سيف الدولة حمدنا الله لا أعرف جهة تطلع "مداعي" بفضائحها بمثلما تفعل الإنقاذ، ولو أن هناك عاقل واحد من بين أصحاب القرار في هذا النظام لنصح الرئيس بأن يأخذ اللطمة من سُكات،

ويبتلع الإهانة التي لحقت به بسبب عدم دعوته لحضور مؤتمر القمة الأوروبية الأفريقية في صمت وبلا جعجعة ويحشي فمه بالتراب، فمثل هذا العويل الذي تُطلقه الحكومة يُقال له بالبلدي “طفاسة”، فليس هناك سبب واحد – من الأساس – يجعل النظام ينتظر أن تُوجه له الدعوة، فالمتهم في قضية بقسم الشرطة لايتوقّع أن تتم دعوته لوليمة في بيت ضابط المباحث.

هذا زعيق لا يضر الاّ بصاحبه، فالرئيس يعلم أن هذه الدعوة حتى لو تمت، سوف تكون بلا معنى، كالعطلة الرسمية التي تصادف يوم جمعة، فهو لا يستطيع الوصول إلى البلد الذي يُعقد به الإجتماع (بروكسيل – بلجيكا) الاّ بالبساط السحري الذي جرى ذكره في الأساطير، فليست هناك دولة بالممر الجوي الذي تسلكه الطائرة تسمح له بعبور أجاوائها، وإذا حدث أن وصل فسوف يتم القبض عليه بمجرد وضع طرف رجله بأرض المطار.

الذي تسبب في جعل النظام يحتج بهذا الصوت العالي على عدم دعوة الرئيس لحضور المؤتمر، هو تضليل أصابه من موقف الدول الأفريقية، فقد ألمحت تلك الدول بأنها ستُفشل المؤتمر إذا لم تتراجع سكرتارية القمة عن موقفها “الإنتقائي” في تقديم الدعوات (إلى جانب البشير، صدر إحتجاج من ديكتاتور زيمبابوي روبرت موقابي بسبب رفض منح تأشيرة دخول لزوجته  لحضور المؤتمر).

لم يفهم النظام أن مساندة الرؤساء الأفارقة ودعمهم في مثل هذه المحافل لا طائل من ورائها، فهي مساندة تعيس لخائب رجاء، فكل رئيس بما فيه ينضح، وكل منهم – فيما عدا قِلّة – يرى نفسه في محنة زميله، وشفاعة أي منهم لرفيقه هي شفاعة النفس للنفس، وفي ذلك تفسير لموقف الرؤساء الأفارقة الداعم للرئيس البشير دون أن يكون لديهم أي علم إن كانت التهم الموجهة إليه صحيحة أو ملفّقة أو يبذلوا أي جهد في سبيل معرفة ذلك.

هذا الموقف يجعلنا نسأل، ما الذي يجعل المؤتمر الوطني نفسه لا الشعب السوداني، يتمسك ببقاء رئيس  فضيحة لا يستطيع تمثيل بلده وتتم مطاردته من حارة إلى حارة ويتم لفظه في كل مناسبة تجمع أقرانه!! يحدث ذلك ونحن في بلد كان في يوم من الأيام إذا وُجهت تهمة – ولو باطلة – ضد أصغر موظف ميري يتم إيقافه عن العمل ويبقى ببيته حتى تنتهي المحاكمة أو المحاسبة، وذلك حتى  لا يؤثر وجوده بمحيط العمل على سير الإجراءات وبما يمكّنه من طمس معالم الجريمة.

حتى تاريخ اليوم لم ينطق الرئيس – ولا مستشاريه – بكلمة واحدة يدافع بها عن نفسه، كأن يقول بأنه لم يرتكب الجرائم المتهم بها، أو يقول بأن المواطنين في دارفور هم الذين حرقوا قراهم بأنفسهم حتى يلبّسوه التهمة، أو أن الحديث الذي قال فيه أنه لا يريد أسيراً ولا جريحاً لم يخرج من لسانه، أو أنه أسيئ فهمه وتفسيره لأنه كان يقصد منح الأسرى والجرحى جوائز.

غاية ما تقدم به من دفاع هو عدم إختصاص المحكمة، وهو دفع “شكلي” لا موضوعي لم يكن ليمنع من تقديمه للمحكمة المختصة، في الوقت الذي يرى فيه الشعب الوقائع التي تُشكّل أساساً للتهم الموجهة إليه رؤى العين أمامه!! فليس من بين أفراد الشعب من لم يقع على بصره شريط مصور أو صورة تحكي عن المآسي التي يعيشها المواطنين في مناطق الحرب!! التي تكشف عن قرى محروقة وقصف بالطائرات وجثث متفحمة وصغار يعيشون وسط شقوق الجبال!!

 

ليس هناك غباء مثل ما تردده بعض الحلاقيم بالقول بعدم وجود “بديل” لقيادة البلاد غير الرئيس البشير، فكل هؤلاء  لصوص ومنافقين وأصحاب مصلحة، فمثلالقيادة” التي يقودها البشير يمكن أن يقوم بمثلها أي مواطن يُؤتى به من طرف السوق الشعبي أو من أي موقف مواصلات، فهي قيادة بطيش وإهمال وبدون ترخيص، فالرئيس الذي جاءت من ورائه كل البلاوي التي نعيشها (تمزيق البلاد والحروب والفقر والفساد وغياب الحرية) آخِر ذكر بالغ يصلح لقيادة الوطن أو يكون رئيساً عليه، وما تحقق في عهده من طرق وكباري وكهرباء وتطور في المباني ..الخ، يحدث في أي دولة بفعل تقادم الزمن حتى لو تكن بها حكومة من الأساس.

 

كلمتين في حق محجوب شريف

أكثر ما يؤلم المرء أن يمضى شاعر الشعب محجوب شريف من هذه الدنيا قبل أن يشهد نهاية هذا النظام وبزوغ شمس الحرية التي تغنى لها وأفنى عمره في سبيل تحقيقها، و كما قلت في رثاء صديقي مولانا طه سورج الذي سبقه للدار الاخرة قبل بضعة شهور، لو أن الدنيا قد أمهلته حتى رأى نهاية هذا النظام لسلٌم عنقه بنفسه لمَلَك الموت، فالإنقاذ لم تترك له ولأترابه من جيلنا سبباً يجعلنا نتمسك بهذه الحياة بعد أن سرقت عمرنا وقضت على آمالنا وأحلامنا، وكل ما نقوم به الآن محاولة لبذر الأمل من أجل أجيالنا القادمة.

لقد ألهب شاعرنا البطل الثورة في نفوسنا بكلماته التي تغنّى فيها للكرامة والحرية، ولكننا خذلناه،  وكل ما خرجنا به من تلك الكلمات أننا أدخلنا عليها ألحاناً وإتخذنا منها سبيلاً للطرب والأهازيج، ولم نترجمها لتصبح حقيقة على أرض الواقع، ثم مضى شاعرنا العظيم وتركنا ونحن نتعثر من نكبة إلى كبوة دون أن نعرف في أي إتجاه نسير.

نحن اليوم لا نبكي محجوباً وحده، فنحن نبكي فيه أنفسنا ووطننا الذي ضاع ونحن نتقرفص – في إستسلام – أمام جلادينا، فحق لنا البكاء بدموع لا تجف.

رحم الله شاعر الغلابى وجعل البركة في ذريته وإنا لله وإنا إليه راجعون،،

وللوطن رب يحميه،،

saifuldawlah@hotmail.com