ترجمة واستعراض د. زهير السراج ناشيونال جيوغرافيك تكشف عن وجود أكبر محمية طبيعية للحياة البرية بافريقيا فى منطقة السدود بجنوب السودان !! * "اربعة اسباب كانت وراء الاهتمام العالمى الكبير بالسودان فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد وعشرين عندما تجمعت فى وقت واحد،

وأدت الى بروز المخاطر التى ينطوى عليها السودان واختلالاته المثيرة للمشاكل، بالاضافة الى ما يتمتع به من إمكانيات”، هكذا يقول اندرو ناتسيوس مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والمبعوث الأمريكى السابق الى السودان  فى كتابه (السودان، جنوب السودان ودارفور).

 

اولا، الوحشية الكبيرة التى مارستها حكومة السودان خلال نزاعين عسكريين هما الحرب الأهلية الثانية بين الشمال والجنوب(1983 – 2005 ) التى ادت الى مقتل ما لا يقل عن 2 مليون مواطنن ونزوح 4 مليون آخرين، والحرب فى دارفور (أو التمرد الثالث، كما أسماه الكاتب)، والذى بدأ فى عام 2003 وأدى الى مقتل وحرق مالا يقل عن 300 ألف مواطن ونزوح ما لا يقل عن مليونين فى ما وصف بالابادة الجماعية التى أثارت العالم واضطرته الى التدخل لوقف النزاع.

 

ثانيا، عمليات اكتشاف وانتاج النفط بشكل متزايد بعد عام 1998 التى استرعت انتباه السوق العالمى للنفط.

 

ثالثا، تخوف القادة الافارقة والعرب من محاولات النظام السودانى لاستخدام للسودان كقاعدة لتصدير الثورة  الاسلاموية المروعة الى الخارج، خاصة الى الدول المجاورة له.

 

رابعا، احتضان السودان للحركات الارهابية الاسلاموية الأصولية التى تهدد الامن العالمى بالجرائم الارهابية لتى ترتكبها.

 

* وإذا إستعرضنا هذه الأسباب بالتفصيل نجد أن أولها فى إثارة الاهاتمام بالسودان هو التمرد الثالث الذى يحدث فى اقليم دارفور بعد التمردين السابقين الذى وقع أولهما اثناء فترة حكم الصادق المهدى (1986 – 1989 ) ووثانيهما خلال عهد الانقاذ (1996 – 1999)، ثم التمرد الثالث الذى بدأ عام 2003 ولم ينته حتى الان، وكان أكثرهم فظاعة وشراسة ودمارا وحصدا للأرواح.

 

* لقد ظلت دارفور فى حالة حرب مستمرة منذ عام 1985، وظل الصراع هو القاعدة بينما كان السلام هو الاستثناء، ولقد أدى التمرد الثالث وحده الى حدوث كارثة انسانية كبيرة كلفت الغرب حوالى مليار دولار سنويا لتقديم المساعدات لحوالى (مليونى) شخص نزحوا من مناطقهم الى حوالى 65 معسكر نزوح داخل الاقليم. وتسبب فى وقوع الكارثة الوسائل الوحشية التى استخدمتها الحكومة السودانية  بغرض التطهير العرقى للقبائل التى ينتمى اليها المتمردون، مما دعا المجتمع الدولى بمبادرة من المنظمات الحقوقية ومنظمات حقوق الانسان للتدخل وارسال 26000 جندى من قوات حفظ السلام تحت اشراف الامم المتحدة والاتحاد الافريقى بغرض حماية المواطنين، وهى البعثة الأكبر فى تاريخ الامم المتحدة الى منطقة صراع واحدة حتى الان.

 

* غطى الصراع الدارفورى  فى تلك الفترة على مشكلة الحرب الأهلية الثانية فى جنوب السودان التى بدأت فى عام 1983 وظلت مشتعلة طيلة 22 عاما، وحصدت من الارواح ما يعادل ثمانية اضعاف ما حصدته الحرب فى دارفور، ثم انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان فى يناير عام 2005، التى هندستها حكومة الرئيس بوش الدور الأكبر، وشاركت فىها حكومات النرويج، بريطانيا، وبعض الدول الأفريقية المجاورة، وكان من متطلباتها استفتاء مواطنى جنوب السودان على حق تقرير المصير فى عام 2011، فصوتوا لصالح الانفصال عن السودان وتأسيس دولتهم المستقلة التى ولدت فى التاسع من يوليو عام 2011 .    

