خالد فضل   بقدر حجم الفاجعة على المستوى الشخصي والإنساني برحيل الأستاذ والمربي والصديق الإنسان المبدع محجوب شريف , الا أن هناك ما يستوجب التأمل في سيرة ومسيرة هذا الإنسان الذي مكث على سطح الأرض حوالي 66عاما

إذا استثنينا منها سنوات الطفولة الباكرة جدا لزعمنا بكل ثقة أن ما لا يقل عن نصف القرن قد قضاها كلها يحمل هموم الناس ويعبر عن تطلعاتهم الإنسانية النبيلة وينشد سيادة القيم الرفيعة , يواسي أحزانهم ويدغدغ آمالهم ويبذر فيهم الأمل , يقاوم في عوامل الإحباط واليأس ويناضل من أجل حياة كريمة تليق بالإنسان والذي عنده لا يمثل الا الإنسان غض النظر عن عرقه أو معتقده أو ثقافته أو طبقته الإجتماعية أو نوعه أو وضعه الصحي والبدني الإنسان عنده الإنسان فحسب , وهنا تكمن قيمة محجوب الإنسانية الرفيعة فهو لا يتأفف عن مخالطة والإستماع الى وتحسس مشاعر والتعبير عن تطلعات كائنا من كان من البشر , لا تحجبه حدود عصبية ولا تغلقه أنانية ولا يؤثر نفسه بميزة , بل على العكس دائما ما كان يعبر وهو في أوج علته القاتلة وألمه الممض عن روح غيرية مفرطة في اليقين والتواضع الحقيقي فقد  زرته قبل رحيله بشهر تقريبا في منزله ووجدته يتحدث مع إحدى الشابات عن حالة امرأة تعاني مثله من داء تليف الرئة ولكنه كان يقارن حاله بحالتها حيث يتمتع هو بحسب رأيه بمكيف بارد وجهاز اكسجين وظل ظليل وزوار دائمون وأسرة تهتم به أيما إهتمام أما تلك السيدة فانها تعاني فوق الداء من قلة الحيلة وانفضاض الاسرة وتعاسة البيئة التي تعيش فيها وهذه قيمة نادرة خاصة في زمان السودان الراهن حيث تسود الإنتهازية والأنانية وحب الذات والشره الشديد للتملك , خاصة في أوساط منسوبي ومتنفذي السلطة الإسلامية المستبدة ومن والاها .

  محجوب شريف ظل طوال حياته وفيا للقيم النبيلة لم يتبدل ولم يداهن أو يماري مخلصا وعفيفا في القول والسلوك وزاهدا عن ما في أيدي الغير وكان مثالا للإستقامة , لا يؤمن بأنصاف الحلول ويحترم خيارات الآخرين إذا لم يشاطرونه ذات الموقف . أذكر أنني طلبت اليه إجراء حوار صحفي لصالح مجلة الخرطوم الجديدة وكنت أحد كتابها لفترة , رد على طلبي بقول رفيع وأنه لو كان هناك صحفيا يجب أن أحاوره لكنت أنت هذا على المستوى الشخصي والثقة في قدرتك ولكن لدي موقف مبدئي حول ما يسمى بهامش الحريات ليس هناك ما يسمى بهامش فإما حرية كاملة للجميع على قدم المساواة يحكمها القانون الديمقراطي ويحرسها القضاء العادل والنزيه وإما لا , وهذه قيمة مهمة نحتاجها في زمننا هذا المحكوم بهامش القيم دون متونها .

  محجوب شريف مناضل جسور لم ينكسر ولم تلن له قناة في محاربة ومقاومة أنظمة القمع والقهر والإستبداد التي رزأ بها السودان منذ نوفمبر 58 مرورا بمايو69 وحتى يونيو1989م , وفي كل عهد ديكتاتوري ذاق محجوب شريف ثمن مواقفه سجنا واعتقالا وتشريدا وتعتيما ولكنه ظل صامدا حتى انهد كتف المقصلة كما غنى في ابريل وسينهد حائط باستيل يونيو الاسلامي عماقريب وسيكون غناء محجوب وحدائه الرائع ملهما للأجيال الصاعدة ونبراسا للمقاومين والمناضلين من أجل الحرية كما عبر البروفسير جمعة كندة في كلمته في تأبين الفقيد .وهنا تكمن إحدى قيم نبل محجوب التي تنتشر وستنتشر أكثر لأنها قيم نبيلة يتوق اليها أصحاب النفوس العظيمة ومحجوب الراهب المتبتل في محراب شعبه ينفحه تحياته من تحت كمامة الأكسجين قبل يومين فقط من رحيله لابد سيتجدد دون تشدد وشعبا تترب حيقوم دون شك.

