عبد الله الشيخ     تمر علينا ذكرى الانتفاضة، وكأننا لا رحنا ولا جئنا.. نحن بين يدي سلطة شمولية، تفتعل حواراً مكتوماً مع المعارضة،

ولا شفافية يمكن انتظارها من حوار “خلوها مستورة”، هذا الذي الذي يجري بين الطرفين، حيث كل طرف يرى اهداف الحوار من الزاوية التى يقف عندها.. الحكومة تبتغي من الحوار مع الاحزاب، فك طوق العزلة الاقليمية والدولية التى تعاني منها، وتتأمل الخروج من نفق الازمة  السياسية و الاقتصادية التى  تحيط بها ، والتى دفعتها الى مواجهة الغضبة الشعبية الاخيرة فى سبتمبر من العام الماضي والتى ازهقت فى سبيل القضاء عليها ارواحاً كثيرة.. هذا الحوار هو حوار ” ساري الليل” ، الذي  لا يتقصَّد ــ على الاقل من الجانب الحكومي ــ إحداث تغيير جذري وفق رؤية كلية تعيد السودان الى سيادة حكم القانون والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة..

دهاقنة الحزب الحاكم يتخذون من الحوار مناسبة لتطرية ذواتهم، بعيداً عن قراءة تجارب التغيير التى حدثت فى العالم من حولهم ، فهم يعتبرون انفسهم فى حصن حصين من حالات الاطاحة التى حاقت بأمثالهم فى هذا البلد، فى ابريل  85  وفى اكتوبر 64 ، و هم يؤمنون ان المكر والخداع  والمراوغة ستنجيهم من غضب الشعب، مع أن حسني مبارك أُطيح به وهو الذي تحرَّص على السلطة بديدبانات الامن والمال ، لكنه تلاشي فى أيام معدودة.. و للتغيير وجوه كثيرة..  ليت الحكومة السودانية تُحسن التصرف فلا يكون التغيير الحتمي  فى السودان تغييراً دموياً ، إن هي اضاعت الوقت فى التسويف بالحوار،، ففي هذه الحالة تستقوي الاطراف بيأسها وربما تزحف حتى خاصرة المدينة كما فعل  ذلك  ابو خليل من قبل فى غزوة ام درمان.. مثلما فعل خليل يمكن للجبهة الثورية أن تفعل، وهذا الخيار ليس بعيداً، اذا تمعنت فى بيان الحركة الشعبية الاخير، الذي أكدت فيه عزمها، انطلاقاً من جبال النوبة ، على اسقاط النظام، مشددة على أن أمامها  الكثير من الخيارات اذا سُدت أمامها  طرق الحوار  والتفاوض الشفيف.. و ما لا تستطيع المعارضة السودانية فعله ، يمكن ان يفعله مسلح فرد، يقوده اليأس الى زخ رصاص ثقيل على هذا البارود الذي شاع فى البوادي، وفى المدن بعد سقوط  امبراطورية القذافي و بعد تمدد رقعة الحرب على الشريط الحدودي مع دولة جنوب السودان.. صحيح أن الحكومة تمكنت من اضعاف المعارضة ..  صحيح أن المعارضة فى اضعف حالاتها، لكن هذا لا يعني أنها عديمة الحيلة..هذه المعارضة  كانت أضعف من حالها الراهن يوم سقط سلطان النميري، وهي على ضعفها ذاك كانت وريثه، وستظل ــ الى حين ــ حاضنة، يتفرخ منها كيان قادم ..

 من يستهين بالمعارضة السودانية الحالية لا بد أن يراقب فعلها، فهي مع ضعفها المشهود عليه، استطاعت انجاز الكثير من المواثيق والقوانين لادارة المرحلة الانتقالية، و هذا يعتبر خطوة مهمة استعداداً للعهد الجديد.. فالتغيير قادم  ــ شاء الاخوان أم لم يشاءوا، تفاوضوا أم اضربوا عن التفاوض ، تلاعبوا بمكنونات الحوار أم امتثلوا ــ .. مهما فعل الاخوان ، التغيير قادم ، ان لم يكن عن طريق الحوار ، فالسودان ليس استثناءاً  من تجارب الزحف افريقية المنشأ..

 لم يعد الحوار حواراً مقترحاً .. الحوار قد بدأ بالفعل لأن الحكومة تريده  محاصصة و صفقات ثنائية.. وللاسف، هناك بين قيادات الاحزاب من يستجيب لفكرة ترميم وترقيع النظام على حساب “المبادئ” .. من أين تُشترى المبادئ..؟