 

* السبب الثانى الذى اجتذب الاهتمام العالمى للسودان هو موارده الطبيعية المتنوعة (خاصة فى الجنوب) وعلى رأسها النفط الذى اجتذب الشركات العاملة فى مجال النفط والحكومات التى تبحث عن مصادر طاقة اضافية لزيادة نموها الاقتصادى مثل الهند والصين. 75 % من هذا النفط كان يأتى (قبل الانفصال) من حقول الجنوب الذى يقدر بعض الخبراء إحتياطيه من النفط بحوالى 2 – 3 بليون برميل.  نصيب حكومة السودان والصين من اجمالى انتاج النفط كان حوالى 53 %، ونصيب ماليزيا 38 %، بينما يلغ نصيب الهند حوالى 8 % ( معنى ذلك ان نصيب حكومة السودان وحدها كان أقل من 50 % بكثير جدا، المحرر).

بالإضافة الى النفط، اهتمت الكثير من الشركات العالمية بالتنقيب عن  المعادن التى يذخر بها جنوب السودان وأهمها  الذهب، اليورانيوم، النحاس والكولتان الذى يستخدم فى صناعة المنتجات الإلكترونية.

 

* لا تقتصر الموارد الطبيعية على النفط والمعادن فقط، بل يعتقد البعض ان جنوب السودان يمكن ان يوفر الغذاء لأفريقيا والعالم العربى بما له من أراضى خصبة وكمية وافرة من مياه الأمطار بالاضافة الى الانهار الضخمة، ولقد أثبتت دراسة أجرتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بالاشتراك مع (ناشيونال جيوغرافيك) والخبيرالجنوبسودانى (مالك فرجان) على منطقة السدود بجنوب السودان، ان المنطقة تذخر بثروة هائلة من الحياة البرية لم تكن معروفة من قبل تقددر بحوالى 1 – 2 مليون من بينها الافيال، الظباء، الزراف، الغزلان، النعام، وحيد القرن، الاسود وحيوانات أخرى، ولا تنافسها فى ثرائها وتنوعها بالحياة البرية فى افريقيا سوى منطقتى كلهارى بـ(بتشوانا، ناميبيا وجنوب افريقيا) وسيرنجيتى بتنزانيا.  فضلا عن ذلك يضم الجنوب حوالى 8 – 10 مليون رأس من الأبقار الأليفة، وإذا ما نسب هذا العدد الى عدد السكان (حوالى 10 مليون) فهو يشكّل النسبة الأعلى فى العالم، مما يغرى الكثير من الدول والشركات للاستثمار فى هذا المجال على المدى الطويل.  

 

* بالنسبة لمصر (الجارة الشمالية للسودان) لم يكن النفط هو الثروة التى تجعل مصر تهتم بالسودان وانما الماء، ولقد درجت مصر تاريخيا على ارسال أفضل سفرائها الى السودان واثيوبيا، وذلك لان النيل الأبيض الذى ينبع من يوغندا والنيل الازرق الذى ينبع من اثيوبيا يقترنان امام القصر الجمهورى بالخرطوم ليكوّنا نهر النيل الذى يتجه شمالا الى مصر ليصب فى البحر الابيض المتوسط، وبدون وصول الكمية الكافية لمصر من مياه النهر فانها لن تستطيع ان توفر الماء والغذاء والاحتياجات الضرورية الأخرى لمواطنيها ــ (أعلنت مصر مؤخرا ان عدد السكان بلغ 96 مليون نسمة،  90 مليون منهم يعيشون داخل مصر و 6 مليون بالخارج، المحرر) ــ وتعتقد الأجهزة الرسمية المصرية ان كمية المياه التى ستصل مصر فى عام 2017 لن تكون كافية لمقابلة احتياجات الزراعة والصناعة والشرب ..إلخ، وهو سبب الاهتمام المتعاظم لمصر بما يحدث فى السودان، ولقد كان احد أسباب اندلاع الحرب الأهلية الثانية بالجنوب هو اعتراض الجنوبيين على  مشروع  (قناة جونقلى) الذى كانت سيرفع نسبة مياه نهر النيل بحوالى 5 – 7 % ، ولكنه كان فى المقابل سيؤدى الى تقليص منطقة السدود بحوالى  40 %  مما يشكل تهديدا مباشرا وخطيرا على كل انماط الحياة فى المنطقة، بالاضافة الى تأثيره السلبى والكبير على المناخ فى الجنوب، ولم يكن من المؤمل ان توافق أى حكومة جنوبية مستقلة على هذا المشروع، ولهذا ظلت مصر تعترض على وجود دولة جنوبية ذات سيادة، ولقد ظلت وعلى مدى قرنين من الزمان تتدخل فى شؤون السودان الداخلية، أحيانا بعنف، لارتباط مصالحها ارتباطا مباشرا بالسودان.