  محجوب نموذج لحياة الأسرة بالسترة وبالمشاركة الند بالند للمرأة والرجل وللنساء المكافحات من وعيه نصيب فست الكسرة وبائعة الشاي والموظفة والمعلمة والطبيبة والمهندسة والفنانة والتشكيلية والصحفية و و و كلهن عنده نموذج للتضحية والعفة والشرف والكرامة وكذا ست البيت وربته لها عنده مقام رفيع , وهذه قيم يحتاجها مجتمعنا في عهد غيهب تشتت فيه أواصر الإلفة وتفرتق شمل الأسرة وسادت فيه الرذائل , ولأن الإنسان السوي يتوق الى المثل والقيم النبيلة فإن في كتاب محجوب المفتوح صفحات وصفحات وهذه ميزة تمنح محجوب الخلود فما من قيمة رفيعة الا وجدتها خصلة فيه جسدها شعرا يطابق حياته وهو أمر نادر الحدوث .

وهكذا نجد سبط القيم التي كانت تشكل حياة محجوب ومحور ابداعه الشعري ونشاطه المدني ونضاله السياسي وتفاعله اليومي سلسلة لا تنقضي من مكارم الأخلاق التي إن قستها بمقاييس التدين وجدتها متطابقة وإن وزنتها بدعوات المصلحين والثوار والمفكرين اكتشفتها دون عناء وإن وضعتها على قائمة الإحتياجات العاجلة لشعبنا ومجتمعنا وجدتها تعبر بالفعل عن تلك الحاجات , فمفرداته التي تدور حول العدل الإجتماعي والحب والسلام والوفاء والمساواة والديمقراطية والوحدة واحترام التعددية الدينية والثقافية ورعاية الطبقات الضعيفة والإحساس بمواجع الضعفاء والسعي لمعالجتها مباشرة عبر مبادرات نيرة خيرة من أطفال الفشل الكلوي الي النساء اللائي يعانين من الناسور البولي الى الأطفال المشردين وثقافة العمل اليدوي والنفير وإيد على إيد تجدع بعيد , وفي كل جهده كان محجوب يستلهم قيم شعبه والمركوز في صميم حياته فتخرج المشروعات مشروعا يتلوه آخر دون ضوضاء وشوفونية ونحن في زمن أضحى فيه التباهي والمظاهر هي سمة معظم الأعمال خاصة من جانب فئة الحاكمين المتسلطين ومن شايعهم . وهذا بالطبع ما يقلق أولئك ويسعد عامة الشعب , فقد جاء موكب تشييعه مهيبا وعفويا وصادقا وكان الحزن حقيقيا وآلاف الناس الكل يعزي الكل لا تعرف شخصا بعينه ولا فردا محددا ترفع معه الفاتحة , وهنا تكمن قيمة رد الجميل ذلك المشروع الذي ختم به الراحل حياته العامرة , فإذا كان محجوب ممتنا لشعبه طيلة حياته وحتى لحظات مماته فإن الجموع التي تدافعت لتشيعه وتودعه وتلقي عليه تحية الوداع والى اللقاء لم يكن من بينها مكري أو مراءي أو مخادع والجموع التي سدت شارع الثورة بالنص من الحارة 21الى مقابر أحمد شرفي لم يكن في وسطها نشال أو مستهتر أو مستبد أو مخادع باسم الدين فمحجوب (ماك الوليد العاق لا خنت لا سراق )كما كان يعلو الهتاف في التشييع . وفي زماننا هذا ما أنبل الشرفاء الذين  لا يسرقون بعد أن صارت السرقة باسم الله في الطرقات تمكين !!! الا رحم الله محجوب فمناقبه مما لا يحيط بها كتاب وما بذره من قيم هي الزاد الذي منه نستمد القدرة على المسير وكما كتب لي الصديق أنور عوض (الوفاء لمحجوب في السير على خطاه ).