يصادف اليوم السادس من أبريل الذكرى التاسعة والعشرين لانتفاضة رجب/أبريل المجيدة التي أطاحت بنظام الدكتاتور الراحل جعفر نميري، مستخدمة سلاحي العصيان المدني والتظاهر الشعبي، إلى ان انحاز الجيش للشعب.

وكأي حدث تاريخي كبير، فإن انتفاضة أبريل جديرة بالدراسة المتأنية لاستخلاص العبر والدروس في المسيرة الوطنية،  لا سيما وان السودان اليوم يعيش تحت وطأة نظام دكتاتوري من العيار الثقيل لا يقتصر خطره على الممارسات التقليدية لكل الدكتاتوريات، بل ان خطره يتجاوز ذلك إلى تهديد الوطن بالتفتيت الى عدة دويلات متناحرة في داخلها وفيما بينها بسبب تمزق النسيج الاجتماعي واستشراء الفتن العرقية والعنصرية والانهيار الاقتصادي وانتشار المليشيات المسلحة الإجرامية التي تتكسب ب”البلطجة” وتمارس هذه “البلطجة” حتى على النظام الدكتاتوري الذي صنعها كما يفعل الجنجويد مع الحكومة!

مما يدل دلالة قاطعة على بطلان ادعاء نظام الإنقاذ ان انقلابه العسكري جاء ل”إنقاذ” السودان من التفكك والفوضى والانهيار الاقتصادي، لأن سياسات هذا النظام ادت لانقسام السودان الى دولتين مع استمرار الحرب الضروس في ثلاث جبهات، وادت الى فوضى من ابشع مظاهرها حالة (حرب الكل على الكل) السائدة حاليا في دارفور بشكل أساسي وأدت الى اوضاع أمنية هي الأسوأ على الاطلاق في تاريخ الإقليم،  وتطرق هذه الحرب من حين لآخر أبواب شمال كردفان، التي أصبح حصارها والاعتداء على سكان عاصمتها الأبيض قتلا واغتصابا وسيلة معتادة من مليشيات الجنجويد في ضغطها على الحكومة من اجل الحصول على “اجرة” القتال في دارفور وجنوب كردفان! وهذا دليل على ان السودان يعيش حالة “اللا دولة” و”اللا قانون” رغم ان 70% من ميزانية البلاد يتم إنفاقها على الأمن والدفاع! ورغم ان حجة الانقلاب العسكري في الثلاثين من يونيو 1989 م كما روجها  خطابه الإعلامي هي أن “الديمقراطية” في السودان لن تقود إلا الى الفوضى! وها هي الفوضى ضاربة بأطنابها في البلاد بعد ربع قرن كامل  من الدكتاتورية المدججة بالأمن والعسكر!

فلم يعد هناك جدال حول ان السودان اليوم قبل الغد يحتاج إلى التغيير الشامل والجذري وفي اتجاه (الديمقراطية)، ولكن هذا التغيير وبحكم طبيعة النظام الحاكم والتحديات الكبيرة التي تواجه البلاد، لن يتحقق إلا إذا توحدت المعارضة السودانية بشقيها(المدني والمسلح) خلف أجندة “التغيير الشامل” الذي يخاطب جذور مشاكل البلاد ويؤسس للسلام المستدام والتحول الديمقراطي، لا سيما وان هناك عملية تفاوضية سوف تستأنف في أديس ابابا نهاية هذا الشهر، ويصر المؤتمر الوطني على حصرها في نقاش قضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق، في معزل عن قضايا السودان الكلية وعلى رأسها الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والبشرية المتوازنة والعدالة الاجتماعية.

النظام يصر على ذلك لأنه ينظر الى اية مفاوضات من زاوية هدفه الوحيد وهو الاستمرار في السلطة، ولكن ما بال المعارضة لا تتوحد في هزيمة هذا المخطط وتقبل بالحوارات الثنائية التكتيكية التي ثبت بالتجربة العملية انها مجرد مضيعة للزمن، وبكل أسف اختار النظام اليوم السادس من أبريل موعدا لانطلاق حواره مع احزاب المعارضة في الداخل، فلبى دعوته البعض ورفضها البعض الآخر، فبدلا من ان تكون هذه الذكرى العزيزة مناسبة لبداية مشروع وطني استراتيجي يجمع”أصحاب المصلحة في التغيير” في منبر مشترك، جعلها النظام مناسبة لاستمرار مخططه التفكيكي للمعارضة وللبلاد، التي لا مخرج لها من المأزق الراهن إلا بحل شامل.