 

* ثالث الاسباب التى جذبت اهتمام العالم للسودان  هو الصراع  بين وجهة النظر المسيحية والاسلامية، وهو صراع ظل دائرا فوق ارض السودان على مدى أجيال طويلة متعاقبة، وأى محاولة لانكار هذه الحقيقة ستؤدى لتقديم صورة مشوهة وغير حقيقية عن السودان. فضلا عن ذلك فلقد ظل التوتر سائدا (داخل الاسلام نفسه) بين وجهات النظر الاسلامية المختلفة فى السودان الشمالى، ففى المناطق الريفية يسود الصوفيون والتيار الصوفى، بينما يسود فى المدن الاسلاميون وتيارات الاسلام السياسى التى تتهم التيار الصوفى بالضلال والفساد والبعد عن الدين.

 

* فى سودان ما قبل الانفصال، كان حوالى 70 % من السكان مسلمين سنيين، و20 %  مسيحيين معظمهم كاثوليك و10 % يعتنقون ديانات محلية.  ولقد حكمت السودان منذ استقلاله فى عام 1956 اربع حكومات ذات خلفيات دينية اسلامية، اثنتان منهم منتخبتان ديمقراطيا فى عامى 1964 و1986، وواحدة بدأت بخلفية اشتراكية قومية عربية ثم أصبحت ذات خلفية اسلامية  متشددة فيما بعد (1976) وهى حكومة العقيد جعفر نميرى (1969 – 1985 )، واخيرا حكومة عمر البشير الذى استولى على السلطة بانقلاب عسكرى ( مثل جعفر النميرى) فى عام 1989 ولقد مارست الحكومات الاربعة القمع العسكري ضد المواطنين الجنوبيين لمحاربة التمرد واضهدت المسيحيين الجنوبيين وطردت الارساليات المسيحية التبشيرية من جنوب السودان. مما أدى الى حدوث عكس ما قصدت اليه هذه الحكومات حيث قامت الكثير من الكنائس الوطنية بدلا عن الاجنبية التى طُردت، وتحول عدد كبير من معتنقى الديانات المحلية الى الدين المسيحى فى أسرع عملية تحول شهدها العالم على الاطلاق. وحدث ذلك على وجه الخصوص فى عهد الحكومة الرابعة التى ارتكبت الكثير من الفظائع والاهوال ضد المواطنين الجنوبيين وعكست الوجه القبيح للسودان ولفتت انظار العالم الى ما يحدث فيه من اهوال وفظائع على يد رئيسها البشير وبوحى وتخطيط عرابها الروحى وقائدها الدينى الدكتور الترابى الذى كان يبشر ويخطط لنشر ثورته الاسلاموية خارج حدود السودان مما ازعج حكومات الدول المجاورة التى توجد بها أقليات مسلمة تعيش فى سلام مع الأغلبية المسيحية ..!!   

 

* رابع الاسباب وآخرها هو استضافة السودان للجماعات الارهابية الاسلاموية المتشددة التى كانت تقوم بعمليات ارهابية فى الغرب وبعض الدول الأخرى المجاورة للسودان، مما وضع الغرب فى حالة استنفار ضد السودان الذى يسر للارهابيين الدخول للسودان وزودهم بجوازات سفر سودانية وملاذ آمن وقاعدة للانطلاق لممارسة العمليات التخريبية والارهابية ..!!

 

8 كانت تلك هى الاسباب الاربعة التى اجتذبت اهتمام العالم للسودان ووضعته تحت دائرة الضوء ونواصل استعراض الكتاب فى الحلقة القادمة باذن الله.