط والحصانة من النقد، تأسيسا على “كذبة بلقاء” محورها ان هذه الجماعات تدير السياسة والاقتصاد وكل قضايا المجتمع ببرنامج “إلهي”!! في حين أنها تفعل ذلك ببرنامج”بشري محض” لأن ذلك”البرنامج الإلهي” المزعوم في ادارة السياسة لا وجود له أصلا!! وإن كان له وجود فما الذي جعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقاتلون بالسيوف بسبب السياسة وهم من عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم وأحيانا كان يتنزل عليه الوحي وهو بينهم؟ إذا كانت السياسة مناسك وفرائض إسلامية موصوفة في نصوص الوحي وسنة النبي كالصلاة والحج مثلا لماذا اختلف بل تقاتل حولها من كتبوا الوحي بأيديهم؟ ولماذا تتقاتل الجماعات الإسلامية المعاصرة  التي ترفع شعار أسلمة السياسة والحكم فيما بينها حتى الآن؟ لماذا لا نستخلص من هذا الكم الهائل من المفاصلات الدموية حول السلطة السياسية الخلاصة المنطقية وهي ان هذه المفاصلات لا شأن لها بالاسلام ومن ثم نبحث عن صيغة للتعايش السلمي والتنظيم العقلاني لشأن السلطة السياسية؟

إن علمانية الدولة لا تعني استئصال الإسلام او أي  دين من حياة البشر! اللهم إلا إذا اختزلنا الحياة في صراع السلطة السياسية! فمن وجهة نظري الدين الحق الذي يقصد به وجه الله الذي في السماء هو ذلك السمو الروحي والقيم الاخلاقية والإشراقات العلوية التي تطل على المسلم المتدين فتحفزه للخير والفضيلة وتحثه على كف أذاه عن الناس والرفق بهم وكبح جماح أطماعه وغرائزه، وتجعله كارها للظلم، والمتدين بهذا المعنى إذا اشتغل بالسياسة فلن يكون مستبدا او فاسدا او مخربا بسبب تمثله لتلك الإشراقات! وبسبب تمثلها كذلك لن يكون “كذابا” و”مضللا”بكسر اللام، ويدعي ان برنامجه السياسي”هو تطبيق شرع الله” ويطلب التأييد السياسي على هذا الأساس! فالمتدين الحق حتى لو اقتنع في قرارة نفسه انه يسعى لإرضاء الله فإن هذه القناعة تظل داخل ضميره، وتظل هذه القناعة تجربته الروحية الذاتية غير القابلة بطبيعتها للاستثمار في سوق السياسية، والآخر الشريك له في الوطن غير معني بتلك التجربة، بل انه معني بتدبير وإدارة معاشه بكفاءة، ومعني بكفالة حقوقه الإنسانية كاملة بما فيها “الحق في تجربة روحية مختلفة” وكذلك “الحق في تجربة مادية لا روحية مختلفة”.

إن جماعات الإسلام السياسي عندما تخرج الدين  من دائرة “اشتغاله” تلك، اي الضمير والأخلاق، الى دائرة الصراع السياسي، فإنها لا توسع مجال فاعلية الإسلام ولا تعزز فرضية شموله لكل مناحي الحياة كما تزعم، بل انها تفعل عكس ذلك تماما! وذلك بتقزيم “الإسلام” واختزاله في ملابسات تجربة بشرية ظرفية جزئية عابرة، بينما الإسلام(من وجهة نظري) هداية كلية أكبر من اي تجربة حتى ان كانت تجربة عدل ونزاهة واستقامة، ناهيك ان تكون تجربة مخجلة كما هو غالب على تجارب الإسلام السياسي التاريخية والمعاصرة.